Navigation

محطات من تاريخ الدبلوماسية العلمية في سويسرا

المفاعل النووي التجريبي بفارنلانغن سنة 1958: في البداية حظيت قضية التسلح النووي باهتمام بالغ من طرف الدبلوماسية العلمية. RDB

قبل 50 سنة، أرسلت سويسرا إلى الخارج أوّل ملحق علمي. لإحياء هذه الذّكرى، ولفهم أبعاد هذه الخطوة ماضيا وحاضرا، نظمت مؤسسة الوثائق الدبلوماسية ندوة علمية موسعة ببرن يومي 3 و4 ديسمبر 2008، شارك فيها خبراء من الأكاديمية السويسرية للعلوم الإنسانية، ومسؤولون من وزارة الخارجية، بالإضافة إلى ممثلين عن كتابة الدولة للتعليم والبحوث.

هذا المحتوى تم نشره يوم 14 ديسمبر 2008 - 08:02 يوليو,

حضر هذه الندوة مؤرخون سويسريون وأمريكيون شرحوا الظروف الدولية التي نشأت فيها مهمة الملحق العلمي سواء بالسفارات السويسرية أو الأمريكية، وعلاقة ذلك بالتعاون العلمي وصراع النفوذ على الساحة الدولية.

كما أثريت هذه الندوة من خلال الشهادة العينية والأدلة التي قدمها أورخ هوشستراسر، أوّل ملحق علمي في إحدى السفارات السويسرية، وأول موفد حكومي سويسري في قضايا الأبحاث النووية.

المسالة النووية

وبالعودة إلى أواخر الخمسينات، يتضح أن مهمة الملحق العلمي كانت تنحصر في التعرف بدقة على التقدم العلمي في البلد المضيف، وجمع المعلومات حول برامجه في مجال التسلح، في مرحلة كانت هواجس امتلاك السلاح النووي مسيطرة على كل العواصم، وكانت لا تزال الجراح التي تسببت فيها القنبلة الامريكية على هيروشيما وناغازاكي لم تندمل بعدُ.

لقد تبيّن أن سويسرا لم تشذ عن ذلك. فقد شهد اليوم الثاني من هذه الندوة العلمية احتداما للنقاش حول جدية المسعى السويسري لامتلاك القنبلة النووية.

هذه المسألة، بالنسبة للمؤرخ ماورو سيروتّي، الأستاذ بجامعة جنيف، والباحث بمؤسسة الوثائق السويسرية، مؤكدة ولا يعتريها أدنى شك، إذ كان هذا الموضوع في النصف الثاني من الخمسينات مثار جدل تجاوز الدوائر السياسية والعسكرية، وتشكلت لجان سياسية وعلمية لدراسة الإجراءات والخطوات العملية لذلك.

وخلال الندوة إستظهر المؤرّخ سيروتّي بوثيقة صادرة عن "اللجنة النووية السويسرية" سنة 1957، تعتبر فيها أن "الحصول على القنبلة النووية ضروري للحفاظ على أمن البلاد"، وما لم يحدث ذلك، تضيف الوثيقة: "يحدث فراغ أمني بالبلاد" . ولم تر هذه اللجنة في ذلك المسعي ما يعارض مبدأ الحياد، بل تعتقد على العكس أن "الحفاظ على موقف الحياد، يستدعي التزوّد بأدوات الردع الإستراتيجية".

لكن دخول أعضاء جدد في الحكومة الفدرالية بداية الستينات مناهضين لفكرة إمتلاك سلاح نووي، وحدوث تغييرات كبيرة على رأس هرم المؤسسة العسكرية، فضلا عن غياب مساحات كافية لإجراء تجارب نووية، وقلة الباحثين في المجال، كل ذلك جمّد هذا المشروع، الذي قُبر بعد أن أمضت سويسرا سنة 1968 على اتفاقية عدم انتشار الأسلحة النووية.

تطويع الحياد لمواجهة الزحف الأحمر

رغم ما هو متداول عن الطابع الحيادي للسياسة الخارجية السويسرية، يشدد بحث قدمه البروفسور جون كريج، وهو مؤرخ فيزيائي وكيميائي مختص في دور العلوم والتقنية في بناء أوروبا الحديثة على أن "الحياد مفهوم في العلوم السياسية، ولا وجود له إلا في طيات الكتب".

فمن خلال محاضرة بعنوان "العلوم والتقنية، وتطويع مبدأ الحياد"، كشف البروفسور كريج ما أحاط بتأسيس "المركز الأوروبي للأبحاث النووية" (سيرن) الواقع على الأراضي السويسرية المحاذية للحدود الفرنسية، من حسابات سياسية دولية.

