تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

ما بعد الانتخابات العراقية.. حقائق جديدة وتطورات ملفتة

مواطنون عراقيون يُتابعون تغطية مباشرة لنتائج الإنتخابات المحلية في أحد المقاهي بمدينة النجف (160 كلم جنوب بغداد) يوم 5 فبراير 2009

(Keystone)

أعادت نتائج انتخابات مجالس المُـحافظات العراقية صياغة الكثير من الحقائق، التي كانت غائبة في عراق ما بعد نظام صدّام حسين، منها ما يتعلّـق بمستقبل التكتُّـلات وطبيعة الولاءات الطائفية والعرقية، وتعزيز العملية الانتخابية على أساس الانتماء الوطني، بدلا من الطائفة، خصوصا في محافظات الوسط والجنوب (الشيعية)..

الانتخابات التي جرت في أجواء آمنة تماما من دون دماء، رسمت إلى حدٍّ كبير وبشكل لم يكن متوقّـعا لدى الكثيرين، ملامِـح المرحلة المقبلة، قبل الانتخابات البرلمانية المقرّرة أواخر العام الجاري، وحضّرت لدى العراقيين رغبتهم الجدية في استعادة العراق الموحّـد، صاحب السيادة، بعيدا عن التقسيم وحتى الفدرالية، ووضعت اللّـبنة الأولى للتّـغيير المُـرتقب في عراق ما بعد صدّام.

لقد نجحت الانتخابات بكل المقاييس، وكانت المشاركة طبيعية جدّا في مثل هكذا انتخابات محلية، وحقّـقت قوائم أطلقت شعارات لتعزيز سُـلطة القانون، مثل قائمة رئيس الوزراء نوري المالكي (ائتلاف دولة القانون)، نتائج فاقت كل التصوّرات، إذ حصد مرشّـحو هذه القائمة أعلى نِـسبة، خصوصا في الجنوب، فيما تراجع مرشّـحو المجلس الإسلامي الأعلى وحزب الفضيلة وبقية الأحزاب والتيارات الإسلامية، حيث بدَا لافِـتا ضُـعف نفوذ هذه الأحزاب (وليس انحساره تماما)، في ضوء التحالفات مع عِـلمانيين، وحتى مع بعض البعثيين، ما يعني أن الأحزاب الإسلامية ما عادت في الرِّهان بديلا وحيدا للنِّـظام السابق، رغم أن قائِـمتيْ المالكي ومؤسّـسة شهيد المِـحراب، حظِـيتا باهتمام ملحُـوظ من قِـبل الناخبين (وهم أقلّ من نصف المسجّـلين في لوائح الاقتراع)، في الوسط والجنوب.

ويُـمكن القول في ضوء ما قام به المالكي من قيادة مباشِـرة لكُـبرى العمليات العسكرية والأمنية في البصرة والعمارة وغيرهما وفرض القانون على الخارجين عليه وأسلوبه في تحقيق قدْر كبير من المُـصالحة الوطنية، التي أدّت إلى تفكيك عُـقد كثيرة من التّـحالفات الطائفية، التي أكلَـت الكثير من دِماء العراقيين وجُـهدهم، أن العراقيين أخذوا يميلون بوضوح نحْـو الخِـطاب العقلاني وبناء دولة عراقية قوية، تحترم بقية الدّول مُـواطنيها حاملي جوازات سفرها..

تبلوُر وعــي جماهيري

والمُـهم في هذه الانتخابات، هو أن الخطاب الدِّيني الذي مُـورس بقوّة، رغم حظره قانونيا، واستخدام الرّموز الدِّينية في الحملة الانتخابية وكل الهجمات الإعلامية، التي لم توفِّـر المالكي شخصيا، لم تمنَـع من انحسار نفوذ قائمة المجلس الإسلامي الأعلى في البصرة ومُـدن أخرى، ما يُـشير إلى أن الوعي الجماهيري ضدّ تقديس الأفراد، أخذ يتبلْـور بشكل طبيعي في العراق الجديد.

لقد كان واضحا أيضا أن الكثير من الإسلاميين الشيعة لم ينجَـحوا طوال السّنوات الماضية في تحسين صُـورتهم النَّـمطية، التي أظهروا بها أنفسهم أو أظهرتهم تصرّفاتهم كماضويين اختزلوا - أمام العالم – مُـشكلة الشيعة مع نظام صدّام، فقط.. في زيارات المراقِـد الدينية! وكأن صِـراعهم مع النظام السابق كان فقط من أجل هذه الزيارات، مع ملاحظة أن الإسلاميين الشيعة كسَـبوا في المدّة الماضية - بعد سقوط صدّام - شعبية كبيرة، عندما كان الفرْز بين العراقيين يتِـم على أساس الإنتِـماء الطائفي، غير أن أداءهم السيِّـئ، خصوصا في الجنوب، والاتِّـهامات بالسَّرقة والاختلاس ونهب المال العام وتغليب المحسوبية والمحبوبية والولاءات الحِـزبية والشخصية، على الكفاءة والوطنية، كسرت الكثير من قواعِـد اللُّـعبة في مُـعادلة الولاء والانتماء، جعلهم يفقِـدون الكثير من احترامهم، حتى لدى أنصارهم وذوي الأسَـر الذين تمَّـت التضحية بهم في طريق "ذات الشوكة"..

نضج سياسي

وإذا كان المالكي نجح، حيث فشل المجلسيون في شعارهم "معكم معكم"، المقتبس من زيارة دينية، في الاحتفاظ بنسبة ولاء عالية من قِـبل أسَـر "الشهداء"، وكان برنامج ائتلاف دولة القانون يستنِـد إلى نجاح الحكومة في فرْض القانون والمُـصالحة الوطنية، وكذلك على وِحدة العراق وتقوية المركز وتعديل الدستور، لإضعاف سلطة الفدراليات، خاصة في كردستان، فإن بقية الأحزاب الدِّينية الشيعية تحديدا، وبسبب تخلِّـيها بالمُـطلق عن تلك الأسَـر، ظلّـت تُـطارد قائمة الائتلاف في التّسلسل الانتخابي بعد فرز الأصوات.

وما من شكٍّ، فإن هذه الانتخابات أشعرت المُـواطن العراقي أن المالكي، وهو أمين عام حزب الدّعوة الإسلامية، أعاد للعراقيين الثِّـقة بوجود قيادات مخلِـصة ترجِّح مصالح الوطن على مصلحة الحزب، بالرغم من كل العقبات والمؤامرات. وبدا ذلك واضحا، عندما أظهرت قائمة ائتلاف القانون استعدادا للتعاون مع باقي الكُـتل السياسية، من واقع أن فوز القائمة، هو "نصرٌ لكلِّ العراقيين".

وعلى أي حال، أفرَزت هذه الانتخابات قِـوى جديدة، بعضها كان شخصا واحدا في كربلاء مثلا، حين تلألأ نجمُ مرشّـحٍ واحدٍ في مقابِـل تكتُّـلات وأحزاب لها رصيد كبير من التاريخ، وهو يوسف محمد هادي الحبوبي، الذي كان من موظّـفي النظام السابق، وقد جاء بالمَـرتبة الأولى على حساب الشيرازيِّـين والتيّـار الصّدري والمجلس الإسلامي الأعلى، في مؤشر على أن العراقيين وصلوا إلى مرحلة من النُّـضج السياسي، باتوا يميِّـزون هذا الخِـطاب عن ذاك، من دون نظّـارة يلبسها نيّـابة عنهم الآخرون، وأنهم يحبُّـون مَـن يخدمهم.

صحوة انتخابية

في الأنبار، حيث اشتدّت المنافسة كثيرا، أرضت النتائج كل الأطراف، ومنها الحزب الإسلامي ومجالس الصّحوة، التي حاربت القاعِـدة وأعادت الأمن والاستقرار إلى تلك المنطقة السَّـاخِـنة.

وشكَّـلت هذه النتائج مُـفاجأة، حين تمّ إقناع الكثير من البعثيين بالانضمام إلى الانتخابات، وأعلنت قِـوى مسلّـحة كثيرة، ممّـا يسمّـى "المقاومة"، وضع السلاح جانِـبا، لتُـجرى الانتخابات بيُـسر وسلاسة..

ويبقى أن هذه الانتخابات ستسجِّـل بداية مهمّـة في تثبيت عُـرى ديمقراطية جديدة للعراق الجديد، إذا تمّ بالفعل تفعيل خِـيار الناخب العراقي، وأجريَـت الانتخابات القادِمة على أساس ترشيح الأفراد.. وليس الكُـتل والقوائم.

وأخيرا، لا يبدو أن الانتخابات العراقية شكلت ردّة فعل ضدّ التوجهات الدينية أو التديّن عموما (مثلما قال البعض)، بقدر ما كانت ضدّ وعود الإسلاميين وطائفيتهم، التي اختبَـؤوا خَـلفها منذ سقوط نظام صدّام، غير أنها قد تُـصبح في مرحلة أخرى ردّ فعلٍ قوية ضدّ أولئك الذين يحمِـلون على الدّوام هوية فكرية وعقائدية لم تمنعهم من الإنخراط حتى النُّـخاع في المشروع الأمريكي لبلادهم والمنطقة.

