تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

مجلس النواب يوصي الناخبين برفض مبادرة حظر المآذن

(Keystone)

بعد استهجان الحكومة الفدرالية، رفض مجلس النواب السويسري وبأغلبية 129 صوتا مقابل 50 صوتا فقط، يوم الأربعاء 4 مارس 2009، المبادرة الداعية إلى حظر بناء المآذن في البلاد، وقرر عدم اقتراح نص بديل عنها. ويبقى المجال مفتوحا على جميع الإحتمالات في انتظار موقف مجلس الشيوخ الذي يرجح أن يناقش بدوره المبادرة في الدورة الصيفية.

وفي الوقت الذي دافع فيه أنصار اليمين المتشدد على المبادرة واعتبروا إقرارها ضروريا للحد مما أسموه ظاهرة "أسلمة المجتمع السويسري"، ومحاربة "هيمنة الشريعة على النظام القانوني السويسري"، طالبت جميع التشكيلات السياسية من أحزاب اليسار والخضر وأحزاب اليمين ويمين الوسط برفض المبادرة، لكونها تنتهك المبادئ الأساسية للدستور الفدرالي السويسري، وتخالف القانون الدولي، وتشوه سمعة الكنفدرالية في الخارج.

وجاء في رسالة الحكومة إلى البرلمان، والتي كانت محور نقاش وردود دامت خمس ساعات تأكيد على أن مبادرة حظر المآذن "تنتهك مبدأ المساواة أمام القانون، وتستهدف أقلية دينية بعينها، وتتدخل في صلاحيات الكانتونات التي هي صاحبة القرار في المسألة الدينية، فضلا عن أنها تهدد التعايش الديني والسلم الأهلي، وتعرقل الجهود الحكومية في مجال الاندماج".

وتقول الحكومة إنه لا مبرر لهذه المبادرة "فليس هناك تهديد أمني محدق بالبلاد، وغالبية أفراد الجالية الإسلامية منضبطون للقوانين الساري العمل بها".

واعتبارا لحساسية الموضوع، والاستقطاب الحاد الذي أثارته هذه المبادرة منذ الإعلان عنها، تداول على أخذ الكلمة تحت قبة البرلمان أزيد من أربعين نائب (وهو رقم استثنائي) ولم تخرج المواقف عن الدعم أو الرفض في ظل تمسك كل معسكر بموقفه.

عزلة اليمين المتشدد

من دون مفاجأة، لم تلقى مبادرة حظر المآذن الذي أطلقها أعضاء من حزب الشعب (يمين متشدد) ومن الإتحاد الديمقراطي الفدرالي (يميني متطرف) أي تأييد من خارج صفوف أكبر حزب في البلاد وحليفه التقليدي الصغير. فقد اختار بقية النواب مهاجمتها، وتفنيد الأسس والدعاوى التي بنيت عليها، فضلا عن اعتبارها "ضارة وغير مجدية".

وخلال جلسة المداولات الطويلة، لم ينقطع اليمين المتشدد عن ترديد القول بأن تكرار المطالبة بإنشاء المآذن عبر البلاد دليل ملموس على "تنامي الاسلمة الزاحفة التي تهدد الهوية الأوروبية والمسيحية للمجتمع السويسري". وكرر رموز هذا التيار القول أن في دعم هذه المبادرة "توجيه إشارة قوية" ضد ما أسموه "هذا الزحف الأخضر"، و"ضد عدم تسامح العالم الإسلامي مع الأقلية المسيحية المقيمة هناك"، على حد تعبير هانس فوهرر، النائب عن حزب الشعب بكانتون زيورخ.

من جهتها شنت ياسمين شوتّر، نائبة عن حزب الشعب من كانتون سانت غالن، هجوما لاذعا على "الإتجاه الداعي إلى تطبيق الشريعة" وعلى "أوضاع المرأة في المنظور الإسلامي". وواصلت تقول: "لقد حان الوقت لإيقاف الحضور الإسلامي المتنامي في سويسرا". وتوجهت بكلامها إلى أبناء الجالية المسلمة محذّرة "على الذين اختاروا العيش في سويسرا احترام قوانيننا وقيمنا المسيحية، ولابد أن يفهموا ان هناك قوانين لعبة لابد من احترامها".

