Navigation

ما لا يجوز في مهمة هيوز!

كارين هيوز، وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الدبلوماسية العامة تصافح طالبات مسلمات في جامعة إسلامية في العاصمة الأندونيسية جاكرتا يوم 21 أكتوبر 2005 Keystone

بدأت وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الدبلوماسية العامة كارين هيوز مهمة جديدة في إندونيسيا وماليزيا في سلسلة رحلاتها للاستماع إلى وجهات نظر الشعوب العربية والإسلامية والوقوف على سبل تحسين صورة بلادها في العالمين العربي والإسلامي.

هذا المحتوى تم نشره يوم 23 أكتوبر 2005 - 22:01 يوليو,

فهل استفادت السيدة هيوز من تجربة زيارة الشرق الأوسط في شهر سبتمبر الماضي؟

قبل أن تبدأ السيدة كارين هيوز رحلتها إلى إندونيسيا وماليزيا قدمت تقييما لرحلتها الأولى إلى مصر والسعودية وتركيا أمام حشد من الدبلوماسيين والسفراء الأمريكيين السابقين والمهتمين بالدبلوماسية العامة استضافتهم جامعة جورج واشنطن بدأته بتذكير الحاضرين بأن موجة العداء للولايات المتحدة ليست جديدة.

واستشهدت في ذلك بمذكرة سرية وقعها وزير الخارجية الأمريكية في عام 1950 دين آتشيسون وقال فيها: "إن العداء للولايات المتحدة في العالم العربي يتفاقم، فمن التفجيرات ، إلى التصريحات اللاذعة ضد أمريكا الصادرة عن عدد من المسئولين العرب، إلى الهجمات والإشاعات الخالية من الصحة في الصحافة العربية. و تعبر كل تلك المظاهر عن إعادة تأجيج المشاعر العربية المناهضة للولايات المتحدة. وسواء كان مصدر هذا العداء إسلاميين متطرفين، أو إذا كان بتشجيع من صحافة تفتقر إلى المسئولية أو مسئولين حكوميين ضعفاء يسعون إلى لفت الأنظار بعيدا عن قصورهم، أو كان ذلك العداء اعتراضا صادقا على دور أمريكا فيما تشهده المنطقة العربية من تطورات، فإن المشاعر الراهنة في العالم العربي إزاء أمريكا لا تبشر بالخير".

واستخدمت كارين هيوز تلك المذكرة كمفارقة ينطبق عليها المثل العربي القائل: "ما أشبه الليلة بالبارحة" ولكنها أوضحت وجود فروق بين مشاعر العداء لأمريكا في منتصف القرن الماضي وموجة المشاعر المناهضة لها في السنوات القليلة الماضية وحتى يومنا هذا فقالت: "إننا نواجه اليوم حربا مختلفة تماما ضد شبكة من الإرهابيين الذين لا ينتمون لدولة بعينها، ونعيش في عالم يشهد ثورة في عالم الاتصالات وتتنافس فيه الولايات المتحدة لتفوز بشئ من المصداقية وتشد إليها بعض الانتباه. ولذلك لم يعد النجاح يعتمد على الدبلوماسية العامة وحدها بتوصيل المعلومات إلى داخل المجتمعات المغلقة كما كان في حالة الحرب الباردة."

وشرحت السيدة هيوزالعناصر الثلاثة المكونة للاستراتيجية الأمريكية في مواجهة الموجة الجديدة من المشاعر المناهضة للولايات المتحدة في عالم اليوم:
أولا: تقديم رؤية إيجابية تنطوي على شعور الشباب بالأمل من خلال مساندة أمريكا للحرية ونشر الديمقراطية في العالم العربي والشرق الأوسط الكبير.
ثانيا: العمل على عزل وتهميش المتطرفين وكشف استغلالهم للدين والحديث علنا عن نواياهم والحيلولة دون تمكنهم من تجنيد الشباب لهجمات انتحارية.
ثالثا:العمل على تعزيز الشعور بوجود فعلي لقيم ومصالح مشتركة بين الشعب الأمريكي وشعوب العالم الأخرى.

دروس الرحلة الأولى

ورغم الانتقادات الشديدة التي وجهتها الصحف الأمريكية لأداء السيدة هيوز في مهمتها الأولى في كل من مصر والسعودية وتركيا إلا انها قالت إنها استفادت كثيرا من حواراتها في الدول الثلاث حيث أدركت كيف تختلف ردود أفعال الجماهير لسماع نفس الشئ وضربت عدة أمثلة على ذلك.

