محاولات لحل أزمة الجمعيات الإنسانية

تضرر الآلاف من ضحايا الحروب والأزمات في العراق وفلسطين والسودان وغيرها من العوائق التي أصبحت تواجه عمل المنظمات الخيرية والإنسانية منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 swissinfo.ch

انعقد في جنيف المؤتمر الدولي الثاني للمنظمات الإنسانية والخيرية يومي 24 و25 سبتمبر 2004 بمشاركة عدد كبير من العاملين في هذه المجالات.

هذا المحتوى تم نشره يوم 29 سبتمبر 2004 - 17:21 يوليو,

وتدارس المشاركون أهم العقبات التي تعترض عمل منظماتهم، وخاصة في فلسطين والعراق والسودان في ظل تفاقم الضغوط والتضييقات عليها داخليا وخارجيا.

أنهى المؤتمر الدولي الثاني للمنظمات الإنسانية والخيرية أشغاله بمدينة جنيف يوم الأحد الماضي بعد يومين من النقاشات وتبادل الآراء حول البحث عن الآليات الإقليمية والعالمية لحماية عدد من الجمعيات الإسلامية المهددة بالتصفية والانقراض.

أما المشاركون في هذا المؤتمر، فقد قدِموا من حوالي أربعين دولة، ويمثل معظمهم عشرات الجمعيات والمنظمات العاملة في الحقل الخيري أو المتقاطعة مع مختلف الأنشطة الإنسانية. وقد سبق أن احتضنت باريس المؤتمر الأول الذي انعقد يومي 9 و10 يناير 2003، وحضرته قرابة 240 شخصية، وذلك بمبادرة من "اللجنة العربية لحقوق الإنسان" التي يترأسها الناشط الحقوقي السوري الدكتور هيثم مناع.

وكان من نتائج مؤتمر باريس، تشكيل "مكتب دولي للجمعيات الإنسانية والخيرية"، الذي أوكلت إليه مهمّـة الدفاع عن هذا الملف المعقد الذي فرضته تداعيات ما يسمى بالحرب على الإرهاب.

تجميد ومحاصرة وضغوط

لم يكن أحد يتوقّـع أن تلحق أحداث 11 سبتمبر أضرارا فادحة وخطيرة بعشرات الآلاف من الأطفال والنساء والعائلات الفقيرة، أو التي فقدت القائمين عليها خلال الحروب والنزاعات والكوارث الطبيعية، في إفريقيا أو دول البلقان وأفغانستان وبعض الدول الإسلامية التي استقلت عن الاتحاد السوفياتي سابقا.

ففي أذربيجان وحدها، تقلص عدد الجمعيات الخيرية الإسلامية من 15 مؤسسة إلى 3 فقط، ويعود سبب ذلك إلى أنه خلال التحريات التي قامت بها الإدارة الأمريكية للكشف عن مصادر تمويل تنظيم القاعدة، اشتبهت في بعض العاملين في صفوف عدد من الجمعيات الخيرية الإسلامية أو بعض المتبرعين لها.

وبدل حصر القضية في حالات محددة مع تكثيف التحري للتأكّـد من أن المسألة ليست عفوية أو أنها مرتبطة بمرحلة سابقة عندما كانت الساحة الأفغانية تتلقى الدعم المالي من جهات عديدة، بما فيها الولايات المتحدة نفسها، سارعت الإدارة الأمريكية الحالية بإطلاق النار على عدد واسع من الجمعيات الخيرية الإسلامية، وأصدرت في شأنها قائمة مفتوحة تحمل اسم 27 جمعية وشخصية، وقررت تجميد أموال العديد منها، وحاصرتها بمختلف الأساليب، حتى شلّـت حركة الكثير منها، بل وضغطت على عدد من حكومات دول الخليج (السعودية والإمارات والكويت وقطر) لتشدد من مراقبتها لنشاط جمعياتها الخيرية.

وفي هذا السياق، لم تتردد الإدارة الأمريكية في إرسال وفد من الخبراء للتدقيق في ملفات وحسابات الجمعيات المحلية، وفق شروط اعتُـبرت مناقضة لكل الإجراءات المعمول بها محليا ودوليا، وحتى في الولايات المتحدة نفسها.

فرصة أولى للإلتقاء

لقد تميّـز المؤتمر الثاني للمنظمات الإنسانية بتنوّع المشاركين الذين مثلوا مختلف التيارات الفكرية والمدنية والسياسية العاملة بالساحة، إذ لوحظت مشاركة ممثلين لأبرز الجمعيات الخيرية الإسلامية، غير أن وجوها أخرى معروفة على الصعيد العربي بنشاطها الحقوقي كانت أيضا موجودة، إلى جانب شخصيات غربية، عُـرفت منذ سنوات طويلة بنشاطها الإنساني، ودفاعها عن القضايا العادلة، مثل القضية الفلسطينية.

وقد وفّـر هذا التنوع فرصة للحديث العلني أو في الكواليس عن علاقة جمعيات حقوق الإنسان العربية بالجمعيات الخيرية الإسلامية، هذه العلاقة التي كان يسودها نوع من الشك أو عدم الاهتمام في ظل غياب تقاليد في مجال التضامن بين الطرفين.

