Navigation

مبادرة المالكي .. ومن يصالح من؟

رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لدى إعلانه عن مضمون مبادرة المصالحة الوطنية يوم 25 يونيو 2006 خلال جلسة برلمانية في العاصمة بغداد swissinfo.ch

مع إطلاق رئيس الوزراء العراقي مبادرة المصالحة الوطنية، تكتمل عناصر مشروعه السياسي ذو الأضلاع الثلاثة: التعبئة ضد الإرهاب والإعمار والمصالحة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 01 يوليو 2006 - 20:01 يوليو,

هذه الأضلاع تعني أن التّركة التي يحملها نوري المالكي كبيرة وشاقة، وتعني أيضا أن هناك من لديه مشروع سياسي آخر بديل لمشروع الطائفية الذي يعمل على ترسيخه بعض رموز الائتلاف الشيعي.

ويفترض أن الإئتلاف الشيعي هو السند السياسي والشعبي للمالكي. ومثل هذه المفارقة، تُـبرز جانبا من التحديات التي تنتظر مشروع المصالحة، جنبا إلى جنب التحديات الأخرى التي أتت بالفعل من جانب المستهدفين بالمبادرة نفسها.

غموض مقصود

وغالب الظن أن المالكي حين طرح المبادرة، كان يُـدرك تماما أنها ليست مقبولة بالكامل كمبدأ وكتفاصيل من بعض رموز الائتلاف الشيعي، ولعل ذلك يفسّـر الصياغة الغامضة أحيانا، والتّـركيز على مبادئ عامة أحيانا أخرى، واستعادة التذكير ببعض ما ورد في الدستور العراقي مرة ثالثة.

فكرة المصالحة الوطنية نفسها، وفي ظل ما يجري في العراق، هي فكرة جيّـدة لا شك في ذلك، بل تبدو كمخرج وحيد، إن صيغت بدقة ونالت التأييد المطلوب من كل شرائح المجتمع.

فالعراق في لحظته الراهنة أحوج ما يكون إلى مصالحة مع النفس بكل مشاربها وتنوعاتها وتوجّـهاتها، ودون حظر على هذا أو ذاك، خاصة وأن الجميع يُـدرك أن أحد أسباب المأساة العراقية الراهنة هو تصور الحكّـام الجُـدد، بفضل الاحتلال، أن مستقبل العراق بات رهنا لرغباتهم بلا حدود، وإحدى هذه الرغبات هي الانتقام والثأر ممّـن يعتبرونهم محسوبين، بأي درجة كانت، على العهد الصدّامى البائد.

الفشل الثلاثي

من جانب آخر، فإن هذه المصالحة تعني بدرجة ما، فشلا ذريعا لمشروع الاحتلال الأمريكي البريطاني، وفشلا ذريعا أيضا لفرض ديمقراطية بالقوة العسكرية، ولكل ما قيل بشأن جعل العراق منارة تغيير لمنطقة الشرق الأوسط، وفشلا ثالثا لخُـطط إعادة هيكلة العراق وفق مقاس خاص بجزء من شعبه وتجاهل الجزء الآخر منه.

ومثل هذا الفشل الثلاثي ليس مسؤولية الاحتلال وحسب، بل أيضا مسؤولية هؤلاء الذين وضعوا أيديهم في أيدي الاحتلال ووصلوا ببلدهم إلى هذا المأزق الخطير.

هذا الفشل، وبمفهوم المخالفة، يعني انتصار جزئي، ولكنه مهم، لمشروع مقاومة الاحتلال، رغم أن القائمين عليه لا يقدمون مشروعا سياسيا متكاملا للعراق الجديد الخالي من الاحتلال.

ومن هنا، فإن هذه المصالحة تعني في شق منها مراجعة لما جرى فى غضون الأعوام الأربعة الماضية، لكن دون أن تصل إلى حد إنكار كل ما حدث أو الانقلاب عليه، ولذا، فهي من الناحية العملية، تهدف إلى تصحيح الاختلالات السياسية ومحاولة إضفاء شرعية وطنية على مجمل العملية السياسية ونتائجها ـ ممثلة في الدستور وفي الحكومة القائمة وفي التوازنات السياسية الناتجة عن الانتخابات ـ وذلك بجذب من يعتقد أن نواياهم وطنية بالأساس، ولكنهم انحرفوا إلى طريق العنف في التعامل مع الاحتلال.

ولعل ذلك الاعتقاد الضمني هو السبب في عدم التصريح بالتفرقة بين من يمارسون الإرهاب، وليسوا عراقيين ولهم خطط وأولويات مستمدة من الخارج، وهؤلاء الذين مارسوا العنف المشروع ضد القوات المتعددة الجنسيات.

نية طيبة وقيود عملية

وبقراءة نص المبادرة، يتّـضح أن النية المحركة لها طيبة بوجه عام، ولكنها نية محصورة بقيود عديدة، وهناك في النص جانبان: أحدهما، الآليات كتشكيل هيئة وطنية عليا للمصالحة والحوار الوطنى، يتفرع عنها أو بجانبها لجان للمصالحة على مستوى الوطن العراقي ككل وعلى مستوى المحافظات، وعقد عدة مؤتمرات يشارك فيها مختلف شرائح المجتمع، ولاسيما رموزه العشائرية والسياسية الفاعلة، مع دعوة لمنظمات المجتمع المدني أن تلعب دورا في هذا السياق.

وبالرغم من أن الهيئة العليا سوف تشكّـل من ممثلين عن السلطات الثلاث، وممثلين عن القوائم التي شاركت في البرلمان، وشخصيات وطنية عامة، فليس من الواضح طبيعة العلاقة بين هذه الهيئة واللجان الفرعية وبين مؤسسات الحكم القائمة، ولا كيف سيتم استيعاب توصيات هذه اللجان بمستوياتها المختلفة في جانب تطبيقي وتنفيذي ملزم للسلطة التنفيذية، وهل ستؤثر هذه اللجان على دور الجمعية الوطنية العراقية، وفي أي اتجاه؟

مبادئ لا خلاف عليها

أما من حيث المبادئ، المتضمنة فى 24 بندا، ففيها ما لا خلاف عليه، كالخطاب السياسي العقلاني، والشرعية الدستورية ورفض الإرهاب ومنع انتهاكات حقوق الإنسان.

وفي جانب من هذه البنود ما يمكن وصفه بأنه تعهدات من رئيس الحكومة باتخاذ خطوات تنفيذية لحل مشكلات تسبّـبت فيها سياسات الحكومات السابقة، وعانى منها قطاع كبير من العراقيين.

ومن هذه التعهّـدات، إصلاح السجون وحل مشاكل موظفي الدوائر المنحلّـة، وتحسين الخدمات وتحرك حكومي، عربيا وإسلاميا، لشرح ما يجري في الداخل، ونيل التأييد للعملية السياسية، وكذلك إصدار العفو العام على من لم يتورطوا في جرائم وأعمال إرهابية، والتأكيد على أن بناء قوى الدفاع والأمن، لابد أن يرتبط بأسس مهنية وليست سياسية، وإعادة النظر في هيئة اجتثاث البعث، ولكن مع ربط ذلك "بموجب ما نص عليه الدستور وإخضاعها للقانون لتأخذ طابعا مهنيا ودستوريا"، وبما يعني ضبط عمل هذه الهيئة، وليس التراجع عنها أو إلغائها، لان ذلك يتطلب تغييرا دستوريا بالأساس، وهو ما لا يمكن ضمانته في ضوء تركيبة البرلمان العراقي الحالية.

نقاط غائبة

ووفقا للنص، فهناك نقطتان غائبتان تماما، وأثارتا التحفظات والاعتراضات، الأولى، بشأن موقف المصالحة الوطنية من "قوى المقاومة"، أما الثانية، فهي الموقف من القوات متعددة الجنسيات، أو بالأحرى الموقف من الاحتلال.