فعندما تحدثت عن بناء المؤسسات الفلسطينية في غزة ظن كثيرون أن ذلك يعنى غزة أولا وأخيرا وليس أن بناء المؤسسات في غزة خطوة على الطريق نحو إقامة الدولة الفلسطينية التي ستعيش جنبا إلى جنب بجوار إسرائيل. وأدركت شعور الكثيرين بأنه يتعين على الولايات المتحدة القيام بدور أكثر نشاطا لتحقيق ذلك الهدف ونقلت ذلك لصناع وراسمي السياسة الخارجية الأمريكية وعلى رأسهم الرئيس بوش ووزيرة الخارجية رايس.

وعندما التقت في القاهرة بمجموعة من المثقفين النشطاء في الأحزاب المصرية وجدت اختلافات كبيرة بين توجهاتهم. فمنهم من قال لها إن أفضل سبيل لتحسين صورة امريكا أن تترك الشعوب العربية وشانها بينما طالب آخرون بضرورة بذل المزيد من الجهود الأمريكية لتعميق مسيرة الإصلاح والتحول نحو الديمقراطية.

كما استفادت السيدة هيوز من حوارها مع النساء السعوديات حيث أدركت قلقهن من تشويه صورة المرأة السعودية في برامج التلفزيون الأمريكي ووقفت على حقائق ما تتطلع إليه المرأة السعودية في واقع الأمر وليس من خلال ما يصدر عن وسائل الإعلام الأمريكية. وأدركت من حوارها مع المرأة التركية كيف ينظر الأتراك وغيرهم إلى الحرب على العراق ويعارضون مبررات شنها ولكن يتفقون على ضرورة العمل على بقاء العراق موحدا.

ويأمل خبراء الدبلوماسية العامة الأمريكيون أن تدرك السيدة هيوز في رحلتها الثانية ما يجوز لها أن تخوض فيه وما لا يجوز. فالمشاعر المناهضة لأمريكا في إندونيسيا تتركز على التأييد الأمريكي الأعمى لإسرائيل، والرفض الشعبي للحرب التي شنها الرئيس بوش على العراق وهو ما لمسته في مهمتها الأولى بالشرق الأوسط، أما الجديد في إندونيسيا فهو اعتقاد راسخ بين الجماعات الإسلامية بأن الولايات المتحدة تضمر الكراهية للدول الإسلامية ولعل خطاب الرئيس بوش في السادس من أكتوبر الحالي قد عمق من تلك المشاعر عندما ربط بوش بين الإسلام وكلمات سلبية مثل الفاشية والشيوعية والخطر والشر والإمبراطورية الإسلامية الراديكالية.

لذلك ينصح هؤلاء الخبراء السيدة هيوز بأن تركز على لقاء المنظمات الاجتماعية والمدنية غير الحكومية التي لها اتصال مباشر بجماهير الشعب الإندونيسي. ونصح البعض الآخر بأن أفضل وسيلة لكسب صداقة الشعب الإندونيسي أن تعد السيدة هيوز بتسهيل دخول الشباب الإندونيسي للجامعات الأمريكية وتذليل الصعاب التي يواجهها كل من يحاولون الحصول على تأشيرة لزيارة أمريكا. وفيما يتعلق بالقضايا الأكبر، نصح الخبراء السيدة هيوز بإظهار تأييد أمريكا للديمقراطية المدنية واستكمال عملية التحول الكامل للحكم المدني وأن تنأى بنفسها عن العسكريين في إندونيسيا.

ولعل أفضل نصيحة هي تلك التي قدمها أندرياس هارسونو مدير منظمة إعلامية غير حكومية في جاكارتا: "أرجو أن تكون السيدة هيوز قد أعدت نفسها جيدا هذه المرة لما ستقوله في إندونيسيا وأن تدرك أن المسلمين هناك يتراوحون في أفكارهم بين قمة الليبرالية ومنتهى التطرف".

ما لهيوز وما عليها

ومع تسليم كل خبراء شئون الشرق الاوسط بأنه ما لم يتم إدخال تعديلات على النهج الحالي لسياسة الولايات المتحدة الخارجية خاصة في الشرق الأوسط فلن تتمكن هيوز ولا وسائل وأدوات الدبلوماسية العامة الأمريكية من النجاح في مهمة تحسين صورة امريكا، أقرت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس بضرورة تناغم الدبلوماسية العامة مع السياسة وأعلنت ضم السيدة كارين هيوز وعدد من اعضاء فريقها إلى اجتماعات رسم السياسة الخارجية الأمريكية.