وقد وفّـرت الهجمة التي تتعرض لها الجمعيات الخيرية فرصة للالتقاء لأول مرة بين الطرفين في محاولة لتجاوز الخلافات الأيديولوجية التي كانت تشكّـل عامل التنافر والتباعد بينها.

كما كانت مشاركة وفد البرازيل متميّـزة، حيث نقل صورة مؤثرة لما تقوم به بعض الحركات الاجتماعية من محاولات لإنقاذ الأطفال والفقراء والمعوقين، مثل حركة "فلاحين بدون أرض" التي مثلها رجل دين من "ساو باولو" متأثرا بمدرسة لاهوت التحرر. وقد ساهم هذا الخليط من الحضور في إثارة عدد هام من القضايا والإشكاليات، مثل البحث عن الحد الفاصل بين الإنساني والسياسي.

ومن خلال عدة مداخلات، اكتشف معظم المشاركين المساعي الجارية خلال السنوات الأخيرة لتحميل الشركات، خاصة متعددة الجنسيات، مسؤولية الحفاظ على البيئة والتنوع البيولوجي، واحترام حقوق العمال والمواطنين، نظرا للتداخل المتزايد بين التجارة وحقوق الإنسان، وتطور الوعي بضرورة التصدي لما يصفه البعض بالإمبريالية الثقافية.

وقد ضرب المحامي ثورسن من الدانمارك مثالا بالشركات الغربية التي تسهم في بناء جدار الفصل الإسرائيلي، والتي تتعرض لضغوط قوية من منظمات حقوق الإنسان. وأشار هذا المحامي إلى تأكيد رئيس المحكمة الجنائية الدولية بأنه سيستهدف الشركات التي تنتهك حقوق الإنسان، وقال إنه يتوقع أنه سيتم - بعد عشر سنوات فقط - التوصل إلى اتفاقية دولية تلزم الشركات باحترام مختلف حقوق الإنسان، بما في ذلك الحقوق الثقافية.

الأزمة ستطول

نقل الفلسطينيون المشاركون في المؤتمر بدورهم صورة مخيفة عن المخاطر التي تهدد السكان نتيجة الضغوط المتزايدة على الجمعيات الخيرية والإنسانية. والمعلوم أن عملية الربط التي قامت بها الإدارة الأمريكية بين تنظيم القاعدة وفصائل المقاومة الفلسطينية، وذلك تحت ضغط اللوبي الصهيوني واليمين المسيحي المتحالف مع إسرائيل، أسفرت عن قطع شرايين حيوية لعدد من الجمعيات التي كانت تتولى تقديم المساعدات للآلاف من الأسر الفلسطينية.

ومن بين تلك المنظمات ما هو أمريكي مثل "مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية" (ولاية تكساس) و"مؤسسة النجدة العالمية". كما أن جهات التمويل الغربية أصبحت تفرض (منذ سنتين) على كل منظمات المجتمع المدني الفلسطيني الراغبة في الحصول على أي تمويل دعم التوقيع على تعهد يتضمن إدانة المقاومة واعتبارها "إرهابا"، وهو ما اعتبره الباحث الفلسطيني ساري حنفي تحويل الدعم إلى "ابتزاز سياسي مباشر".

لقد تعددت المداخل في إثارة قضية الجمعيات الخيرية والإنسانية، حيث تم التطرق للآليات الإقليمية والدولية التي قد تساعد على حماية هذه الجمعيات، وقدم أحد موظفي الأمم المتحدة الذين تابعوا أشغال المؤتمر عددا من النصائح العملية التي يمكن اعتمادها في تقديم الشكاوى والتعريف بهذه القضية.

لهذا، كان من أهم التوصيات التي تضمنها البيان الختامي "تفعيل آليات الحماية، وتشكيل لجنة قضائية لتقصّـي الحقائق، وتقديم المساعدة القانونية للجمعيات المتضررة"، وهي توصيات التزم بتنفيذها المكتب الجديد الذي تم انتخابه برئاسة هيثم مناع مع أربعة عشر عضوا في ظروف ديمقراطية.

وقد جاءت التشكيلة الجديدة متنوعة، من حيث التوزيع الجغرافي، والانتماء الديني، واختلاف الاختصاصات، ولم تترشح للهيئة سوى سيدة واحدة، وهي السيدة عبلة محمود أبو عبلة من اتحاد المرأة الفلسطينية.

ويبقى التساؤل قائما حول مدى قدرة هذه المنظمة التي تتّـجه نحو اكتساب مصداقية دولية على إقناع الإدارة الأمريكية وحلفائها بضرورة تخفيف الضغط على هذه الجمعيات، إن لم يكن من باب احترام حقها في النشاط، فعلى الأقل من أجل تخفيف محنة آلاف المستفيدين من خدماتها في أنحاء كثيرة من العالم.

في المقابل، يرى المراقبون الأقل تفاؤلا: "إن محنة هذه الجمعيات قد تطول أكثر مما هو متوقع".

صلاح الدين الجورشي - جنيف

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة