Navigation

Skiplink navigation

مشاكل سويسرا مع استقلال القُضاة الفدراليين

قُضاة فدراليون سويسريون يراقبون عملية تثبيتهم في مناصبهم من قِبَل أعضاء غُرفتي البرلمان الفدرالي في الجلسة العامة التي عُقدت يوم 18 ديسمبر 2019. Keystone / Peter Klaunzer

تصدَّرَت أخبار انتخاب القُضاة في سويسرا عناوين الصحف مؤخراً، بعد أن كانت العملية - ولفترة طويلة - موضوع تسويات سياسية متوازنة. ورغم أن الأمر يتعلق باستقلالية القضاء، إلّا أنّه لا يقتصر على هذا المبدأ فقط .

هذا المحتوى تم نشره يوم 21 سبتمبر 2020 - 11:00 يوليو,

كانت مَعركة تَشهير ضارية لم تُخلُ من ملاحظات مُهينة، عندما تابع ملايين الأمريكيين في شهر سبتمبر 2018 البثّ المُباشر لجلسات الاستماع الخاصة بتعيين قاضٍ جديد في المحكمة العليا أمام لجنة العَدل في مجلس الشيوخ الأمريكي.

خلال هذه الجلسات، سُئل المرشح المحافظ بريت كافانو بشأن ادعاءات موجهة ضده  تتعلق باعتدائه جنسياً على زميلات له عندما كان طالباً في الجامعة. وترافقت جلسات الاستماع هذه بتَظاهُر آلاف الأشخاص المؤيّدين والمُعارضين لمُرشح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام مبنى الكابيتول بواشنطن. وفي نهاية المطاف، أيَّد مجلس الشيوخ تعيين خريج جامعة ييل للحقوق بأغلبية ضئيلة في منصب قاض في أعلى هيئة قضائية في الولايات المتحدة، - ليجعله واحداً من تسعة قُضاة كبار فقط، يتم انتخابهم للخدمة مَدى الحياة.

يَضمَن الدستور الفدرالي السويسري - مثله مثل الدستور الأمريكي - استقلالية القضاء (المادة 191 ج). لهذا السبب، توفّر التداخلات بين السلطات الضرورية في الديمقراطية مادة للنقاش العام في سويسرا أيضاً.

من جهته، قام حزب الشعب السويسري اليميني المحافظ بتفجير قنبلة صغيرة قبل عملية انتخاب [أو إعادة إنتخاب] قضاة المحكمة الفِدرالية، الذين يُنتَخَبون من قبل الجمعية الفِدرالية (التي تضم أعضاء مجلسي النواب والشيوخ) في 23 سبتمبر الجاري، حيث قال طوماس إيشي، رئيس المجموعة البرلمانية لحزب الشعب السويسري: "إن الحزب يُوصي بإقالة القاضي الفدرالي إيف دونتسالاتس من منصبه". هذا الإعلان لم يَخلُ من ردود أفعال، حيث رأى قاضٍ فدرالي زميل أن هذا الإجراء "سوف يؤدي إلى التشكيك في مبدإ الفَصل بين السلطات".

وكان القاضي دونتسالاتس - الذي رُشِّـح لهذا المنصب في عام 2008 من قبل كريستوف بلوخر - الأب الروحي لحزب الشعب السويسري - قد دَعَم خلال السنوات الأخيرة وبشكل مُتكرر أحكاماً تتعارض مع التوجهات السياسية للحزب، كما حدث بشأن مسألة حرية تنقل الأشخاص مع الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال.

حول هذا الحَدَث علقت صحيفة "برنَر تسايتونغ" الصادرة بالألمانية في برن: "قاضي حزب الشعب وجلاديه. في البداية كان هناك الحب، والآن لم تبق سوى الكراهية". بينما كتبت صحيفة" نويه تسورخر تسايتونغ" معلقة على طلب إلغاء اختيار دونتسالاتس: "هذا يُذَكِّرنا باجراءات وقَعَت على نحو مُتزايد في دول استبدادية مثل تركيا وهنغاريا وبولندا".

وبالفعل، تؤشر محاولة حزب سياسي عَزْل عضو من المحكمة الفدرالية، أعلى هيئة قضائية في الكنفدرالية (مقرها في لوزان) "بُعداً جديداً"، وفقاً لـ لورنتس لانغَر، الأستاذ المساعد للقانون العام في جامعة زيورخ، الذي يؤكد على "عدم حدوث شيء كهذا من قبل أبداً".

قُضاةٌ يموّلون أحزابهم

كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية ودول ديمقراطية أخرى في العالم، يتم انتخاب القضاة الكبار في سويسرا من قبل البرلمان. وفي ألمانيا، تضطلع الحكومة بتعين القُضاة الدستوريين، بينما يتم تعيينهم في إيطاليا من قِبَل لُجنة تختارها نقابة القُضاة.

رغم ذلك، كانت الطريقة التي يتم بها انتخاب كبار المسؤولين في المجال القضائي في سويسرا قد تعرّضت لانتقادات شديدة، حتى قبل الهجوم السياسي الحالي على أحد أعضاء المحكمة البالغ عددهم ثمانية وثلاثين، من قبل أطراف سياسية خارجية وداخلية على حد سواء.

