تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

مبادرة السلام العربية.. بريق عابِـر قبل انطفاء.. مؤقت؟

الجلسة الإفتتاحية للإجتماع الطارئ لوزراء خارجية الدول العربية يوم 31 ديسمبر 2008 في القاهرة

(Keystone)

قبل أسبوعين من بدء الهجوم الإسرائيلي على غزة، أعلنت جامعة الدول العربية أنها بعثت بخطاب الى الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما تُبلغه فيه باستعداد الدول العربية للسلام مع اسرائيل. وقالت الجامعة في بيان صدر يوم 11 ديسمبر 2008 إن وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل وقع الخطاب بصفته رئيس الدورة الحالية لمجلس وزراء الخارجية العرب كما وقعه الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى.

ومضى البيان يقول إن الخطاب "يؤكد الاستعداد لإقامة سلام عادل ودائم مع اسرائيل طبقا لمبدأ الأرض مقابل السلام وقرارات الامم المتحدة ووفقا لمبادرة السلام العربية ومتطلباتها".

هذا البريق الذي أصاب المبادرة العربية للسلام، التي يزيد عُـمرها الآن عن ستِّ سنوات كاملة وبضعة أشهر، جاء مع نهاية عام 2008، وتحديدا في شهري أكتوبر ونوفمبر، ثم سُـرعان ما خبا أو لنَـقُـل عاد الأمر إلى طبيعته، أي الرّفض والتّـجاهل وانتظار يأسِ العرب.

طبيعة المواقف الإسرائيلية من المبادرة العربية هي تلك الحالة من اللامبالاة التي ردّت بها إسرائيل وإدارة الرئيس بوش على المبادرة منذ إطلاقها، والسبب أنها تطلب من إسرائيل الالتزام بما لا تُـريد الالتزام به، سواء لجِـهة الانسحاب من الارض المحتلّـة في فلسطين والجولان ولبنان، وأن تعطي الفلسطينيين حقّـهم في بناء دولة مستقلّـة، وفقا لحدود 1967، على أن تكون القدس الشرقية عاصمة لها وتتوصّـل إلى حلّ لقضية اللاّجئين، وِفقا للقرارات الدولية، وفي المقابل، سيعطي العرب، كل العرب، صكُـوك الاعتراف والتطبيع بلا قيود.

عرض سخي أم فخّ سياسي

رغم ما يعتبِـره العرب عرضا سخِـيا وعادلا وقابلا للتطبيق ويؤسّس لسلام شامِـل قابل للاستمرار، فإن إسرائيل طالما نظرت إلى العرض العربي باعتباره فخّـا سياسيا، يجب الحذَر منه وعدم التعامل معه، اللّـهم باستخفاف ورفض ولا مبالاة، ولذا حين تأتي إشارات إيجابية من قادة إسرائيليين، طالما استهانوا بالمبادرة وبنودها ومضمونها، تعبر عن تقدير نسبي للمبادرة مع اختلاف في طريقة التعاطي معها، يبدو الأمر بحاجة إلى تفسير، ليس فقط للأسباب التي دفعت إلى هذا التغيّـر النسبي، وإنما أيضا إلى المآلات التي يُـمكن أن تصل إليها المبادرة في المستقبل المنظور.

قُـلنا من قبل، إن هذا البريق الذي أصاب المبادرة تركّـز في شهري أكتوبر ونوفمبر الماضيين، وفيهما جاءت الإشارات والتصريحات الإسرائيلية الإيجابية نسبيا ـ قِـياسا للمواقف المُـعلنة سابقا ـ إزاء المبادرة، ويمكن أن نرصد هنا العديد من هذه التصريحات، سواء للرئيس شمعون بيريز أو لرئيس الوزراء أولمرت ـ قبل أن يقدِّم استقالته أو حتى بعدها ـ ولوزير الدفاع باراك ووزيرة الخارجية ليفنى، وهي التصريحات التي دارت حول معنى مركزى يقول "إن في المبادرة العربية نِـقاطا إيجابية، ولكنها بحاجة إلى تطوير"، حتى تتوافق مع المصالح الإسرائيلية، وأن إسرائيل ليس مفروضا عليها أن تقبل المبادرة كما هي، بل يُـمكن أن تتفاوض على بنودها، بحيث ترفض ما تراه مُـضِـرا بأمنها وتقبَـل، بعد تحوير وتطوير، ما تراه مناسبا لتطلّـعاتها.

بندان مرفوضان تماما

وفي كل التصريحات الإسرائيلية، كان هناك رفض واضح لبندين؛ أولهما، أن تكون القدس أو جزء منها عاصمة للدولة الفلسطينية المنتظرة، وثانيها، حق اللاجئين الفلسطنيين في الحل العادل، الذي يفهم أنه يتضمّـن العودة والتّـعويض المناسب عن سنوات الحِـرمان والمُـعاناة.

