تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

ماذا بعد إلقاء القبض على صدام حسين؟

مترجم عربي يعمل مع الجيش الأمريكي يكتب شعارات باللغة العربية على جدران مدينة تكريت مساء الأحد 14 ديسمبر 2003

(Keystone)

تختلف مشاعر العراقيين إزاء إلقاء القبض على صدام حسين ما بين مبتهج ومرحب بما حصل، وحزين غاضب لما يرى فيها كرامة وطنية امتُهِنـَتْ وآخر غير مهتم.

وجائت ردود فعل المواطن العراقي إزاء الحدث الذي أنهى أسطورة صدام حسين متنوعة، في ظل مخاوف من المستقبل واحتمالاته.

بصرف النظر عن كل ما قيل ويقال بصدد الأخطاء أو الخطايا التي ارتكبها صدام حسين خلال سنوات حكمه التي امتدت 24 عاما فقد شكَّـل حادث إلقاء القبض عليه مفاجأة كبيرة، وسبـَّب مزويجا من الذهول والصدمة والإبتهاج والفرح في الشارعين العراقي والعربي، وظلَّ الخبر الأول الذي يتصدَّر نشرات الأخبار في كل أرجاء العالم.

ولا تنبع تلك الصدمة، ولا ذلك الإبتهاج من مجرد إلقاء القبض على هذا الرجل، حتى وإن كان صدام حسين الذي حشدت ضده الولايات المتحدة وبريطانيا ما حشدتاه من أسلحة وأموال وجهود استخبارية توزَّعت على خارطة العالم، وإنما هي ناجمة عن الآلية التي تمّـت بها عملية إلقاء القبض، والطريقة التي شاهدها كل العالم، والتي أظهرته بائسا رثا مستسلما لقدره وعلى نحو يخالف كل التحليلات والدراسات التي أُنجزت عن شخصيته المتفرِّدة.

وتختلف مشاعر العراقيين إزاء ما حصل ما بين مبتهج ومرحب بما حصل، وحزين غاضب لكرامة وطنية امتُهِنـَتْ. وتتوزَّع ردود فعل المواطن العراقي إزاء هذا الحادث الذي أنهى أسطورة صدام حسين بطريقة يرى فيها كثيرون أنها غير لائقة به وبشعبه الذي رزح تحت ظل حكمه قرابة ربع قرن ودفع دون قيادته – إيمانا أو خوفا أو طمعا – من التضحيات والخسائر ما دفع.

بين العيد والفاجعة !

فقد بالغ البعض في إظهار مشاعر الابتهاج بإلقاء القبض على صدام حسين. وكان أبرز الذين عبَّروا عن ذلك بطريقة مبالغ بها (تقترب من الإفتعال) هم أعضاء الأحزاب العراقية القادمون من خارج البلاد، وربما حاول آخرون من المتضررين من حكمه بشكل مباشر التعبير عن مشاعر غير مُسيَّـسة.

وفي انتظار إجراء تحليل نفسي معمق ومحايد لشتى المواقف التي عبر عنها العراقيون يوم 14 ديسمبر يمكن القول أنها كانت -في مجملها- تعبيرا عن شعور طاغِ بعدم التوازن، وإحساس كبير بضرورة رد الفعل. ذلك، أن المفاجأة سمحت لمثل هذه المشاعر والانفعالات بالتكوُّن الفوري غير المحسوب، وهو شعور يختلف كليا بالطبع عن تلك المشاعر المحسوبة والمخطط لها بدقة من ذي قبل.

ففي حين اعتبر البعض هذا اليوم عيدا وطنيا ينبغي الاحتفال به على غرار الاحتفال بيوم 9 أبريل، يوم سقطت بغداد أسيرة بيد الاحتلال الأمريكي، رأى البعض الآخر فيه يوما أسودا وفاجعة كبيرة.

أما البعض الآخر، فلم يكترث بما حصل، استنادا إلى يقينه بأن مرحلة صدام حسين انتهت منذ 9 أبريل يوم أطيح بتمثاله وبنظامه، ويوم استباحت الدبابات الأمريكية عاصمة حكمه.

في المقابل يشير آخرون إلى أن الموضوعية تقتضي عدم التغاضي عن حقيقة أن لهذا الرجل الذي حكم العراق ربع قرن من الزمن أنصاره ومؤيدوه، ومع أنهم ليسوا كثيرين إلى الدرجة التي يُـمكن أن يشكِّـلوا خطرا بالغا على العراق، إلا أنهم ليسوا قلَّـة إلى الدرجة التي يمكن معها أن يُهملوا ولا يُحسَبَ لهم حساب.

وربما كان عدد من العراقيين يعتقدون أن صدام حسين، وبصرف النظر عما ارتكب من أخطاء أو خطايا، ما يزال رئيسا شرعيا للبلاد برغم الاحتلال أو ربما بسببه أيضا، وهذا ما يؤكده القانون الدولي، كذلك لعدم وجود حكومة شرعية معترف بها في العراق حتى الآن، وهي شرعية قانونية لا تنقضها حقيقة كونه طليقا أم أسيرا.