وفي بنود المبادرة، إشارات لدور هذه القوات في سياق التباحث معها لمنع انتهاكات حقوق الإنسان للمدنيين أثناء العمليات العسكرية، وفي سياق أن استكمال بناء القوات المسلحة وقوى الأمن العراقية سيقود إلى استلامها المهام الأمنية من القوات متعددة الجنسيات، دون الإشارة إلى متى يمكن حدوث ذلك.

إلى جانب الغياب، هناك الغموض بشأن الميليشيات، التي ذكرت في البند 19 بعبارة "وحل موضوع الميليشيات والجماعات المسلحة غير القانونية"، وهي عبارة أتت ضمن بند يتعلق أساسا "بجعل القوات المسلحة غير خاضعة لنفوذ القوى السياسية المتنافسة، وألا تتدخل في الشأن السياسي"، فيما يوحى بأن حل موضوع الميليشيات ينطبق عليه نفس المعايير، ولكن دون تصريح ووضوح كافي، الأمر الذي أثار بدوره تحفّـظات قوى سياسية عديدة، ترى عن حق بأن موضوع الميليشيات كان يتطلب فقرة واضحة تُـحدّد معايير التعامل معها على قاعدة التسريح وعدم الاعتداد بها، وربما السماح وفقا لضوابط معينة لبعض أفرادها بالانضمام إلى الهيئات الأمنية الجاري تشكيلها، بصفتهم الفردية، وليست انتماءاتهم الميليشاوية.

دوافع للتحفظ

النقاط الثلاث الأخيرة، ما بين التغييب المتعمد والغموض المقصود، مَـثلت أسبابا للتحفظ والرفض من قبل الجماعات المسلحة التي تريد الاعتراف بمشروعية ما تقوم به، باعتباره مقاومة مشروعة وقانونية ضد الاحتلال، ولا يترتب عليه أي مساءلة، بل يترتب عليه حقوق وطنية واضحة.

وهنا يجب التفرقة بين تيارين أساسيين في الجماعات المسلحة، تلك المنخرطة في "عملية جهادية ذات امتداد خارجي"، وأبرز من يمثلها مجلس شورى المجاهدين المحسوب على تنظيم القاعدة، وهذه لا تعنيها اعتراف ولا يعنيها مشاركة في العملية السياسية أصلا، ولا تهتم بأي مصالحة وطنية. وهؤلاء، تراهم مبادرة المصالحة، تكفيريين وإرهابيين يجب التعبئة الوطنية ضدهم، وهم بدورهم أعلنوا رفض المبادرة واستمرار الجهاد.

أما التيار الثاني، فهم الجماعات المسلحة ذات الطابع العراقي البحت، أو التي يغلّـب عليها الهم العراقي ومواجهة الاحتلال، وهؤلاء بدورهم موزّعين، حسب المؤشرات المتوفرة، بين قسمين، الأول، يرفض المبادرة تماما لتجاهلها برنامج زمني لإنهاء الاحتلال ولعدم اعترافها بوجود مقاومة مشروعة. والثاني، متحفظ ويرى إمكانية التعامل مع المبادرة، إن أضيفت إليها بعض التوضيحات التي تتناسب مع مطالبهم كجماعات مقاومة مشروعة.

صعوبات مركبة

صعوبات المبادرة، وإن جاءت من أطراف معارضة أصلا، فهذا متوقع، على الأقل كجزء من الحوار الجاري ولتحسين العائد منه، أما إن جاءت من الذين يُـفترض أنهم السند السياسي للمالكي، فهنا تكون الصعوبات مركّـبة، لأن الهدف منها هو إفشالها تماما، وهو ما نرى بوادره في تلميحات قيادات في الائتلاف الشيعي، تشكك في معنى المصالحة، وترى أن المستهدفين منها، بحاجة إلى قوة ردع وحصار، وليس مكافآت سياسية واعتراف وتنازلات.

وفي الشارع العراقي، تبدو حركة الميليشيات الشيعية، التي زادت من معدلات جرائمها بحق العراقيين عشية إطلاق المبادرة، وكأنها تقول للمالكي إنها لن تسمح له بأي مصالحة، كما لن تسمح له بأن يمس امتيازاتها العديدة، بما فيها الخروج المنهجي على القانون بلا أي مساءلة أو محاسبة.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.