وبيّن هذا الخبير بالوثائق والأدلة كيف أن "القوى الدولية قد طوّعت الحياد السويسري، من خلال قبول سويسرا بهذا المختبر على أراضيها، من أجل إعادة إدماج ألمانيا في المنظومة الغربية، وتحييد أخطارها، و من أجل استدراج العلماء من الإتحاد السوفياتي ومن الصين، للمشاركة مع الغربيين في مشروعات بحثية وتجارب مشتركة، الهدف منها على المدى البعيد التجسس على برامج التسلح في البلدان الاشتراكية"، ومراقبة التقدم العلمي فيها عن قرب.

وفي سياق كلامه، أورد صاحب البحث شهادة أحد الباحثين الأمريكيين الذي عمل سابقا في مركز "سيرن" قوله: "كنت كلما عدت إلى الولايات المتحدة أجد بالمطار في بانتظاري عونيْ مخابرات، يسألانني فأحدثّهم عما سمعته وعلمته من الباحثين والعلماء الأجانب".

ويختم هذا الباحث حديثه بالقول: "لقد وظّف الغرب، وعلى رأسه أمريكا الحياد السويسري لإعادة فرض هيمنة أمريكا على البحوث الفيزيائية، وتحقيق التفوق الأمريكي على بلدان الكتلة الشرقية، بعد أن كاد يفتقد تلك الهيمنة أمام التقدم السوفياتي".

من الملحق العلمي إلى الملحق الاقتصادي

مع منتصف الثمانينات، انحصرت شيئا فشيئا أهمية الدور الذي يقوم به الملحق العلمي. فالمجال الأكاديمي خاصة مع انتهاء الحرب الباردة، وانخراط سويسرا في مسيرة الاندماج الأوروبي، تحوّل من ساحة للتنافس إلى مجال للتعاون بين الجامعات والمراكز البحثية. في المقابل تضاعف اهتمام القطاع الخاص بهؤلاء الملحقين والمستشارين، وأعطيت الأولوية للعلوم التطبيقية بدلا من الاهتمام بالعلوم النظرية.

ويقول ستيف باج، خبير علمي بمؤسسة الوثائق الدبلوماسية السويسرية واصفا هذا التحوّل: "بدأ الحديث منذ منتصف الثمانينات عن "المبعوث الصناعي والتكنولوجي"، وأصبح هؤلاء يتبعون وزارة الإقتصاد بدلا من وزارة الخارجية".

وتزامن هذا مع "تغيّر في طبيعة المؤسسة العلمية نفسها - كما يقول الأستاذ أنطوان فلوري، مدير وحدة الطباعة والنشر بالمؤسسة السابقة الذكر - فأصبح التركيز في الأبحاث العلمية على مسألة التنمية المستدامة وقضايا البيئة بدل الإنشغال المفرط بالتسلح، وأصبح كل شيء في العالم مترابطا".

وفي مقابل تراجع دعم الدولة لهذا القطاع من المستشارين، تضاعف عدد المنخرطين في هذا العمل، منذ سنة 2000 أصبح هؤلاء المستشارين العلميين والتجاريين السويسريين موجودين في سنغفورة، وفي شنغهاي، وبانغالور الهندية، تماما كما نجدهم في بوسطن وطوكيو وموسكو، وفي الغالب طبعا في جميع العواصم الاوروبية. ولم يعد عملهم بالضرورة مرتبطا بسفارة أو مرافق رسمية، فهم يوجدون في العادة قريبين من مراكز البحوث والتطوير الصناعي.

كما أصبح هذا القطاع ينزع إلى المأسسة، وبدلا من الأفراد بدأ الحديث عن شبكات ومؤسسات، وفرق عمل مشتركة، وأفضل مثال على ذلك مؤسسة "سويس ناكس" swissnex، التي يقول عنها فرنسوا فيزار، رئيس قسم الدراسات التاريخية بوزارة الخارجية السويسرية: "هدف هذا المشروع إنشاء شراكات مستدامة بين المعاهد العلمية العليا والمؤسسات الصناعية في بلدان مختلفة في نفس الوقت".

لاشك ان خطة الملحق العلمي مهمة إذ بالإمكان ان تساعد في تعزيز القدرة التنافسية للمؤسسات العلمية والإقتصادية، وتيسّر العلاقات الخارجية، وتسهّل التعاون الاكاديمي، لكن هذه الجدوى مشروطة باتباع سياسات علمية حكيمة ونافعة للبلد المعني وللعالم قاطبة.