وربما فضَّل كثير من العراقيين والعرب أن تكون خاتمة أسطورة صدام حسين على طريقة مغايرة، يعني أن لا تكون نهاية هذا الرجل على يد أعدائه والمتربصين به، ولكنها الأقدار، وربما يكون هو أيضا أدرك – بعد فوات الأوان – قوة القدر المحيط به فاستسلم له!

مــاذا بــعــدُ؟

وقد يكون الألم الذي انتاب البعض داخل العراق وخارجه نابعا من عُـمق المأساة العربية التي جعلت رئيس واحدة من أكبر الدول العربية أسيرا بيد جيوش الاحتلال لينضم إلى قائمة افتتحها ذات يوم ياسر عرفات رئيس دولة فلسطين القابع رهن الأسر أيضا.

وأياً يكن الأمر، فقد انتهت فصول رواية صدام حسين وألقي القبض على من رصدت الولايات المتحدة ملايين الدولارات ثمنا لرأسه، غير أن الذي ينظر إلى أمام ويكون معنياً بالبحث عن مستقبل العراق وشعبه، يشغله ذلك السؤال الكبير الذي يقول: ماذا بعد إلقاء القبض على صدام حسين؟

فتأثير ما حدث لا بد أن يكون جدياً حتى وإن لم يكن كبيراً وملحمياً وخطيراً، فممّـا لا شك فيه أن هذه اللحظة تاريخية ومصيرية بكل معاني هذه الكلمات، وهي تمثل مفترق طرق حقيقي، ونقطة تحول كبرى في مسار الأحداث الجارية في عراق العهد الجديد.

فإما أن تسير الأمور بشكل أفضل، وتنعم البلاد بقدر متنامٍ من الاستقرار والهدوء، وهو ما يسعى البعض إلى الترويج له خدمة لمنطلقاتهم، وإما أن تسير الأوضاع نحو الهاوية أكثر فأكثر، وهو احتمال ضعيف نسبيا.

ولا يمكن أن يعزِّز ضعف الاحتمال الثاني فرص نجاح الاحتمال الأول، ذلك أن الأمور لا يمكن أن تُقاسَ بهذه الحدية أو بهذه الطريقة، فالتقييم قد لا ينحصر بالضرورة بين أسوأ وأفضل فقط.

وفي تقدير الكثير، فإن هناك احتمالا ثالثا يتمثل في استمرار الوضع على ما هو عليه، ويستند هذا التقييم إلى حقيقة أن عمليات المقاومة الجارية حاليا لا يُـنفّـذها بالكامل أنصار صدام حسين ومؤيدوه، وإنما تنفذها مجاميع شتى، ربما كانت تتناقض كليا وتتقاطع بالجملة مع أفكار ومنطلقات صدام حسين ومواقفه السياسية.

مصير المقاومة

فالحقيقة المستقرأة من المعاينة المباشرة للوضع العراقي تقول إن العمليات التي يقوم بها أنصار صدام حسين قد لا تمثل إلا ما نسبته 5 إلى 10% من إجمالي عمليات المقاومة الجارية في العراق، وهي حقيقة تستند إلى جملة وقائع ومؤشرات ليس مجال استعراضها الآن.

ومع أن عملية إلقاء القبض على صدام حسين قد وجهت ضربة بالغة للتنظيمات البعثية المتبقية، فإن ذلك قد لا يعني بالضرورة أن البعثيين سينكفـئون على وجوههم إلى الأبد ليتركوا ما كانوا يُـعلنوه من مبادئ وشعارات. فهذا الحزب، بصرف النظر عن كل شيء، له من الجذور الضاربة في صميم بنية المجتمع العراقي، ومن الامتداد التاريخي والجغرافي والبنيوي ما لا يمكن أن يُقتـلَع بسهولة.

في هذا السياق يُشار إلى ما أعلنه أقطاب الإدارة الأمريكية من أن الهجمات التي يُـنتظر أن تواجه قوات التحالف وفي مقدمتها القوات الأمريكية ستتزايد خلال الأشهر المقبلة برغم القبض على صدام حسين، وهو خطاب موجَّه بالدرجة الأساسية إلى الشعب الأمريكي لتهيئته لاستقبال مزيد من الخسائر البشرية في صفوف أبنائه.

ويرى عدد من المراقبين في بغداد أن معدل الهجمات ونوعيتها قد يشهد قدرا من التزايد تتكشف معه حقيقة الجهات المقاومة فعلا، إذ ربما كان عدد غير قليل من الراغبين بالمقاومة حريصون على تأجيل مشاركتهم الفعلية فيها إلى هذه المرحلة لضمان أن لا تجيَّـر عملياتهم لصالح صدام حسين، وقد كانوا على خلاف جوهري وتناقض بـيّـن معه.