نجاح محمد علي – دُبــي

قائمة المالكي تهزم الاحزاب الدينية في الانتخابات

بغداد (رويترز) - أظهرت نتائج أولية أُعلنت يوم الخميس 5 فبراير، ان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، الذي استند في حملته الانتخابية الى رسالة تقوم على استعادة القانون والنظام، حقق فوزا حاسما على الأحزاب الدينية الشيعية التي سيطرت على العراق في السابق. ويعطي نجاح ائتلاف دولة القانون في انتخابات مجالس المحافظات في بغداد والجنوب الشيعي لزعيم اعتبر ضعيفا من قبل تفويضا لاقامة دولة مركزية قوية وقوة دفع حاسمة قبل موعد الانتخابات العامة، التي تجري في وقت لاحق خلال العام الحالي. وتمثل هذه النتائج أيضا تحولا يبتعد عن السياسة الطائفية العلنية التي القت بقبضتها على العراق منذ عام 2003. وكانت انتخابات مجالس المحافظات التي جرت يوم السبت 7 فبراير، هي اهدأ انتخابات تجرى في العراق منذ الاطاحة بصدّام حسين في عام 2003 واشادت بها واشنطن بوصفها علامة على التقدم، في الوقت الذي تخطط فيه لسحب تدريجي لجنودها وعددهم 140 الف جندي.

وفاز ائتلاف دولة القانون، الذي يتزعمه المالكي بفارق هائل في العاصمة بغداد وثاني اكبر المدن البصرة، كما حقق انتصارات أقل حجما، لكنها ملموسة في سبع من ثمان محافظات شيعية في الجنوب. وأوضحت النتائج ايضا ان الاحزاب العلمانية والمستقلة حققت ايضا نتائج طيبة في انحاء العراق، بعد ان اكتسحت الاحزاب الدينية الانتخابات الاخيرة في عام 2005. وفي تباين واضح، لم يحقق المجلس الاعلى الاسلامي العراقي، الذي يعد حزبا شيعيا مسيطرا في العراق، حتى الان اعتمد على شعاراته ومظاهره الدينية بشكل مكثف وبصورة شاملة في حملته الانتخابية، اي فوز في اي محافظة.

ومع ان العراق اكثر هدوءا في الوقت الحالي من اي فترة مضت منذ الغزو الذي قامت به الولايات المتحدة في عام 2003، فان انتحاريا قتل 15 شخصا في الشمال قبل ساعات من الكشف عن نتائج الانتخابات، مما يذكِّـر بان السلام لا يزال هدفا مراوغا. وقال الميجر جنرال ديفيد بيركنز، المتحدث باسم الجيش الامريكي "إن هذا الهجوم يوضح انه ما زالت توجد بالطبع عناصر هنا -- من القاعدة وارهابيين آخرين -- وانهم يحاولون تعطيل التقدم في انحاء العراق لانهم يرون ان التقدم هو أكبر خطر". واوضحت النتائج التي نشرتها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات ان ائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه المالكي فاز بنسبة 38% من الاصوات في العاصمة و37% في البصرة، وهي المحافظة التي تضم ثاني اكبر مدينة في العراق ومعظم صادراته النفطية. وجاءت جماعة يساندها رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر في المركز الثاني في بغداد، حيث حصلت على 9% فقط من الاصوات. وجاء المجلس الاعلى الاسلامي العراقي في المركز الثاني في البصرة، حيث حصل على 11.6% من الاصوات. وكانت النتائج متقاربة في محافظات شيعية اخرى، وستشهد الاسابيع القادمة تدافع الاحزاب نحو تشكيل ائتلافات في مجالس المحافظات التي تنتخب محافظين اقوياء. وقال جلال الدين الصغير، القيادي في المجلس الاسلامي العراقي الاعلى "هذه النتائج كانت خلافا لتوقعاتنا وخلافا للمؤشرات الاولية التي أمكن الحصول عليها، لكن هذه هي الديمقراطية". وقال "لا نعتبر ما حدث خسارة، لاننا نعتبر انفسنا مكلّـفون بخدمة شعبنا.. واعتقد ان الامور سكتشف ان برنامجنا الذي اعلنا عنه في حملتنا الانتخابية، هو الاصلح على حلّ المعضلة التي تعيشها المحافظات".

وفازت الاحزاب العربية السُـنية في نينوى، اشد محافظات العراق عنفا، بمعظم الاصوات. ويشكل السُـنة الاغلبية هناك، لكن الاكراد سيطروا على ادارة المحافظة، بسبب مقاطعة الكثير من السُـنة لانتخابات عام 2005. ويأمل القادة العسكريون الامريكيون والعراقيون، ان تؤدي عودة السُـنة الى السلطة في المحافظة الى التخفيف من العنف. ويبدو ان حزبا علمانيا والحزب الاسلامي العراقي وشيوخ العشائر قد اقتسموا أصوات الناخبين بشكل متساوٍ تقريبا في محافظة الانبار، التي كانت يوما معقلا لتمرّد السُـنة العرب. وكان الشيوخ قد توعّـدوا برفع السلاح إذا فاز الحزب الاسلامي. وقال الشيخ أحمد أبو ريشة، زعيم حزب الدعوة لرويترز عبر الهاتف وسط ابتهاج مؤيِّـديه في منزله، انهم راضون عن نتائج الانتخابات.

(المصدر: وكالة رويترز بتاريخ 5 فبراير 2009)

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

×