Navigation

Skiplink navigation

مسؤولية الشركات: مقارنة بين سويسرا وبلدان أخرى

إذا تمت الموافقة على مبادرة "الأعمال المسؤولة"، هل ستكون الشركات السويسرية العاملة في الخارج في وضع تنافسي غير موات؟ الآراء متباينة. وفي الصورة، محجر هولسيم للحجر الجيري في فيتنام. Keystone / Na Son Nguyen

من بين القضايا الأكثر إثارة للجدل في النقاشات الدائرة حول مبادرة "الأعمال المسؤولة"، التي سيتم التصويت عليها في 29 نوفمبر ، مسألة سعة نطاق المشروع السويسري مقارنة بالقوانين المعتمَدة في الدول الأخرى، وما إذا كانت سويسرا على استعداد لأن تمضي في مسار قانوني بشكل منفرد؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 14 نوفمبر 2020 - 11:00 يوليو,

"ستفرِض المبادرة تشريعات جديدة بشأن المسؤولية المدنية للشركات لا مثيل لها في العالم" ، بهذه الكلمات، خلال مؤتمر صحفي في أوائل أكتوبر المنصرم، سلّطت كارين كيلر-سوتر، وزيرة العدل السويسرية، الضوء على إحدى النقاط الحاسمة التي تستند إليها الحكومة الفيدرالية في معارضة مبادرة "الأعمال المسؤولة".

والسؤال المتبادر هنا: هل القوانين التي ستفرضها المبادرة السويسرية ستكون أكثر صرامة من تلك المعمول بها، أو التي هي قيد المناقشة، في الدول الأخرى؟

لا يمكن الجزم بالإجابة، فالمسألة محل نقاش ومداخلات قانونية في العديد من الدول، لا سيما بعد تبنّي الأمم المتحدة في عام 2011 المبادئ التوجيهية للاقتصاد وحقوق الإنسان، وليس من السهل مقارنة القوانين المعتمدة أو التي قيد المناقشة في العديد من الدول، لكونها تستند إلى قواعد ومفاهيم قانونية مختلفة، بل إن الوضع سيصبح أكثر تعقيدا فيما لو تجاوزنا النظم والقوانين المجردة، إلى القانون الإجرائي والفقه القانوني.

المثال الفرنسي

ومن القوانين التي غالبا ما يستشهد بها حين يدور نقاش حول مبادرة "الأعمال المسؤولة"، قانون الرقابة الفرنسي، الذي اعتمدته الجمعية الوطنية الفرنسية في عام 2017، والذي يُلزم الشركات متعددة الجنسيات التي مقرها في فرنسا، والتي توظف ما لا يقل عن 5000 موظف، بوضع خطة رقابية تمنع فروعها ومقاوليها ومورديها من ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والبيئة.

وفي حال عدم التزام الشركة بالدور الرقابي المنوط بها، فقد تتعرّض للمساءلة المدنية وتلزم بتعويض الضرر الناجم عن تقصيرها أو إهمالها لتطبيق الخطة الرقابية.

والملاحَظ أن القانون الفرنسي نص بشكل صريح على مسؤولية مدنية موسعة تطال حتى الموردين، بينما لم تصل المبادرة السويسرية إلى هذا الحد، ونص أيضا على تحديد عدد الموظفين مما يحصر عمل القانون في نطاق معيّن، بينما لم تراع المبادرة السويسرية سوى احتياجات الشركات الصغيرة والمتوسطة التي لا تعمل في القطاعات المحفوفة بالمخاطر.

عكس عبء الإثبات؟

يُلزم قانون الرقابة الفرنسي الطرف المتضرر بإثبات ما لحق به من ضرر وأيضا إثبات العلاقة بين الضرر وقلة الاعتناء من جانب الشركة، ومن ناحية أخرى، تسمح المبادرة السويسرية للشركة بالتخلّص من المسؤولية المدنية إذا تمكنت من إثبات أنها بذلت كل ما يلزم من عناية، وفي سياق حملة الاستفتاء، انتقد معارضو المبادرة هذه النقطة بالذات، ونعتوها بأنها "عكس عبء الإثبات".

لكن آراء العديد من علماء القانون أكثر تحديدًا، ففي تقرير صدر في يوليو 2019، أشار المعهد السويسري للقانون المقارن إلى صعوبة المقارنة، لكون تعريف المسؤولية في كلا البلدين يستند إلى مفاهيم مختلفة جدًا، ومع ذلك، يميل المعهد إلى اعتبار أدلة البراءة عاملاً يخفف من صرامة القانون.

End of insertion

عمالة الأطفال والعمل القسري

ولإن كان القانون الفرنسي، كما هي المبادرة السويسرية، وسّع نطاق عمله، فإن دولا أخرى اقتصرت على سن تشريعات تتعلق ببعض انتهاكات حقوق الإنسان وبعض القطاعات الاقتصادية، فعلى سبيل المثال، أقر مجلس الشيوخ الهولندي، في مايو 2019، قانونًا يُلزم الشركات التي تقدم السلع والخدمات للمستهلكين الهولنديين بتحديد المخاطر المتعلّقة بتشغيل الأطفال في سلاسل التوريد الخاصة بها وباتخاذ التدابير اللازمة لتفاديها.

