تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

ما وراء القضبــان...

لئن خلا سجن أبو غريب العراقي من المعتقلين، فإن واقع السجون في البلدان العربية يتسم بالقساوة والمهانة

(Keystone)

أعلن في الجزائر عن اعتزام السلطات إغلاق 78 سجنا قديما وتوفير خدمات متنوعة للنزلاء بهدف تحسين الأوضاع في السجون التي تشهد اكتظاظا شديدا.

غير أن هذه الخطوة الإيجابية لا تخفي الواقع المهين الذي يعيشه آلاف السجناء في المعتقلات العربية، سواء بسبب الازدحام أو من جراء سوء المعاملة.

عاد الحديث بقوة عن أوضاع السجون في أكثر من بلد عربي.
فخلال الأسابيع الأخيرة فقط، عاشت ثلاث دول مغاربية أحداثا لها علاقة بهذا الملف الذي يصفه البعض بالداء المزمن.

كانت البداية مع المغرب، حيث تعرض سجنا "سوق الأربعاء" و"الجديدة" إلى حرائق تسببت في موت العشرات من المعتقلين، وفتحت الباب على مصراعيه أمام مشهد مخيف لعالم السجون المغربية.

أما الحدث الثاني، فقد تمثل في قرار السلطات الجزائرية إغلاق سجن "سركاجي" الشهير وتحويله إلى متحف للزوار. حدث ذلك بعد الأحداث الخطيرة التي شهدها هذا المعتقل الضخم والمخيف، الذي دفنت في بعض زواياه أسرار كثيرة من بينها سر مقتل الزعيم محمد بوضياف.

وفي تونس، قرر الرئيس زين العابدين بن علي تشكيل لجنة تقصي للتثبت من صحة الأخبار التي راجت حول أوضاع السجون، وذلك بعد أن احتل هذا الموضوع صدارة اهتمامات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، ودفع بأحد الصحفيين إلى كتابة تحقيق حول الموضوع بأسلوب مهني ونشره بمجلة حقائق، مما عرضه إلى الاستقالة من منصبه.

شــر لابد منـــه؟

السجن "شر لا بد منه". هذا ما يعتقده الجميع تقريبا. ولذلك، لم يقدم أي بلد مهما كان لونه العقائدي والسياسي على إلغاء السجون، حيث يقبع حاليا في كل دول العالم حوالي تسع ملايين معتقل.

لكن، بقدر ما يدور نقاش عالمي حول فلسفة العقوبة وأغراضها، فإن العالم العربي يسوده منذ عشرات السنين مناخ عام حـوَّل السجون إلى عالم مُظلم ومجهول، لا يقع الحديث عنه إلا عندما يغادره المعارضون لأنظمة الحكم ويكتبون مذكراتهم، أو بعدما سلطت عليه منظمات حقوق الإنسان أضواءها الكاشفة.

وقد نجحت هذه المنظمات مع أواخر التسعينات وبداية القرن الجديد في دفع أكثر من بلد عربي نحو تطوير التشريعات الخاصة بأوضاع السجناء وظروف اعتقالهم. لكن بالرغم من ذلك، بقيت السجون العربية تشكو من معضلات كبرى في مقدمتها:

الاكتظاظ الخانق

عندما أكلت النيران عشرات المحبوسين في أحد السجون القريبة من مدينة الدار البيضاء، تم اعترفت السلطات بأن عدد السجناء في المغرب يقدر حسب التقرير الإحصائي لإدارة السجون لسنة 2001 بحوالي 85 ألف، موزعين على سجون وزنزانات لا تتجاوز طاقة استيعابها 32 ألف شخص. وعلى إثر تلك الحرائق، قررت السلطات الإفراج عن 17 ألف سجين من كبار السن والنساء المرضعات والمحكوم عليهم بعقوبات خفيفة.

أما مصر التي تعاني من قلة عدد السجون، فقد ذكر تقرير "المجتمع المدني والتحول الديمقراطي" الذي كان يصدره مركز بن خلدون، والذي غادر مؤخرا رئيسه الدكتور سعد الدين إبراهيم السجن، أن عدد المعتقلين في مصر (سنة 1993) يتجاوز الأربعين ألف، وهو ضعف قدرة استيعاب السجون ومراكز الاعتقال.