تأثيرات الحدث في الداخل

في المقابل يُتوقع أن يؤثر الحدث على مواقف الكثيرين، أي أنه قد يتيح لعدد غير محدود من كوادر حزب البعث العربي الاشتراكي وقياداته فرصة "التحرر" من سلطة صدام حسين، وهي سلطة كانت تستند إلى جملة مؤثرات، من بينها قيادته للحزب، ويده التي كانت تَـطال بقسوتها وبطشها الكثير من الأنصار والمؤيدين، كما سيتيح لقطاعات ليست محدودة من الشعب العراقي فرصة "التحرر" من احتمالات عودته إلى سدة الحكم مرة أخرى، وهو ما كانت البعض يروِّج له، لا من باب التأييد والمناصرة، وإنما من باب التحريض والتخويف ودفع الناس إلى التسليم المطلق بجزئيات الموقف الأمريكي وطروحات أتباعه.

وبقدر تعلق الأمر بواقع ومفردات حياة المواطن العراقي، فمن غير المتوقع أن يكون لما حدث تأثيرات إيجابية فورية. فالمعاناة التي يواجهها العراقيون ناجمة بالدرجة الأساسية عن انعدام أو ضعف الكفاءة في أداء الهياكل الإدارية الموجودة حاليا، أو تلك المشكـَّلة في الآونة الأخيرة.

على صعيد آخر لا يعتقد المراقبون أن يكون لإلقاء القبض على صدام حسين أي تأثير جدي على ثقة العراقيين بمجلس الحكم الانتقالي العراقي ودوره في حياتهم. فانعدام الثقة بأغلب أعضائه لا ينبع من كون صدام حسين طليقا، وإنما يستند إلى ضعفهم وهشاشة تأثيرهم السياسي، وقدرتهم المحدودة - إلى حد الآن - على التأثير في بنية المجتمع العراقي وتكوين امتدادات حقيقية فيه، فضلا عمـا يُعرَف عن البعض منهم من تاريخ غير نظيف.

من سيحاكم صدام؟

أما بصدد محاكمة صدام حسين، فما يجري الحديث عنه منذ يوم الأحد لا يتجاوز حدود الترويج الدعائي لـ "نزاهة" و"حيادية" محكمة جرائم الحرب التي شكَّلها مجلس الحكم الانتقالي العراقي مؤخرا.

وعلى الرغم من كل التصريحات يبدو شبه مؤكّـد أن محاكمة صدام حسين لن تكون سريعة على الإطلاق، ويسود اعتقاد واسع بأنها لن تكون علنية، ولو سُـمِـح لها أن تكون كذلك، فسيجري اختيار دقيق ومحكم لمشاهد بعينها تبث إلى المشاهد لأغراض محددة، بل يذهب البعض إلى أن محاكمته "لن تكون عراقية، حتى وإن تصدَّر قضاة عراقيون واجهتها".

وفي انتظار تطورات المشهد العراقي يدعو البعض إلى عدم الإسراف في الأوهام بخصوص عدالة المحكمة المرتقبة ونزاهتها، إذ أن من سخرية الأقدار، ولعله من حِـكمتها أيضا، أن يكون أعداء هذا الرجل هم قضاته وهم من سيحقق معه. إنها ثنائية القاضي والجلاد، أو ثنائية الخصم والحكم، تلك الثنائية المضحكة والمبكية في آن واحد.

فالذي سيحاكم صدام حسين قضاة دولة الاحتلال التي أطاحت به أو قضاة محكمة سيشكَّلها أعضاء مجلس الحكم الانتقالي العراقي وهم أعداؤه بالضرورة، مما سيفقد هذه المحكمة والمحاكمة كثيرا من الشرعية، وسيفتح أبواب الطعن فيها على مصاريعها.

أما المطلوب الآن، والذي يُتوقع أن يجري فعلا فهو التحقيق معه عن قضايا سياسية ومالية واستخباراتية بالدرجة الأساسية، إذ أن الهـمَّ الرئيسي للولايات المتحدة، مثلما يقول عدد من العراقيين، ليس تثبيت حقوق الإنسان في العراق أو في العالم العربي، ولا البحث في انتهاكات هذا الرجل للقانون الدولي، ومدى ارتكابه جرائم حرب من عدمه.

وفي كل الأحوال، على المتأمل أن يرصد مستقبل الأوضاع في العراق بعيدا عن شبح صدام حسين وظلِّه، وعليه أن يستطلع ما إذا "تحرر" العراق فعليا من هذا الرجل وسطوته التي كانت طيلة ثلاث عقود ونصف حديدية فعلا، بل فولاذية أيضا، أم أنه سيظلَّ أسير هذه الأسطورة، وأن شبح الرجل سيظل كذلك حتى وإن كان أسيرا في قبضة الأمريكان؟

مصطفى كامل - بغداد


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×