ولو حصل أن أخلّت شركة بواجباتها الاحترازية، فقد تتعرّض للتغريم، إلا أن الجزاءات مخففة إلى حد ما، وتفرضها الجهات المختصة، ليس تلقائيا، وإنما بموجب طعن يقدّمه طرف ثالث، والقانون لا يتيح إمكانية الاستئناف ما دامت القضية ضمن الإطار المدني، أما إذا تكررت المخالفة، فقد تُحال إلى العقوبات الجنائية .

أما في بريطانيا ، فقد صدر منذ عام 2015 قانون العبودية الحديثة في المملكة المتحدة، الذي يفرض على الشركات العاملة في البلاد، والتي يبلغ حجم مبيعاتها أكثر من 36 مليون جنيه إسترليني، تقديم تقرير سنوي حول التدابير الاحترازية التي اعتمدتها لتجنب العمل القسري والاتجار بالبشر عبر سلاسل التوريد بأكملها.

كما ينص القانون البريطاني، المستوحى من شبيهه وهو قانون ولاية كاليفورنيا، على فرض غرامات بلا حدود على الشركات التي لا تتقيد بالتحريص المطلوب، من دون أن يحدد المسؤولية المدنية للشركات، وهذا القانون البريطاني مَثّل أساسا في صياغة قانون السخرة الأسترالي.

المعادن والشفافية

في أعقاب الأزمة المالية لعام 2008، دخل قانون دود فرانك في عام 2010 حيز التنفيذ في الولايات المتحدة، وهذا القانون يتضمن جزءا خاصا باستخدام المواد الخام ذات الاشكالية (ويطلق عليها "معادن الصراع" وتشمل التنتالوم والقصدير والذهب والتنغستن)، ويُلزِم بإصدار شهادات للمعادن المعرضة للخطر، ويحدد معايير وقواعد الشفافية بخصوص التدفقات المالية لشركات التعدين.

وفي عام 2017، اعتمد الاتحاد الأوروبي، من جانبه، مرسومًا بشأن المعادن من مناطق النزاع يسري على الشركات الموجودة في الاتحاد، وقد صيغ على وتيرته الاقتراح المضاد لمبادرة "الأعمال المسؤولة"، الذي أقره البرلمان السويسري كبديل للمبادرة حال ما يتم رفضها، ويقضي بضرورة كتابة التقارير والقيام بما يلزم بشأن القاصرين ومعادن الصراع.

نظرة على فقه القانون

وعلى كل حال ، تظل مبادرة مسؤولية الشركات، وبالموازاة مع القانون الفرنسي، الإجراء الوحيد الذي يتعامل بشكل عام مع قضية المسؤولية المدنية للشركات عن أفعال أفرعها أو غيرها من الشركات التابعة لها، فهل صحيح إذًا أن سويسرا بنهجها هذا تقحم نفسها في غياهب المجهول؟ 

في الحقيقة، توجد أنظمة قانونية اعتنت هي الأخرى ببعض المسائل المتعلّقة بمسؤولية الشركات الأم عن الأضرار التي تتسبب بها فروعها، ولو نظرنا إلى فقه القانون الدولي بالإضافة إلى التشريعات القانونية، نجد بأن المبادرة ليست بعيدة تمامًا عما هو حاصل في الدول الأخرى.

ففي عام 1995، قضت محكمة الاستئناف البريطانية، في قضية تسمم بالزئبق في فرع شركة بريطانية في جنوب إفريقيا (Thor Chemicals Limited)، بأن الشركة الأم قد تتحمل المسؤولية عن الأضرار التي تتسبب بها فروعها في الخارج.

وحاليا، هنالك قضايا أخرى مشابهة تنظر فيها المحاكم البريطانية والكندية، كما على سبيل المثال، الدعوى التي رفعها قرويون في زامبيا ضد شركة تعدين مقرها في لندن وفرعها في البلد الأفريقي بسبب الانبعاث السامة.

ويمكننا أيضًا ملاحظة تطورات مماثلة خارج البلاد الأنجلوسكسونية، فمثلا في عام 2017، رفعت رابطة ايكيبيري النيجيرية دعوى مدنية ضد شركة النفط الإيطالية "ايني ENI" أمام محكمة ميلانو بسبب الأضرار البيئية الناجمة عن أنشطة تعدين تباشرها شركة محلية خاضعة لها.

تغريد ضمن السرب

وثمة أمر آخر يدخل ضمن تقييم مبادرة مسؤولية الشركات ويحدّ مداها، وهو القانون الإجرائي السويسري، الذي يضع عقبات معتبرة أمام من يفكّر في رفع دعوى قضائية، لا سيما من حيث التكاليف وإمكانية تأمين وثائق بخصوص الطرف المقابل.

وإذا كانت المبادرة السويسرية تتصدر بلا شك طليعة الجهود الرامية إلى توفير إطار قانوني عريض ومنطقي لمبدأ مسؤولية الشركات في مجال حقوق الإنسان والبيئة، فمن المتيقن أيضا أنه لا يجوز اعتبارها صوتًا يغرد بالكلية خارج السرب الدولي، والأهم من ذلك، أن مداها الفعلي سيظل، في حالة الموافقة عليها، مرهونا بمناقشة قانون التنفيذ.

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة