مخاوف مغربية من الشراكة مع واشنطن

يتخوف المنتجون الاقتصاديون المغاربة من أن تدمّـر اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة قطاعات حيوية كالفلاحة والخدمات والادوية swissinfo.ch

تنظم قطاعات مختلفة من المجتمع المدني المغربي وقفة احتجاجية يوم 28 يناير أمام مقر البرلمان في الرباط.

هذا المحتوى تم نشره يوم 27 يناير 2004 - 20:04 يوليو,

ويأتي هذا التحرك للتعبير عن انشغال متزايد في صفوف الراي العام بناء على ما ترشح من أنباء حول مضمون اتفاقية التبادل التجاري الحر بين المغرب والولايات المتحدة.

وجّـه الدعوة إلى هذه الوقفة تحالف الفنانين المغاربة من أجل الدفاع عن التعددية الثقافية بالتنسيق مع الائتلاف المغربي من أجل الحق في الولوج إلى العلاج والحصول على الأدوية، وهما جمعيتان تأسستا للدفاع عن "الحقوق المغربية المهددة في اتفاقية التبادل الحر"، التي يجري التفاوض حولها في واشنطن والرباط منذ بداية العام الماضي، والتي لا يظهر في الأفق موعد للتوقيع عليها في المدى المنظور.

وبالنسبة للطيب الفاسي الفهري، وزير الشؤون الخارجية ورئيس الجانب المغربي في المفاوضات مع واشنطن، فإن اتفاقية التبادل الحر تكتسي طبيعة شاملة ومعقّـدة، وخاصة بالنسبة للقطاعات ذات الحساسية المؤثرة على المجال الاجتماعي، كما أنها تفتح آفاقا واعدة بالنسبة لتصدير المنتوجات المغربية نحو السوق الأمريكي وجلب الاستثمارات.

3 ملايين فلاح.. مُـهددون

وصلت المفاوضات إلى جولتها السادسة التي عقدت بواشنطن في ديسمبر الماضي والتي عرفت، بالنسبة للمسؤول المغربي، تقدما حقيقيا وملموسا في مختلف القطاعات، كولوج السوق، والتعاون الجمركي، والصفقات العمومية، والاستثمارات والملكية الفكرية، والقضايا الاجتماعية، والبيئية، إلا أنه استثنى من هذا التقدم قطاعات الفلاحة، والخدمات، والأدوية، والنسيج.

وهذه القطاعات التي دخلت المفاوضات حولها، حسب الفهري، مرحلة متقدمة وحاسمة، تشكل أبرز مرتكزات التصدير المغربي. ويتخوّف المُـنتجون الاقتصاديون المغاربة من أن تؤدي اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة إلى تدميرها.

فبالنسبة للقطاع الزراعي والفلاحي، فإن فتح السوق المغربي أمام المنتوجات الأمريكية، وخاصة الحبوب، يهدّد اكثر من ثلاثة ملايين فلاح مغربي، حيث سيُـغرق المنتوج الأمريكي السوق المغربية دون وجود إمكانية لمنافسته من طرف المنتوج المحلي.

وفي قطاع الأدوية، فإن الاتفاقية تؤدي إلى رفع الأسعار، مما يجعل جزءا من الإنتاج المغربي غير قابل للتسويق، إلا أن مآل المفاوضات أدخل الحياة السياسية، والثقافية، والاقتصادية المغربية إلى حوار ونقاش وصل إلى درجة الاتهامات قد تؤدي بالفاعلين إلى
خوض المواجهة في الشارع.

التفاوض.. إلى أبعد مدى

لا مفـر من الاعتراف بأن مشروع اتفاقية التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة
يُـمثّـل منهجية جديدة في علاقات واشنطن مع دول المغرب العربي.

فبعد إدراك واشنطن بأن الوضع السياسي والعلاقات الثنائية بين دول المنطقة لا يسمح بإنجاز ما عُـرف باتفاقية أو مشروع "ايزنستات" للتبادل الحر بين دول المغرب العربي والولايات المتحدة، اتّـجهت واشنطن إلى إبرام اتفاقيات ثنائية مع دول المنطقة.

وقد كانت المفاوضات مع الرباط الأسرع نسقا، بل كادت أن تتمخّـض عن وثيقة موقّـعة في شهر ديسمبر الماضي، لولا بروز صعوبات الاتفاق حول قطاعات الفلاحة والأدوية والخدمات والنسيج.