وقد استغلت السيدة هيوز ذلك الموقف بذكاء نظرا لكونها مقربة من الرئيس بوش فنصحته في جلسة غداء ضمت نائبه ديك تشيني ووزيرة الخارجية كونداليزا رايس ومستشاره للأمن القومي ستيف هادلي، بعد عودتها من مهمتها الأولى في الشرق الأوسط، باستقبال مجموعة من المسئولين الفلسطينيين الذين وصلوا إلى واشنطن للإعداد لزيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لأنها لمست من حوارها في المنطقة قلقا من عدم التوازن في التعامل الأمريكي مع الفلسطينيين.

وخلال دقائق قرر الرئيس بوش دعوة المسئولين الفلسطينيين إلى البيت الأبيض وعقد لقاء معهم استغرق ثلاثين دقيقة وشكا خلاله عدد منهم من أن التوسع الاستيطاني الإسرائيلي سيحول دون إقامة الدولة الفلسطينية فوعدهم الرئيس بوش باستخدام نفوذه مع الإسرائيليين إذا اقتضى الأمر.

وعـزا القنصل الأمريكي الأسبق في القدس إدوارد آبنجتون والمستشار الحالي للسلطة الفلسطينية الترتيب للاجتماع والذي انضمت إليه السيدة الأمريكية الأولى لورا بوش إلى قرب هيوز من الرئيس وحرمه وإلى حجم الانتقادات التي تلقتها عن السياسة الأمريكية إزاء الفلسطينيين.

الإسرائيليون قـادمـون

ويرى خبراء شئون الشرق الأوسط في واشنطن أنه لو واصلت هيوز الاستماع إلى نبض الشارع العربي والإسلامي وساهمت في خلق نوع من الاهتمام الرسمي الأمريكي وخاصة في البيت الأبيض بما تصبو إليه الجماهير في العالمين العربي والإسلامي من سياسة أمريكية أكثر توازنا فقد تنجح فيما أخفقت فيه تشارلوت بيرز ومارجريت تاتوايلر اللتين سبقتا هيوزا في منصب وكيلة وزارة الخارجية لشئون الدبلوماسية العامة.

لكنها في مقابل ذلك ستمنى بفشل أكبر من سابقاتها - حسب رأيهم - إذا ما استمعت إلى نصائح كتلك التي طرحها عليها روبرت ساتلوف مدير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط والذي يعد رأس الحربة في الترويج لأهداف اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة ومنها:

- ضرورة التخلي عن استخدام الدبلوماسية الأمريكية تعبيرات "العالم العربي والعالم الإسلامي" والاستعاضة عنهما بالحديث عن دول بعينها لحرمان المتطرفين الإسلاميين من إزالة الحدود القائمة وتحويلها إلى فاصل بين دار الإسلام ودار الحرب!

- ضرورة استيعاب الانتقادات الموجهة للسياسة الأمريكية سواء في العراق أو فيما يتعلق بالمساندة الأمريكي لإسرائيل وانتهاج مبدأ "الاتفاق على عدم الاتفاق" لحشد كل القوي في تحالف ضد المتطرفين.

- ضرورة عدم محاولة اكتساب رضا الإسلاميين أو محاورتهم حيث يؤدي ذلك إلى إشاعة الارتباك بين حلفاء أمريكا في المنطقة وينال من معنوياتهم.

الطريف هنا أن قناة الحرة الفضائية (التي تنفق عليها الولايات المتحدة 102 مليون دولار لتحسين صورة أمريكا لدى المشاهدين العرب) وقعت عقدا في الفترة الأخيرة مع روبرت ساتلوف - الذي سبق له في أبريل من عام 2003 التحذير من إهدار أموال الدبلوماسية العامة في إقامة قناة الحرة في مواجهة قناة الجزيرة - ليقدم المشورة لمدير الأخبار في القناة موفق حرب الذي يتعرض لانتقادات شديدة بسبب أسلوب إدارته القناة، حول كيفية استخدام قناة الحرة في غسل عقول الشباب العربي.

وفي نفس السياق، كلفته قناة الحرة بتقديم برنامج أسبوعي تتم ترجمة محتواه من الإنجليزية إلى العربية بعنوان: "inside Washington" يتوقع أن تبث أولى حلقاته في شهر نوفمبر القادم وهو ما يثير خشية كثيرين من أن يفيض الكيل المعادي لكل ما هو عربي وإسلامي انطلاقا من قناة أرادت بها الدبلوماسية العامة تحسين صورة أمريكا فتحولت إلى ما يشبه انقلاب "السحر على الساحر".

مراسلة خاصة بسويس إنفو من واشنطن

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.