هذا الرفض الإسرائيلي لإثنين من بنود المبادرة، ينسفها عمليا، لكن السياج الذي وضع فيه الرّفض الإسرائيلي، اختلف من طرف لآخر، وكان بيريز الأكثر وضوحا في الرفض الناعم، حين اعتبر فى زيارته الشهيرة لشرم الشيخ المصرية يوم 24 أكتوبر وبعد أن قابل الرئيس مبارك، طرح رؤيته بأن المبادرة العربية يُـمكن أن تكون أساسا لمفاوضات عربية جماعية مع إسرائيل، وهو ما رفضه مبارك بقوله، إن المبادرة غير قابلة للتّـفاوض، لأنها ببساطة تقول: على إسرائيل أن تعطي للفلسطينيين حقوقهم، وبعدها سيكون تطبيع وعلاقات بلا قيود.

حدثان مهمّـان

علينا هنا أن نذكر أيضا حدثين مهمّـين بشأن المبادرة العربية، الأول، ذلك البيان الحَـدث الذي نشر في 28 أكتوبر في إسرائيل في صورة رسالة مفتوحة موقّـع عليها من عدد كبير من القادة الإسرائيلين، العسكريين السابقين ورجال مخابرات وأمن من الموساد والشاباك وسياسيين ومؤرّخين وأكاديميين وإعلاميين.

وفي البيان، الذي حمل عنوان "تسوية السلام الشامل، هي الطريق لأمن إسرائيل"، وصفت المبادرة العربية بأنها انقلاب فى التوجّهات العربية تُـجاه إسرائيل، لأنها يمكن أن تنهي النِّـزاع وتؤسِّـس اتفاقيات سلام وتُـقيم جيرة حسنة، وأنه من الخطإ تجاهُـل هذه الفرصة التاريخية، التي يقدِّمها العالم العربي المعتدل، في الوقت الذي لا يفرِض أحد على إسرائيل أن تقبل بكلّ بنود المبادرة.

الحدث الثاني، تمثل في إعلان مدفوع تحمَّـلته السلطة الوطنية الفلسطينية، ظهر في صحف إسرائيلية، باللّغتين العربية والعبرية، في النصف الثاني من شهر نوفمبر، وحمل أعلام الدّول العربية وإسرائيل، ونشر بنود المبادرة، كخطوة لتعريف الرأي العام الإسرائيلي بالرُّؤية العربية التي تعرّضت لتشوِيه متعمَّـد في السنوات السابقة، لعلّ ذلك يُـسهم في تحفيز القادة السياسيين، للتّـعامل الايجابي مع المبادرة العربية واعتبارها أساسا مقبولا لسلام إقليمي يُـفيد إسرائيل كما يُـفيد جيرانها.

غير أن استطلاعات الرأي، التي جرت لمعرفة تأثير المبادرة على الإسرائيليين، لم تُـفصح عن تغيير كبير في التوجّـهات، فهُـم مع السلام الذي يؤمِّـن إسرائيل، ولكن دون التنازل عن القدس أو تحمل مسؤولية اللاّجئين الفلسطينيين، لا سياسيا ولا معنويا ولا مادِّيا.

تسريبات أمريكية

في هذا التوقيت تقريبا، بدأت تسريبات منسُـوبة للرئيس الأمريكي المُـنتخب اوباما بأنه مُـقتنع تماما بأن المبادرة تُـعدّ فرصة ذهبية لإسرائيل لكي تعيش في سلام، وأنه من الجنون رفضها.

كما سرّبت تقارير أخرى تقول، إن أوباما سوف يبدأ من اليوم الأول لحُـكمه تنشيط عملية السلام في الشرق الأوسط، وسيُـعيِّـن مبعوثا خاصا، المرجّـح أن يكون دينيس روس، وسوف يعمد إلى إقناع الأطراف المعنِـية بالدّخول في مفاوضات جدّية، لتطبيق حلّ الدّولتين.

يُـمكن هنا أن نربط بين هذه التّـسريبات الأمريكية من جانب، والتحوّل في المواقف الإسرائيلية من جانب آخر، فضلا عن فشل عملية أنابوليس، رغم ما بُـذل فيها من جُـهد واستثمر فيها من مباحثات ولقاءات وتوصِـيات، والجمود المُـفاجئ، الذي أصاب المفاوضات غير المباشرة، التي رعتها تركيا بين دمشق وتل أبيب، وبما يقود إلى أن الموقف الإسرائيلي في مغازلته النِّـسبية للمبادرة العربية، أراد أن يُـعيد ترتيب أوراق المنطقة، وِفقا للهوى السَّـائد في تل أبيب.

فوائد إسرائيلية

هذه المُـغازلة الإسرائيلية، حَـقِّـقت وتُـحقِّـق عدّة فوائد، فمن جانب، أن الإشادة النسبية بالمبادرة العربية، من شأنها أن تُـخفِّـف الضغوط التي يمكن أن يُـمارسها الرئيس أوباما لاحقا على تل أبيب، التي تعمل على بناء صورة الطّـرف المتجاوب مع ما يؤمِـن به اوباما بالفعل، ومن ثمّ، فلا داعي للضغوط، أيا كانت.