كان المفاوض المغربي يُـدرك أنه في ظل الهجمة والهيمنة الأمريكية، لا يستطيع أن يقول "لا" لواشنطن ورغباتها، وإن كان يجد أمامه في الصورة الاتحاد الأوروبي، الشريك الاقتصادي الأول للمغرب، يرفع عصاه مهددا وينظر أيضا إلى أن قطاعات إنتاجية في بلاده مُـهدّدة بالسلع الأمريكية أو محرومة من ولوج السوق الأوروبية.

لذلك، انتهج المغرب، متحملا عتب مارغريت تاتيلور، السفيرة الأمريكية التي أرادت أن تسجل الاتفاق في سيرتها الذاتية قبل انتقالها إلى الإدارة في واشنطن، أسلوب التفاوض إلى المدى الأطول، لعله أثناءها يجد حائطا يسنِـد ظهره عليه.

وقُـبيل الوصول إلى هذه المرحلة، كانت فئات من المجتمع المدني المغربي تتواصل وتتحرك لتُـأسّـس هيئات تدفع مخاطر زاحفة تُـجاه المجتمع المغربي بقيمه وثقافته واقتصاده.

سـريّـة مُـثيرة للريـبـة

وقد تحرّك المجتمع المدني في اتجاهين: الأول، الاتفاقية التي قال تحالف الفنانين والائتلاف المغربي إن الولايات المتحدة فرضت فيها إجراءات تضييقية تتجاوز ما هو منصوص عليه في اتفاقية "الغات" التي تأسست عليها منظمة التجارة العالمية، وكذلك اكتساحها للمجال الثقافي المغربي، وفرضها أبعادا أحادية للثقافة تُـلغي التعددية.

الاتجاه الثاني، الذي تحركت فيه الجمعيتان، كان الحكومة المغربية والوفد المفاوض، إذ ترى الجمعيتان اللتان تتشكلان من عشرات منظمات المجتمع المدني، أن ما يجري التفاوض حوله مسألة تهُـم كافة الفاعلين في المجتمع المغربي، وهو ما يفرض على الحكومة والوفد المفاوض، لا فقط اطّـلاع هذه الفئات على مسار المفاوضات، بل أيضا إشراكها في المفاوضات، والتنسيق، والتشاور معها لحماية حقوق المغاربة في الثقافة والعلاج.

وتُـبدي صحيفة "بيان اليوم"، وهي الناطقة بلسان حزب يشارك في الحكومة، استغرابها من أن المفاوضات تجري حول مصير العديد من القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وهو شأن عام يهم المغاربة جميعا، ولا حقّ للمفاوضين المغاربة في الاستئثار به وإحاطته بسياج من التستّـر والكتمان، وأن هذا ضرب للديمقراطية، نظرا لخطورة وحساسية القضايا المطروحة على مائدة المفاوضات.

وتقول مصادر الجمعيتين إن السرية الكبيرة التي تُـحاط بها المفاوضات حول اتفاقية التبادل الحر، تثير الكثير من الريبة والقلق. لذلك، كان قرار الوقفة الاحتجاجية أمام مقر البرلمان في العاصمة المغربية لإعلان المغاربة تخوّفاتهم على حقّـهم في العلاج والدواء، والحفاظ على قيمهم الثقافية.

وحددت الجمعيتان مطالبها في تخصيص 50% على الأقل للمنتوج المغربي في وسائط الاتصال الأمريكية التي تدخل المغرب، وأن تحافظ الدولة المغربية على آليات الدعم للقطاع الثقافي والفني وتحسينها، والسماح بإبرام اتفاقيات مماثلة مع دول أخرى لمنع هيمنة أية جهة على الحياة الثقافية، والفنية، والاقتصادية المغربية.

وبغض النظر عما سيتحقق منها، تُـشكّـل مطالب الجمعيات، تحديا حقيقيا للمفاوض المغربي في اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة، إذ يجد نفسه مضطرا لإيجاد توازن بين مطالب يؤمن أنها مُـحقّـه، وضغوطات أمريكية يعتقد بصعوبة مقاومتها، وسيكون يوم الأربعاء 28 يناير مِـحكّـا حقيقيا للسلطات المغربية في قدرتها على خلق هذا التوازن.

محمود معروف - الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة