Navigation

مجتمع مدني عربي مصغر في سويسرا

صورة من احدى المظاهرات التي شهدتها العاصمة برن في خريف 2002 احتجاجا على الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين swissinfo.ch

تعتبر سويسرا من الدول الرائدة في عمل المنظمات غير الحكومية في مجالات متعددة، حتى تحولت إلى ثقافة وأسلوب عمل يمكن القول بأنها أصبحت معيارا دوليا نموذجيا.

هذا المحتوى تم نشره يوم 24 يونيو 2005 - 17:07 يوليو,

وقد استفاد بعض ابناء الجالية العربية من التواجد في قلب تلك الثقافة، فكان لهم نشاطهم الخاص، الذي نجح في الوصول إلى جزء من أهدافه، رغم التحديات والصعوبات التي تواجهه.

تضم الجالية العربية المقيمة في سويسرا شريحة لا بأس بها من المثقفين، يمثلون أطيافا فكرية مختلفة، بعضهم فضل الانزواء في الظل والابتعاد عن الدخول في معترك الحياة الثقافية أو أنشطة الجمعيات والمؤسسات المهتمة بالشأن العربي، وآخرون رأوا ضرورة الاستفادة من مناخ الحرية والديمقراطية في سويسرا وثقافة الجمعيات غير الحكومية للقيام بنشاط يحاولون من خلاله تفعيل دورهم في المجتمعين، العربي والسويسري، وذلك من خلال إنشاء منظمات وجمعيات غير حكومية.

وقد وجدت سويس انفو خلال البحث عن تلك المنظمات والجمعيات، مزيجا من تلك التي تعمل في مجال حقوق الإنسان والإغاثة، وأخرى في المجال الثقافي الاجتماعي، والقاسم المشترك بينها، هو الاستفادة من المناخ الحر الذي تسمح به سويسرا لممارسة تلك الأنشطة، والخبرة السويسرية المتميزة في مجال عمل وإدارة المنظمات غير الحكومية.

القواسم المشتركة تشجع على التعاون

يقول الدكتور إدوارد بدين رئيس "جمعيّة دعم أطفال فلسطين" "إن السويسريين لديهم دراية واسعة في مجال عمل المنظمات غير الحكومية، وعندما أسسنا الجمعية في عام 2001، ساهم معنا لفيف من السويسريين والسويسريات بخبرة جيدة في النواحي الإدارية، فكانت الجمعية ثمرة تعاون ناجح؛ فنحن، الفلسطينيون في سويسرا، لدينا الأفكار وكلها تدور حول كيفية دعم أطفال فلسطين، والمشاركون السويسريون ساهموا بجانب كبير في أسلوب عمل الجمعية واقتراح الحلول"، ويضيف الدكتور إدوارد بدين في حديثه إلى سويس انفو: "إن هذا التعاون بين الجانبين هو من أهم ثمرات النجاح التي نعتز بها".

ويرى سمير فضة من مجلس إدارة جمعية "الإيمان" التي تأسست عام 2003، بأن التعاون مع الجانب السويسري كان أمرا حتميا، فأعضاء الجمعية يهتمون بالتواصل مع الآخر، ولم يكن من الصعب أن يشارك من السويسريين في عمل الجمعية، لأن نسبة غير قليلة من الأعضاء من عائلات مختلطة سويسرية لبنانية، فالجمعية هدفها رعاية الجالية اللبنانية انطلاقا من مبدأ "الاندماج وليس الذوبان".

في المقابل، تعتمد جمعية "الحقيقة والعمل" Vérité-Action بالكامل على أعضائها التونسيين في نشاطها، وتقول السيدة صفوة عيسى مديرة الجمعية في حديثها مع سويس انفو "جاء انطلاق الجمعية سنة 1997 بمبادرة من مجموعة من الطلبة والمناضلين الحقوقيين، الذين تعرضوا للملاحقة في تونس، ولهم تاريخ نضالي سواء في الجامعة التونسية أو في المجال الحقوقي، التقوا من أجل الدفاع عن مساجين الرأي والتعريف بوضع حقوق الإنسان في تونس، والدفاع عن اللاجئين التونسيين، الذين بدؤوا يفدون على سويسرا منذ سنة 1991".