وفي الجزائر، يقبع حاليا داخل المعتقلات ما لا يقل عن 35 ألف سجين، وذلك بفائض يتراوح بين 5 و10 آلاف نزيل إضافي.

وفي تونس، فقد أدرج "المركز الدولي للدراسات السجنية" التابع لجامعة "كامبريدج" والذي تقف وراءه وزارة الداخلية البريطانية في تقريره الأخير تونس في صدارة البلدان من حيث عدد السجناء مقارنة بعدد السكان والظروف الاقتصادية والاجتماعية، مما جعلها الأولى على الصعيد العربي، وتحتل المرتبة الأربعين ضمن قائمة تشمل مائة بلد.

ويقدر التقرير عدد نزلاء السجون التونسية ب 23165 سجينا، أي ما يعادل 253 معتقلا مقابل كل مائة ألف نسمة. في حين أن النسبة تقل عن ذلك في بلدان مثل المغرب والجزائر رغم أن عدد سكانهما ثلاثة أضعاف التونسيين وعددهم عشرة ملايين نسمة. وهي تقديرات تطعن في صحتها الجهات الرسمية، وإن كان وزير العدل السيد البشير التكاري يُقـر بوجود ظاهرة الاكتظاظ لكنه يعتبرها ظرفية ومؤقتة ، ويدعو إلى عدم تضخيمها.

قدم المباني

يقر المسؤول الأول على "المديرية العامة لإدارة السجون في الجزائر" السيد "الأخضر فني "أن ما يزيد على 60% من المؤسسات العقابية موروثة عن العهد الاستعماري، مؤكدا أنه "لم يتم إعدادها في ذلك الوقت لأن تقوم بإصلاح الجانح أو السجين".

ويعود تاريخ بناء السجن المدني بتونس الواقع في قلب العاصمة إلى مطلع القرن الماضي (1906). أما سجن برج الرومي الشهير الذي يطل على البحر، فلم يكن مهيئا إطلاقا لإقامة السجناء لفترات طويلة نظرا لشدة رطوبته ومخاطره الصحية. وتستعد السلطات التونسية لبناء عدد من السجون الجديدة التي يفترض أن تستجيب للمقاييس الدولية.

أوضاع صحية ونفسية تدعو إلى القلق

في أجواء مشحونة بالتوتر الناتج عن التكدس البشري وضيق الأماكن والأنفس والآفاق، وقلة النظافة، وتبادل العنف، والاعتداءات الجنسية، والتراكم الهرمي للاضطهاد، واعتماد الحيلة والقوة من أجل البقاء، تتعدد الإصابات، وتكثر الأمراض الخفية والمعدية والمزمنة. ويبلغ بعض السجناء درجة من اليأس تجعلهم يعرضون حياتهم للخطر.

فقد بلغ عدد حالات الانتحار في السجون المغربية سبع حالات خلال عام 2002. وفي تقريرها السنوي عن الحريات استعرضت "الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان" أكثر من ست حالات لسجناء الحق العام ماتوا في ظروف اعتبرتها الرابطة "مشبوهة" وهو ما أنكرته وزارة العدل واعتبرتها وفيات طبيعية.

سجناء الرأي

تواصل جميع الحكومات العربية في نفي وجود سجناء رأي لديها. وهو نفي لم يقنع منظمات حقوق الإنسان الدولية التي تتمسك بقناعتها أن العالم العربي لا يزال من بين المناطق القليلة المتمسكة بتجريم الرأي المعارض للسلطة القائمة، والتي ما تزال تلجأ فيها بعض الأنظمة إلى اختطاف المعارضين أو ما يسمى بالاختفاء القسري الذي تثيره المنظمات في عدد من البلدان مثل ليبيا والعراق ومصر (34 حالة وثقتها المنظمة المصرية لحقوق الإنسان).

كما أن المنطقة العربية قد تكون الوحيدة في العالم التي تسمح بعض أنظمتها بإبقاء شخص في الإيقاف التحفظي سنوات طويلة دون محاكمة أو تحديد التهمة أو إعلام عائلته بمكان إيقافه.

ورغم أن سجناء الرأي يتمتعون في الغالب باهتمام دولي بأوضاعهم ومطالبهم وتحركاتهم، إلا أنهم معرضون باستمرار للضغوط المختلفة والعقوبات من أجل "تدجينهم" والقضاء على نزوعهم نحو الرفض وتمسكهم بحقوقهم السياسية.

لهذا، فإنهم يشكلون المصدر الأساسي لإزعاج السلطات، بل ونقلوا أحيانا الرغبة في التمرد إلى سجناء الحق العام الذين أصبحوا بدورهم يشنون من حين لآخر إضرابات عن الطعام.

فخلال العام الماضي فقط، سجلت السجون المغربية 350 إضرابا عن الطعام. كما عرفت بعض السجون التونسية الأسلوب نفسه.

دولة القانون؟

قد لا يقل عدد السجناء في العالم العربي عن 300 ألف معتقل، وهو ما يدفع الباحثين والنشطاء إلى التساؤل: لماذا هذا العدد الضخم من السجناء؟ وهو سؤال يحيل أصحابه إلى البحث عن الدوافع والأسباب العميقة لانتشار مختلف أشكال الجريمة في العالم العربي.

فالسجون هي في اعتقاد الكثيرين من علماء الاجتماع "المزبلة الخفية" للمجتمعات التي تلقي فيها ضحايا أزماتها واهتزازتها وفشلها في تحقيق التنمية العادلة والمساواة والأمن والتعليم والغذاء والشغل للجميع.

إن ربع المساجين في المغرب تقل أعمارهم عن 34 عاما، ونصفهم ينحدرون من المدن الكبرى التي ارتفعت فيها نسب الهجرة القروية أو النزوح، واستفحل في أحيائها القصديرية الفقر والبطالة والجريمة. وتبلغ نسبة العاطلين عن العمل في صفوف السجناء حوالي 18%.

أما في تونس، فقد تفاقمت خلال التسعينات جرائم العنف ومختلف أشكال السرقة والمخدرات، إضافة إلى التضخم الذي حصل فيما يعرف بالجرائم المالية – خاصة المتعلقة بالشيك بدون رصيد. ونفس هذه الظاهرة تتكرر في معظم البلاد العربية، وهي جرائم تعكس الاختلالات الاجتماعية، والتحولات الجذرية التي طرأت على القيم الفردية والجماعية، نتيجة الاختلال بين الاستهلاك والطموحات الشخصية، وبين الدخل الحقيقي، مع ضعف الوازع الأخلاقي المساعد على التحكم في الرغبة وتحقيق التوازن النفسي والاجتماعي والمالي.

ومما زاد في حدة تلك الأوضاع في المجتمعات العربية، تراجع وانهيار قيمتي العمل والاجتهاد – خاصة لدى الشبان الذين يعايشون في مجتمعاتهم صعود فئات نافذة عبر وسائل غير مشروعة وفي فترات زمنية قياسية، مما يدفع أفواجا من الشباب، إما إلى الهجرة السرية، أو اقتحام العالم المحلي للجريمة، وانتهاج التحايل لتحقيق الثراء السريع.

وإذا كانت بعض الحكومات قد فتحت أبواب سجونها أمام منظمات المجتمع المدني المحلي أو العالمي، فإن الأغلبية ما تزال تعتبر ذلك من خصوصيات "مطبخها الداخلي". مع ذلك، يمكن الحديث اليوم عن بدايات وعي جديد في عدد من دول المنطقة بخطورة هذه المسألة وضرورة القيام بإصلاحات تشريعية وهيكلية وتربوية ترتكز على الاعتقاد بأن السجون هدفها سلب الحرية المؤقتة من أجل إعادة إدماج السجين وليست وسيلة للتنكيل به وإلغاء إنسانيته.

صلاح الدين الجورشي - تونس

معطيات أساسية

حسب قائمة المركز الدولي لدراسات السجون هنالك عن كل 100 الف ساكن في:
تونس: 253 سجينا
الإمارات: 250 سجينا
المغرب: 177 سجينا
الجزائر: 125 سجينا
مصر: 121 سجينا

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×