وعملا بقاعدة الغاية تبرر الوسيلة، بدا رموز اليمين المتشدد، المعروفون عادة بمواقفهم المحافظة في قضايا الأسرة وأعراف الزواج، متوحدين في التنديد بموقف الإسلام المتشدد ضد "الزواج المثلي".

وفي مسعى من بعض نواب اليمين المتشدد لتلطيف هذه المواقف، وكسب أصوات لهذه المبادرة، تكرر على لسان الكثير من المتدخلين من أنصار هذا التيار التأكيد على أن المبادرة "لا هدف لها سوى محاربة المآذن، وما ترمز إليه من هيمنة وسيطرة سياسية، وليس النيل من قيمة الحرية الدينية". وفي لهجة تصالحية قال أوسكار فريزينغر، النائب من حزب الشعب عن كانتون فالي: "بإمكان المسلمين المقيمين في سويسرا، والبالغ عددهم قرابة 350.000 فردا أن يمارسوا شعائرهم في مساجد من دون مآذن".

التاريخ يعيد نفسه

في المقابل، لم يتأخر الهجوم المضاد من الأطراف المعارضة للمبادرة. وفي رد لافت، ذكر النائب عن حزب الخضر بكانتون تسوغ، جوزيف لانغ بأن "المبادرة الشعبية الأولى التي صوّت فيها الشعب السويسري والمتعلقة بقضية "لحم الكاشير" (أي المذبوح طبقا للتعاليم اليهودية) كانت موجهة ضد اليهود. في تلك المرحلة، أي في القرن التاسع عشر، وقال أنصار تلك المبادرة أيضا أنهم ليسوا ضد اليهود، وأنهم فعلوا ذلك لحماية الحيوانات، وها هو التاريخ يعيد نفسه". وختم النائب تدخله متسائلا: "بالأمس اليهود، واليوم المسلمون، فعلى من ستدور الدائرة غدا؟".

كذلك، عبّر المعارضون لهذه المبادرة عن خشيتهم من الأخطار التي ستجلبها هذه الخطوة على سويسرا وعلى أمنها ومصالحها الاقتصادية في العالمين العربي والإسلامي. وبصوت واحد تقريبا أدانت الأحزاب اليسارية وأحزاب يمين الوسط، ما اعتبرته "شوفينية"، و"تطرفا لن يؤدي إلا إلى تأجيج التعصب والكراهية بين طوائف المجتمع".

وفي تناقض تام مع المخاوف السياسية التي يبرر بها المبادرون دعوتهم لحظر المآذن، قالت النائبة برليس هوبّر كاترينا، من حزب الخضر بزيورخ: "عندما رأيت مئذنة زيورخ لأوّل مرة أصبت بخيبة أمل، كنت أنتظر أن أرى مئذنة شاهقة وجميلة وأنيقة، لكن لم يكن الأمر كذلك".
وأردفت تقول: "أتمنى ان أرى يوما مئذنة تكون فخرا لسويسرا، وقبول هذه المبادرة التي هي أمامنا اليوم ستكون فضيحة لبلادنا".

ومن ناحيته، قال النائب هنبل ناف روث، من الحزب الإنغليكاني المسيحي بكانتون أرغاو تعليقا على المبادرة "إنها لن تكافح التطرف والإرهاب، بل ستؤججه، وستوجه رسالة إقصاء وتمييز لكل المسلمين، وستعمّق شعورهم بالعزلة". وفي معرض رده على القائلين بضرورة مكافحة "الأسلمة الزاحفة"، أجاب قائلا: "بدل مكافحة عودة المسلمين إلى ديانتهم، لماذا نتجنب الحديث عن ابتعاد المسيحيين عن حضارتهم وديانتهم".

وذهبت النائبة الإشتراكية هايم بيي من سولوتورن إلى أبعد من ذلك، حيث اعتبرت أن "هذه المبادرة لا تستهدف المآذن، ولو كان الأمر كذلك، لماذا لا تشير إلى الرموز الدينية الأخرى؟ إنها مبادرة تستهدف في الحقيقة المسلمين، وتريد محاربة الإسلام".

وعلى عكس الأهداف المعلنة لهذه المبادرة، يتفق المعارضون لها من الأغلبية الساحقة للأحزاب السويسرية على أنها "ستؤدي إلى تشويه سمعة البلاد، ولن تنجح لا في مكافحة الإرهاب، ولا في تسهيل اندماج الجالية المسلمة". ولخص النائب دانيال فيشر عن حزب الخضر بزيورخ الرأي المعارض للمبادرة بالقول: "إذا كان هناك مبادرة كاملة الوضوح في مخالفة القانون الدولي، فستكون هذه المبادرة".

ضربة للإندماج وللمصداقية الدولية

رغم الجدل القانوني الطويل الذي اثاره النواب حول هذه المبادرة، لم يغفل المتدخلون في جلسة 4 مارس أيضا انعكاساتها السياسية على المستوييْن الداخلي والخارجي.

ولتطويق التبعات السلبية لهذه المبادرة، دعت النائبة الراديكالية من كانتون برن هالّر أورسولو إلى "الرد على هذه المبادرة عبر المزيد من الإنفتاح على الجالية المسلمة وعبر تشجيع الحوار بين الأديان، ونشر التعليم وتبادل التجارب".

وأضافت تقول: "سنسعى في كانتون برن إلى اعتماد سياسة تشجع الإندماج، وسنمنح للمسلمين مساحات للمقابر، ولدينا مشروعات قيد الإنجاز لمكافحة الإسلاموفوبيا، ولابد من مساعدة النساء على التعرف على حقوقهن، وعلى ما يمنحهن القانون السويسري".

وتساءلت النائبة الراديكالية: "ما هي الرسالة التي تبعثها سويسرا إلى العالم الإسلامي لو نجح أصحاب المبادرة في مسعاهم؟ وما سيكون تأثير ذلك على مصالحنا الإقتصادية في ظل الأزمة التي نمر بها؟ وما تبعاتها على الجهود الدبلوماسية السويسرية على الساحة الدولية وجهودنا المتعددة لحفظ السلام والإستقرار؟".

وفي نفس السياق أعادت ريكلين كاثّي، النائبة عن الحزب الديمقراطي المسيحي بزيورخ إلى الأذهان "ما أدت إليه الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبيء محمد من اضطرابات وقلاقل ذهب ضحيتها عدد من الأبرياء، وأدت إلى رفع الأصوات الداعية إلى مقاطعة السلع الدنماركية".

واتهمت النائبة الإشتراكية بسولوتورن، هاييم بيي، المتقدمين بهذه المبادرة، بإخفاء الأسباب الحقيقة وراء مبادرتهم، ورأت أن "المبادرة تريد القفز على الأسئلة الحقيقية، كقضايا العدالة الإجتماعية، وتكافؤ الفرص في مجال التعليم والعمل"، وحذّرت من أن "قبول هذه المبادرة ستكون مخالفة واضحة للقانون الدولي، وستضر بمصداقية سويسرا وصورتها لأنها غير قابلة للتنفيذ".

عود على بدء!

مع انتقال الجدل حول بناء المآذن في سويسرا إلى البرلمان، عادت القنوات التلفزيونية والصحف اليومية والأسبوعيات للتذكير بالمخاطر التي يمكن أن تواجهها سويسرا، إذا ما نجحت هذه المبادرة في كسب ثقة أغلبية الناخبين، وبالدلالات والدوافع التي دفعت أصحاب المبادرة إلى طرحها.

ورغم تأكيد صحيفة "لوتون" (تصدر بالفرنسية في جنيف) يوم 28 فبراير على أن هذه المبادرة ليس لها أي حظ للنجاح، لأنها تحظى بدعم فريق سياسي واحد وهو حزب الشعب (يمين متشدد)، لكن طرح المبادرة نفسها تضيف الصحيفة "أثار في الخارج ردود أفعال غاضبة وقوية، ولا تجد العديد من المنظمات والدول الإسلامية تفسيرا مبررا لها".