ومن جانب آخر، أن مثل هذه المواقف ذات النّـغمة الإيجابية، يُـمكن أن تظهر إسرائيل كطرف قريب من مِـحور الاعتدال العربي، وأنها مستعدّة لمزيد من التقارب مع هذا المِـحور، شريطة أن يقبل أعضاؤه بنَـوع من التقارب أو الخُـطوات الإيجابية تُـجاه إسرائيل، وِفقا لِـما قالته تسيبي ليفنى، وكأن إسرائيل ترى في مجرّد الإشادة بالمبادرة العربية، مع التحفّـظ على نصف مبادئها، موقِـفا يستحِـق أن تحصل على مقابِـل له من عَـرب الاعتدال.

فشل أنابوليس

هنا، يبدو عامِـل فشل إستراتيجية أنابوليس مُـهمّـا في تفسير هذا التحوّل الشكلي الإسرائيلي. ففي هذه المباحثات المباشرة وكذلك غير المباشرة، عبر تركيا مع دمشق، أدركت تل أبيب أن المطلوب منها كثير إزاء كلّ طرف بذاته، وأنها في الوقت نفسه، لا تستطيع أن تتماشى مع تلك المطالب، وأيضا لا يُـمكنها أن توصِـد تماما أية أبواب لمفاوضات لا تُـجبرها على شيء مُـحدّد، ولكن تدفع عنها ضغوطا مُـحتملة من هنا وهناك، على الأقل لن تظهر إسرائيل باعتبارها الطّـرف الرافض لسلام سخي يقدّمه العرب.

ولذا، جاء البديل في تغيير شكلي إزاء المبادرة العربية، وهو ما عبّـر عنه بيريز بوضوحٍ كاملٍ في أكثر من مناسبة، أراد من خلالها التّـبشير بأنه في مفاوضات عربية جماعية مع إسرائيل، ما يحمي إسرائيل ويقدّم لها سياجا أمنيا يحمِـيه العرب قبل أي أحد آخر، والمُـهمّ أنها حماية قليلة الثّـمن.

وإذا ما تطوّر هذا الأمر لكي يكون أساسا لمفاوضات عربية جماعية إسرائيلية، تكون إسرائيل حقّـقت اختراقا كبيرا، حتى قبل أن تقدِّم أي شيء، لا للفلسطينيين ولا للسُّـوريين.

عامل الانتخابات الإسرائيلية المبكّـرة، يلعب أيضا دورا كبيرا في تفسير مثل هذا التحوّل الإسرائيلي، إذ يُـمكن لكل قائد إسرائيلي يسعى للفوز، أن يقول إنه مع السّـلام مع كل العرب، ولكن دون دفع أي مقابل ملموس، فقط كلِـمات ومناورات.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

بعض بنود "مبادرة السلام العربية"

انطلاقا من اقتناع الدول العربية بأن الحل العسكري للنزاع لم يحقق السلام أو الأمن لأي من الأطراف.

1- يطلب المجلس من إسرائيل إعادة النظر في سياساتها وأن تجنح للسلم، معلنة أن السلام العادل هو خيارها الاستراتيجي أيضا.

2- كما يطالبها القيام بما يلي:

أ- الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة، بما في ذلك الجولان السوري وحتى خط الرابع من يونيو 1967، والأراضي التي ما زالت محتلة في جنوب لبنان.

ب - التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194.

ج - قبول قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من يونيو في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتكون عاصمتها القدس الشرقية.

3- عندئذ، تقوم الدول العربية بما يلي:

أ- اعتبار النزاع العربي الإسرائيلي منتهيا والدخول في اتفاقية سلام بينها وبين إسرائيل مع تحقيق الأمن لجميع دول المنطقة.

ب- إنشاء علاقات طبيعية مع إسرائيل في إطار هذا السلام الشامل.

4- ضمان رفض كل أشكال التوطين الفلسطيني الذي يتنافى والوضع الخاص في البلدان العربية المضيفة.

5- يدعو المجلس حكومة إسرائيل والإسرائيليين جميعا إلى قبول هذه المبادرة المبينة أعلاه، حماية لفرص السلام وحقنا للدماء، بما يمكن الدول العربية وإسرائيل من العيش في سلام جنبا إلى جنب، ويوفر للأجيال القادمة مستقبلا آمنا يسوده الرخاء والاستقرار.

6- يدعو المجلس المجتمع الدولي بكل دوله ومنظماته إلى دعم هذه المبادرة.

7- يطلب المجلس من رئاسته تشكيل لجنة خاصة من عدد من الدول الأعضاء المعنية والأمين العام لإجراء الاتصالات اللازمة بهذه المبادرة والعمل على تاكيد دعمها على كافة المستويات، وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن والولايات المتحدة والاتحاد الروسي والدول الإسلامية والاتحاد الأوروبي.

(المصدر: الموقع الرسمي لجامعة الدول العربية)

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

×