سويس إنفو - عبد الحفيظ العبدلي - برن

معطيات أساسية

قبل 50 سنة، وبالتحديد سنة 1958، عيّنت سويسرا اوّل ملحق علمي لها بإحدى سفاراتها في الخارج، وهذه أبرز التطوّرات التي لها علاقة بهذه المهمة:
1955: إقترح السفير السويسري بواشنطن على حكومة بلاده تعيين ملحق علمي، واستجابت الحكومة لهذا المقترح، فعينت لهذه المهمة الدكتور أورخ هوسشتراسر الذي باشر مهامه بداية 1958. بالموازاة مع ذلك، سعت الحكومة السويسرية وضع إستراتيجية عامة للتعاون العلمي بينها وبين بقية الدول.
1957 - 1959: الجيش الأمريكي يموّل بحوثا علمية في سويسرا، مما أثار حفيظةوزارة الدفاع السويسرية، التي اتخذت قرارا بمنع تلك البحوث لاحقا، وهو القرار الذي إستطاع السفير السويسري بالولايات المتحدةالنجاح في إلغائه بعد فترة وجيزة.
1960 -1970: تابع الملحقون العلميون السويسريون بالولايات المتحدة عن كثب التقدم العلمي الذي تحقق في المجال النووي، ونقلوا غلى بلدهم مفردات والخطوط العريضة للسياسة العلمية الأمريكية التي كانت تعتبر نموذجية في ذلك العصر.
1967: لأول مرة، أرسلت الحكومة السويسرية ملحقين علميين إلى كل من طوكيو وموسكو، وفي هذه الأخيرة، بدأ الحديث عن ملحق "علمي وصناعي" في نفس الوقت.
1969: قامت بعثة سويسرية بزيارة إلى مقر اللجنة الحكومية للطاقة النووية بالإتحاد السوفياتي، وانتهت المحادثات إلى إقرار اتفاقية للتعاون العلمي.
1972: أوّل تقرير مفصّل حول مهمة اوّل ملحق علمي سويسري في طوكيو
1985: وزارة الخارجية السويسرية تصيغ كتاب تكليف يحدد بالضبط مهمة الملحق العلمي، ومنذ ذلك الحين أصبحت مهمة هذا الملحق تتركز بنسبة 80 % على الأسرار الصناعية.
1990: بداية تسريع عملية إندماج سويسرا في الفضاء الأوروبي وتركيز أكبر على جميع أوجه التعاون العلمي والإقتصادي مع البلدان الأعضاء في الإتحاد الأوروبي.

End of insertion

مؤسسة الوثائق الدبلوماسية السويسرية DDS

تعود نشأة هذه المؤسسة إلى مبادرة اتخذها جملة من الباحثين السويسريين الشبّان سنة 1972، وتهدف إلى تجميع وطباعة ونشر الوثائق التاريخية المهمة التي تساعد على دراسة السياسة الخارجية السويسرية، والمواقف التي اتخذتها سويسرا منذ تأسست الكنفدالية وحتى الآن.

الهدف من هذا العمل علمي وعملي في نفس الوقت، ويريد القائمون عليه تيسير مهمة الباحثين ومساعدة أصحاب القرار في بلد يجعل من الحياد الركن الأساسي في علاقاته الخارجية على الرغم من حضوره القوي والفاعل في الساحة الدولية.

يتم اختيار الوثائق المنشورة، والدراسات التحليلية والنقدية المصاحبة من طرف فريق من الباحثين يقع انتدابهم من جامعات وطنية مختلفة الاختصاصات.

نشرت أوّل مجموعة من هذه الوثائق في 15 مجلدا، تغطي الفترة الممتدة من 1848 إلى 1945 في الفترة المتراوحة بين 1979 و1997. كما تم نشر المجموعة الثانية في 6 مجلدات تغطي الفترة المتراوحة بين 1945 و1961، حينما تولى وزارة الخارجية المستشار ماكس بيتي بيار.

تستثمر هذه المؤسسة أيضا قاعدة معلومات غنية جدا، الهدف منها السماح للباحثين بالوصول إلى مجموعة من الوثائق الأصلية في شكل إلكتروني. تسمح قاعدة البيانات هذه أيضا بتوفير معلومات مفصلة حول الأشخاص والمنظمات والناشطة في مجال الشؤون الخارجية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.