بعض الصحف الأخرى كصحيفة "24 ساعة" (تصدر بالفرنسية في لوزان) اختارت العودة إلى قضية المآذن من زاوية المبررات التي يسوقها أصحاب المبادرة، وتساءلت الصحيفة في أحد مقالاتها: "هل من العدل بناء وتشييد المآذن في سويسرا، في الوقت الذي تتعرض فيه الأقليات المسيحية في البلدان ذات الغالبية المسلمة إلى التضييق؟"، ومسايرة لهذا المنطق تواصل: "سنمنح المسلمين في بلادنا حق بناء المآذن حين تمنح البلدان الإسلامية المسيحيين حق بناء كنائس ودور عبادة". وتتساءل الصحيفة في النهاية "هل يجب على سويسرا أن تخشى حقا ردود فعل قوية ضد مصالحها في البلدان الإسلامية كتلك التي واجهتها الدنمارك بعض ظهور الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لنبئ الإسلام؟"، و"هذا أمر وارد فعلا"، بحسب حسني لعبيدي، مدير مركز الدراسات السياسية حول العالم العربي الذي حاورته الصحيفة.

اما صحيفة "ليبرتي" (تصدر بالفرنسية في فريبورغ) ليوم 4 مارس، فقد حاولت الخروج برؤية مبسطة وواضحة حول الموضوع، حيث أعطت الكلمة إلى كل من أوسكار فرايزينغر، أحد المتزعمين لهذه المبادرة (من حزب الشعب)، وإلى هوغس هيلبولد، عضو لجنة المؤسسات السياسية بالبرلمان، (من الحزب الراديكالي). وبالنسبة لفرايزينغر فإن "المبادرة تهدف إلى مكافحة الإسلام السياسي، ولا تحد من الحريات الدينية"، في حين يرى هيلبولد أن "إقرار هذه المبادرة يؤدي إلى تشويه صورة سويسرا في الخارج، ويضر بمصالحها الإقتصادية، ويقود إلى إستهداف وإقصاء اقلية دينية بعينها، ويعطل جهود الإندماج". وقد سبق لهيلبولد أن صرح في برنامج تلفزيوني مساء 3 مارس الجاري أن "الدفاع عن الأقلية المسلمة في سويسرا اليوم لا يقل شرفا عن المواقف التي دافعت عن الأقلية اليهودية في الثلاثينات من القرن الماضي".

سويس إنفو - عبد الحفيظ العبدلي مع الوكالات

معطيات أساسية

1 مايو 2007: أطلقت المبادرة الشعبية "ضد بناء المآذن" من قبل مجموعة من ممثلي التيار اليميني المحافظ والمتشدد. وتدعو هذه المبادرة إلى تضمين الدستور الفدرالي نصا يحظر بناء المآذن على التراب السويسري.
8 يوليو 2008: أُودعت المبادرة لدى المستشارية الفدرالية في برن بعد أن تمكن أصحابها من تجميع 113.540 توقيعا من مواطنين سويسريين.
27 أغسطس 2008، وجهت الحكومة السويسرية رسالة إلى غرفتيْ البرلمان (النواب والشيوخ) عبّرت فيها عن رفضها القاطع واستهجانها لفكرة حظر بناء المآذن في سويسرا، لكنها أوضحت أن المبادرة لا تنتهك القواعد الأساسية للقانون الدولي، وبالتالي فهي سليمة من الناحية القانونية.
4 مارس 2009، ناقش مجلس النواب نص المبادرة، وأوصى المجلس (129 صوتا مقابل 50 صوتا) برفض المبادرة من دون ان يقترح بديلا عنها.
من المحتمل ان يناقش مجلس الشيوخ مبادرة حظر المآذن في دورته الصيفية القادمة، ولا يستبعد ان تعرض على الناخبين السويسريين في إستفتاء عام قبل موفى السنة الجارية.

نهاية الإطار التوضيحي
(swissinfo.ch)


وصلات

×