ففي عام 2018، نشرت مجموعة دول المجلس الأوروبي لمكافحة الفساد (المعروفة اختصارا بـ GRECO) تقريراً وَصَفت فيه إجراءات انتخاب قضاة المحكمة الفدرالية في سويسرا بـ "المُنافية لمبادئ الديمقراطية الحديثة". وَوَجَّه مجلس أوروبا الانتقاد بشكل خاص لحقيقة وجوب دفع القُضاة المُنتخبين جُزءاً من رواتبهم (ضريبة تفويض) إلى الحزب الذي ينتمون إليه سنوياً. وحسب اللجنة، فإن هذا الشكل من التمويل الحزبي غير المباشر، قد ساهم في حقيقة عدم انتخاب أي قاض غير حزبي لعضوية أعلى محكمة في البلاد منذ عام 1943. علاوة على ذلك، يتعين على كل عضو في المحكمة الفدرالية أن يترشح لإعادة انتخابه على أساس منتظم (كل ست سنوات).

نقاط الانتقاد هذه هي ما تستند عليه المبادرة الشعبية التي تحمل تسمية "المبادرة الخاصة بالقضاء"، [أو "مبادرة تعيين القُضاة الفدراليين بواسطة القرعة"] التي تسعى إلى استبدال النظام الحالي لانتخاب قضاة المحكمة الفدرالية وتعيينهم من قبل البرلمان بواسطة القرعة. لكن لورينتس لانغَر، الذي يُحَضِّر رسالة الدكتوراه في موضوع انتخاب القُضاة السويسريين لا يرى في ذلك حلّا ًجيداً، ويقول: "إن انتخاب القُضاة في شكله الحالي لا يعكس التفسير المُتشدد لاستقلال القضاء بالكامل، لكنه يساهم في قبول الأحكام القضائية ويحمي استقلالية المُمارسة بالتالي"، كما كتب مؤخراً في مقال رأي نشره في صحيفة "نويه تسورخَر تسايتونغ" (تصدر بالألمانية في زيورخ).

لا وجود لمحكمة دستورية في سويسرا

بالفعل، يعكس نموذج الفَصْل بين السلطات، وكذلك تصميم حقوق الديمقراطية المباشرة للشعب، التاريخ وعلاقات القوة في بلد ما. ويمكن ملاحظة ذلك مثلاً من خلال وجود أو عَدَم وجود المحاكم الدستورية. ففي حين تلعب المحكمة الدستورية دوراً إشرافياً مُهماً في البلدان التي تعاني من الانعكاسات الشمولية مثل ألمانيا، نادراً ما يكون لدى الدول التي لا تعاني من مثل هذه الصدمات الاستبدادية محكمة دستورية. ومن الأمثلة على ذلك في أوروبا هي سويسرا وهولندا والسويد، وهي دول تتوفر على تاريخ ديمقراطي طويل.

مع ذلك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو سبب قيام الحزب الحاكم الذي يتمتع بأقوى قاعدة ناخبين في سويسرا بِشَنِّ هجوم ذي دوافع سياسية على المحكمة الفدرالية الآن: "أنا مُتفاجئ، لأن الحزب - لو حَقَّق أي شيء أصلاً - فلن يكون غير العكس، أي إضعاف العلاقة بين القُضاة الفدراليين والأحزاب"، كما يقول لانغَر، مُضيفاً أن الحزب بإجرائه هذا سوف يُعَزِّز المبادرة الخاصة بالقضاء، التي اقترحت الحكومة السويسرية رفضها للتو، دون تقديم اقتراح مُضاد".

استجابة المحكمة الفدرالية 

المُثير للإنتباه هنا أيضاً هو أن إعادة انتخاب القاضي المُثير للجدل يتم قبل أربعة أيام فقط من اقتراع شعبي هام تشهده البلاد يوم الأحد 27 سبتمبر الجاري. ففي هذا اليوم، سوف يُدلي الناخبون السويسريون بآرائهم بشأن مبادرة "الهجرة المعتدلة" (المعروفة أيضاً باسم "مبادرة الحد من الهجرة الجماعية") التي أطلقها حزب الشعب السويسري اليميني المحافظ. وقد يكون الهجوم على قاضٍ "ارتد عن حزبه" وخالفه الرأي بشأن مسألة حرية تنقل الأشخاص، فرصة لحَشد بعض ناخبي الحزب التقليديين. 

دونالد ترامب من جانبه يعتمد على ذلك أيضاً، حيث نَشَرَ الرئيس الأمريكي قبل أيام قليلة قائمة تضم 20 مُرَشحاً للمحكمة العليا ممن يتناسبون مع ملفه السياسي، والذين يمكنه ترشيحهم في حال أعيد انتخابه في 3 نوفمبر القادم. لكن المُثير للاهتمام هو أن مثل هذه المناورات الانتخابية غالباً ما يكون لها تأثير آخر يتجاوز حَشد الناخبين التقليديين. وهكذا، فإنه من المُرجح أن يؤدي النقاش الحالي في سويسرا إلى تعزيز الوعي العام بشأن الفَصْل بين السلطات وسيادة القانون بدلاً من إضعافه. 

من ناحيتها، رَدَّت المحكمة الفدرالية بهدوء على الهجوم الذي تعرَّضت له بالفِعل، حيث اختفت قبل بضعة أيام أسماء الأحزاب التي تم تقديمها سابقاً خلف أسماء القُضاة الفدراليين من الموقع الإلكتروني للمحكمة..

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة