Navigation

لماذا "يتكّسر" الاعلام العربي في العراق ؟

حيدر الملا، محامي قناة الجزيرة في بغداد يجادل ضباط شرطة عراقيين جاؤوا لتنفيذ قرار الحكومة الإنتقالية العراقية الصادر يوم 7 أغسطس 2004 والقاضي بإغلاق مكتب القناة في بغداد لمدة 30 يوما Keystone

يتساءل كثيرون داخل العالم العربي وخارجه: لماذا يبدو الاعلام العربي متشظيا على هذا النحو إزاء الكارثة العراقية؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 27 أغسطس 2004 - 12:26 يوليو,

ويأتي الرد من طرف البعض سهلا وممتنعا بل جازما.."لانه متشظ بالفعل!"..

ففي التلفزيون الفضائي الواحد، والصحيفة الواحدة، والمجلة الواحدة، تتعايش هذه الأيام جملة تناقضات بشكل غريب:

- حينا، يوصف الوجود الاميركي في العراق بانه إحتلال. وحينا آخر تتغير الصيغة لتصبح إما "قوات التحالف" أو "القوات العراقية-الاميركية المشتركة".

- وحينا، تكون العمليات العسكرية في النجف والفلوجة اعمال مقاومة، لتتّحول بعد قليل الى أعمال عنف.

- ثم ان قتلى وجرحى العراق، وهم بالمئات هذه الايام، يوصفون في حفنة من أجهزة الاعلام العربية على انهم "شهداء" و "ضحايا" فيما تميل غالبية هذه الاجهزة الى اعتبارهم مجرد موتى حوادث عنف.

لماذا هذا التخبط ؟.

الاجابة قد نعثر عليها في سؤال آخر: "لماذا يتوّحد الاعلام العربي إزاء فلسطين، وينقسم إزاء العراق"؟.

مع هذا السؤال الثاني، تنفتح أمامنا بعض مغاليق القضايا الشائكة التي تحّرك الشرق الاوسط العربي في هذه المرحلة. إذ يتبين سريعا ان الاجماع الايديولوجي-الثقافي الذي يعكسه الاعلام العربي إزاء القضية الفلسطينية، ينقلب الى تفتت سياسي حين يصل الامر الى القضية العراقية.

وهذا الانقلاب السياسي يعكس نفسه بالضرورة في الاعلام. لماذا؟ لان هذا الاخير خاضع برمته تقريبا لسيطرة الانظمة العربية، او المتمولين القريبين من هذه الانظمة.

حروب الفضائيات

هناك الان، كما هو معروف، ثلاث فضائيات رئيسة تسيطر على صناعة الرأي العام العربي: تلفزيون "الجزيرة" القطري، وتلفزيون "العربية" السعودي، وتلفزيون "المنار" الموالي لإيران وحزب الله اللبناني.

"الجزيرة"، وبحكم تكوينه التحالفي الغريب الذي يضم في زورق واحد أنصار جماعة الاخوان المسلمين والحكومة القطرية وعروبيين وليبرالين وآخرين مؤيدين للتوجهات الأمريكية، يمثل أقصى درجات التخبط العربي إزاء العراق، برغم أنه متهم بالانحياز الى المقاومة العراقية ضد الاحتلال الامريكي، خاصة في طبعتها "السنّية". وهذا التخبط جعله يدفع في الاونة الاخيرة أثمانا تجلت في مقاطعة الحكومة العراقية له، وفي الانتقادات الموسمية التي يوجهها له بعض كبار المسؤولين الامريكيين.

أما "العربية" فهي تجهد لان تبدو محايدة في الصراعات العراقية، بيد انها تميل بشكل دائم الى ان تكون انعكاسا للسياسات السعودية العامة إزاء بلاد ما بين الرافدين، والتي تتميز بـ "حرب خفية" تخوضها الرياض ضد نفوذ طهران هناك.

أما "المنار" فهو منحاز بشكل سافر الى كل انواع المقاومات العراقية ضد الاحتلال الأميركي، خاصة منها مقاومة السيد مقتدى الصدر الشيعية. بيد ان نفوذه على الرأي العام، والذي وصل الى ذروته مع تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الاسرائيلي العام 2000، تقلّص الى حد كبير حين انفجر الوضع العراقي، ربما لأسباب مذهبية أساسا.

هذه الانقسامات التي تجتاح الفضائيات الاعلامية العربية، تسحب نفسها أيضا على "الأرضيات " الصحافية المتمثلة في الصحف الرئيسة.

فعلى سبيل المثال، تميل صحيفة "النهار" اللبنانية الى تشجيع الجانب العراقي الرسمي والامريكي تحت شعار "دعم الخيار الليبرالي". فيما تنحاز "السفير" الى القوى المعارضة للإحتلال، مع ميل لمواكبة السياسة السعودية في العراق. وهذا الموقف الاخير تتخذه أيضا باقي الصحف اللبنانية التي تحظى بتمويل سعودي مباشر وغير مباشر.

وتنقسم صحف الامارات وفق الخطوط نفسها تقريبا. فجريدة "الخليج" المستقلة النافذة تقف بقوة من مواقعها القومية العربية الى جانب المقاومة العراقية، فيما تنحو "البيان" و"الاتحاد" الى التعبير عن الموقف الرسمي الاماراتي الذي يقف على مسافة وسيطة في الصراعات.

اما الصحف المصرية فإنها تركّز على انتقاد المواقف الاميركية، بدون ان تنحاز الى المقاومة العراقية. وهذا بعكس الصحف السورية التي تنحاز الى المقاومة بدون التركيز على الاحتلال الاميركي. وهذان الموقفان إنعكاس مباشر وجلي للسياسات الرسمية في كلا البلدين.

نخب جديدة

بيد ان ظاهرة جديدة بدأت تطل برأسها من شقوق هذا التخبط، وهي بدء بروز تيارات عربية تجاهر بتأييدها للتوجهات الاميركية في العراق وباقي أنحاء الشرق الاوسط. وهذا امر لم يكن واردا البتة قبل الان، حين كانت المواقف من الولايات المتحدة تتخذ إستنادا لمواقف هذه الاخيرة من القضية الفلسطينية.

وعلى سبيل المثال، ثمة الان قوى سياسية وإعلامية في الكويت تدعو علنا الى الاندراج في الخط الامريكي. كما ظهرت قوى في لبنان، من أنصار رئيس الوزراء رفيق الحريري وأطراف سياسية أخرى، تنقد علنا الحملات التي كانت روتينية في السابق ضد أميركا. وآخر تجليات ذلك كانت الحملات على التحرك الذي نفذ في مدينة صيدا الجنوبية ضد زيارة وفد من الكونغرس الاميركي للمدينة.

وهذا بالطبع إضافة الى القوى العراقية والاردنية والفلسطينية والمغاربية وغيرها التي تصنف نفسها في خانة الاطراف الموالية مباشرة لواشنطن.

أسباب هذه الظاهرة تبدو متعددة الرؤوس:

- هيمنة واشنطن المباشرة في الشرق الاوسط وإمساكها، بالتالي، بمعظم خيوط اللعبة السياسية والاقتصادية في المنطقة.

- الجهود التي تبذلها الحكومة الامريكية لبلورة نخب شرق اوسطية جديدة في كل مجالات العمل العام (منظمات المجتمعين المدني والسياسي، المرأة، المهن، القطاع الخاص.. الخ) وتخصيصها مئات ملايين الدولارات لهذا الغرض.

- وأخيرا (وهنا بيت القصيد) دور الاعلام العربي، وأيضا الى حد ما الاعلام الامريكي المباشر (إذاعة "سوا" وفضائية "الحرة") في تشجيع بروز رموز هذه الظاهرة.

وهذه النقطة الاخيرة بالتحديد، ربما تضيء الكثير من الجوانب المظلمة المحيطة بأسباب تخبط الاعلام العربي حيال الازمة العراقية!.

سعد محيو - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.