أما التعاون مع الجانب السويسري فتصفه السيدة صفوة عيسى بأنه يتم "من خلال العمل المشترك مع بعض المنظمات الدولية الحقوقية في سويسرا إضافة إلى الأمم المتحدة، وذلك من خلال بعض التدخلات العاجلة سواء في وضع المساجين أو طالبي حق اللجوء، ثم تطور هذا التعاون إلى تحركات ميدانية وتظاهرات عامة بالتنسيق والتعاون مع المنظمات الدولية، للمشاركة في ندوات ودورات تكوينية في المجال الحقوقي".

نجاحات مشجعة

عمل تلك الجمعيات لم يكن نظريا بل حقق انجازات جيدة، فقامت جمعية "دعم أطفال فلسطين" بشراء معدات طبية ومولدات كهرباء ومعدات لتصنيع الأغذية وتمويل إنشاء نواد للحاسوب، وذلك في مخيّمات شاتيلا والنّهر البارد والبرج الشّماليّ ومار إلياس وعين الحلوة.

ويؤكد الدكتور بدين بأن الإنجازات لم تقتصر على تلك المساهمات العينية، بل تجاوزها أيضا إلى إقامة دوراتٍ تدريبيّة للعاملات الاجتماعيّات وللمربّيات في الحضانات ورياض الأطفال، وتمويل بعض صفوف رياض الأطفال، وبناء مركز لبيت أطفال الصّمود من طابقين، وذلك في مخيّم وافلWavel قرب بعلبك، وهي أيضا نجاحات ساهم فيها الطرف السويسري من خلال التقنيات والأساليب التي يمكن أن نصل بها إلى الهدف".

أما نجاحات جمعية "الإيمان" فكانت على الصعيد الثقافي، الرامي إلى تعزيز الإندماج في المجتمع السويسري، ويتابع سمير فضة "عندما قررنا مثلا تأسيس مدرسة أسبوعية للأطفال، ساهمت العضوات السويسريات بأفكارهن لتكون متماشية مع النظام هنا من ناحية الإدارة والأسلوب التربوي، الذي يجمع بين الهويتين السويسرية واللبنانية، وهو ما تحرص عليه الجمعية".

كما تقوم "الإيمان" بالتعريف بالثقافة اللبنانية من خلال أنشطة مختلفة ومتنوعة تكون أولا وأخيرا بسيطة وبعيدة عن الشكل الكلاسيكي التقليدي، "أفضل الطرق للتعرف على الآخر هو الاحتكاك المباشر والتعايش المشترك في التجارب ذات الاهتمام المتبادل"، ويتابع سمير فضة "فعلى سبيل المثال تقوم الجمعية برحلات خلوية إلى الجبال أو الغابات، وهو تقليد معروف أيضا في لبنان كما هو في سويسرا تتشارك فيها الأسر، فيتعرف الجانبان على جوانب مختلفة اجتماعية وثقافية من خلال الممارسة العملية"، وهذا هو بيت القصيد، حسب رأيه.

بينما تنوعت إنجازات "الحقيقة والعمل" فيما تصفه السيدة صفوة عيسى بأنه "توعيه المنظمات الحقوقية الدولية بأوضاع حقوق الإنسان في تونس، فعلى سبيل المثال كان تقرير العزلة في السجون التونسية (سنة 2000) من أهم التقارير التي حظيت باهتمام المنظمات الدولية المعنية بالشأن التونسي، وتبنته منظمات دولية عريقة، إلى جانب تقارير سنوية في مواضيع شتى أهمها وضع المرأة في تونس، حرية الإعلام، مضايقات ما بعد السجن، الإيقاف التحفظي، الانتخابات الرئاسية".

إلا ان النجاح "السابقة" حسب رأيها كان في تبني المفوضية العليا لحقوق الإنسان قبل عامين قضية ثلاثة مساجين رأي سابقين بشكل كامل، وحصول الجمعية في فبراير الماضي على تزكية قمة مجتمع المعلومات، وتحولت "الحقيقة والعمل إلى مرجع المنظمات الدولية المتواجدة في سويسرا في الشأن التونسي ومحل ثقة لديهم".

هموم مشتركة

الجمعيات التي التقت بها سويس انفو، تشترك في مشكلة واحدة، وهي التمويل وقلة الخبرة في العمل في المنظمات والجمعيات غير الحكومية وعدم وجود "ثقافة العمل التطوعي".

فبينما نجحت "جمعيّة دعم أطفال فلسطين" في حشد عدد لا بأس به من ذوي الخبرة من السويسريين في العمل الإنساني التطوعي، إلا أنها تقف عاجزة امام ضعف الموارد المالية وكثرة المشروعات الملحة والضرورة التنفيذ في فلسطين، وتواجه "الإيمان" مشكلة في العثور على من يساعد في أنشطة الجمعية المتعلقة بمشكلات الجالية اللبنانية.

ونفس المشكلة تعاني منها أيضا جمعية "الحقيقة والعمل" التونسية، حيث تقول السيدة صفوة عيسى "هناك نقص في الموارد البشرية خصوصا في المجال الحقوقي. فعمل المنظمات غير الحكومية له خصوصية ويحتاج إلى الكثير من الصبر وطول النفس وعدم الاستعجال في طلب النتائج. والأهم هو الحماس للقضية وهو عامل محفز على المعرفة والتعلم".

لكن كل هذا يتوقف أمام الموارد المالية المحدودة للجمعيات والتي تعتمد على اشتراكات الأعضاء وتبرعهم بالعمل مجانا، رغم أن ظروف الحياة في سويسرا لا تسمح بهذا إلا لمن يعيش في رغد وبحبوحة، ويؤمن في الوقت نفسه بأهمية القضية التي يعمل من أجلها.

ويقول سمير فضة "المشكلة أن الجالية اللبنانية في زيورخ على سبيل المثال تحتاج إلى موظفين دائمين للعمل على دراسة وحل مشكلاتها، وهذا ما لا يمكن أن يتوافر لعدة أسباب، أولا عدم وجود المال اللازم لتوظيف من يقوم بتلك المهمة، وثانيا ندرة المتطوعين المتفرغين الذين يعرفون كيفية التعامل في مثل تلك الأمور، ولو توفرت الأموال اللازمة، لربما تمكنت "الإيمان" من تقديم خدمات أوسع وأشمل إلى الجالية اللبنانية ليس في زيورخ فحسب بل أيضا في مناطق أخرى".

الأجيال السويسرية العربية القادمة أوفر حظا

هل تحتاج الجالية العربية في سويسرا لمثل تلك الجمعيات؟ أجمع محاورو سويس انفو على الإجابة بـ"نعم"، فالسيدة صفوة عيسى تحذر من إهمال العمل في مثل تلك الجمعيات لأنه سيؤدي إلى ضعف تواصل أبناء الجالية مع قضايا أوطانهم الأم، وتنسيهم القضايا التي من أجلها هاجر الآباء من الأوطان، وبالتالي فإن العمل في مثل تلك الجمعيات هو "تجديد للعهد مع قضايانا" حسب قولها.

ويشترك سمير فضة في هذا الرأي قائلا "إن فرصة الجيل الثاني والثالث ستكون أوفر حظا من الجيل الأول، إذا أحسن هذا الأخير إعداد الابناء ليكونوا جسر التواصل بين الثقافتين، فالجالية تتكاثر بسرعة، ومعها تزداد المشكلات، وإذا لم نرعى قيام تلك الجمعيات فالمستقبل لن يكون سوى واحد من اثنين: إما اندثار الجالية العربية أو تحويلها إلى صورة ممسوخة للشخصية العربية، يستعملها الإعلام كأداة لتأكيد الصور النمطية السلبية عن العرب والمسلمين، مثلما يفعل مع أبناء البلقان".

ويرى الدكتور إدوارد بدين "إن العمل في المجال الإغاثي الإنساني يجذب العديد من السويسريين وهو ما يشجع أيضا أصحاب القضية، أي أبناء فلسطين والعرب في سويسرا للمشاركة، وكلما زادت الخبرة كلما تحسن الأداء".

هذه التجارب الناجحة، رغم الصعوبات والمشكلات، تبرهن على أن نجاح عمل المنظمات غير الحكومية العربية في سويسرا ليس معضلة إذا توافرت الإرادة والإيمان بأهمية القضية التي تقوم من أجلها، لكنها في الوقت نفسه تحد يجب الدخول فيه، تفرضه على الجالية العربية عوامل كثيرة، ومن لم يستفد من تلك الثقافة السويسرية فلا يلومن في النهاية إلا نفسه.

تامر أبو العينين - سويس انفو

باختصار

على الرغم من نجاح العديد من المنظمات غير الحكومية العربية في تثبيت اقدامها على الساحة السويسرية والإستفادة من الخدمات المتعددة التي يتيها لها تواجدها في سويسرا، إلا أن عددها لا يتناسب مع حجم الجالية وهمومها.
تفتقر الجالية العربية إلى تفعيل ثقافة العمل التطوعي، والإهتمام بالقضايا الحيوية ذات الإهتمام المشترك، بين سويسرا والدول التي هاجروا منها.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