مـأزق .. تاريخي!

شعار الجمعية العمومية الثالثة للحركة العالمية للديمقراطية التي التأمت في دوربان (جنوب إفريقيا) من 1 إلى 4 فبراير 2004 swissinfo.ch

تدارس المشاركون في الجمعية العمومية الثالثة للحركة العالمية للديمقراطية في دوربان مستقبل الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي.

هذا المحتوى تم نشره يوم 12 فبراير 2004 - 21:16 يوليو,

وكشفت النقاشات عن شكوك حول قدرة الديمقراطيين العرب على افتكاك المبادرة من واشنطن واستثمار الضغوط المتزايدة على الأنظمة من أجل تحقيق إنجازات لفائدة الشعوب.

اجتمع ما لا يقل عن 700 شخص قدموا من 120 دولة لحضور فعاليات الجمعية العمومية للحركة العالمية للديمقراطية التي التأمت بمدينة دوربان بجنوب إفريقيا ما بين 1 و 4 فبراير. لكن هذه الحركة لا زالت مجهولة من قبل الكثيرين من العرب الذين لم يسبق لهم أن تعرفوا على أهدافها أو على الأطراف التي تقف وراءها.

بالرغم من أن "الوقفية" أو "الصندوق القومي" الأمريكي من أجل الديمقراطية المعروفة تحت مختصر NED هو الداعم لهذه المبادرة، إلا أن نشأة الحركة سابقة لأحداث 11 سبتمبر 2001، ولا علاقة لها بمبادرة كولن باول أو بالمكتب الإقليمي للشراكة الأمريكية مع الشرق الأوسط الذي اتخذ من تونس مقرا له.

فقد مر على إنشاء الصندوق أكثر من 20 عاما، وهو يتمتع باستقلالية واسعة عن الحكومة الفدرالية الأمريكية، ويصنف ضمن أكبر الجهات المانحة في الولايات المتحدة بعد أن بلغت ميزانيته حوالي 50 مليون دولار.

وتميزت الجمعية العمومية الثالثة للصندوق المنعقدة في جنوب إفريقيا بتركيز واضح على منطقة الشرق الأوسط، رغم مشاركة العشرات من الجمعيات الممثلة لدول القارات الخمس، إذ لا يزال الحضور العربي ضعيفا نسبيا، إلا أنه بالمقارنة للجمعيتين السابقتين، فإن عدد العرب الذين شاركوا هذه المرة قد ارتفع بشكل ملحوظ، ومثل معظمهم جمعيات ومنظمات متفاوتة الأهمية والتمثيلية، إلى جانب عدد قليل من النشطاء تمت دعوتهم بصفة شخصية.

وكعادتهم، قدم العرب إلى مثل هذه التظاهرات الدولية متفرقين، لا ناظم يجمعهم أو جدول أعمال يوحدهم، وذلك خلافا لغيرهم مثل الأفارقة، خاصة كوادر جنوب إفريقيا، الذين اكتسبوا خبرات واسعة في مجال التنسيق والتشبيك، وبناء التحالفات بين مختلف أصناف المنظمات غير الحكومية، وقد أصبح بإمكانهم أن يعطوا دروسا في مجال صياغة اللوبيات، وإحكام إدارة الاجتماعات، وإعداد المقترحات والتوصيات في سبيل تحقيق إنجازات على الأرض، ويعود ذلك إلى التحولات الديمقراطية الفعلية التي تمت في العديد من الدول الإفريقية.

الإسلام والإسلاميون ..

خُـصصت أكثر من ورشة في هذا الإجتماع للمنطقة العربية والإسلامية، إحداها تناولت البحث عن الأسباب التي تقف وراء ضعف المجتمعات المدنية، والعوامل التي قد تساعد على فهم خلفيات غياب أحزاب ليبرالية قوية ومقنعة في مقابل النمو السريع للحركات الإسلامية.

فحتى البلدان التي تمكنت فيها أحزاب ذات توجه ليبرالي وقومي من الوقوف على رجليها والوصول إلى السلطة مثل تركيا، سرعان ما تقطعت أنفاسها وأصيبت بانهيارات سريعة ومدوية.

أما بالنسبة للشبكات الجمعوية، فقد بقيت بدورها متعثرة في الغالب وغير قادرة على التصدي لهيمنة الحكومات وسطوتها على المنظمات غير الحكومية، مثل الجمعيات والنقابات، مما قلّـل كثيرا من فرص بناء سلطات مدنية مضادة أو موازية لأجهزة السلطة التنفيذية.

أما الورشة التي نظمها "مركز الإسلام والديمقراطية" (مقره واشنطن) ، فقد تطرقت بشكل مباشر للموضوع، حيث تمحورت المداخلات والنقاشات حول "عوائق التحول الديمقراطي في العالم العربي والإسلامي"، ومع أن الأسباب تفاوتت من بلد إلى آخر، إلا أن موضوع الإسلام والإسلاميين قد احتل مرة أخرى في مثل هذه المؤتمرات الدولية صدارة الاهتمام، خاصة من قبل الأمريكيين والغربيين عموما.

مسؤولية الإسلاميين .. والعلمانيين

وقد اتفق المشاركون على استبعاد أن يكون مجرد الانتماء إلى الإسلام تاريخيا وثقافيا عائقا في حد ذاته أمام الانخراط في دائرة المجتمعات الديمقراطية، رغم أن المنطقة لم تشهد من قبل سقوط الخلافة العثمانية نظاما ديمقراطيا.

أما بالنسبة للإسلاميين، فقد كادوا يتفقون حول عدم جدوى السياسات التي استهدفت إقصاءهم، إلا أن أداءهم السياسي في كثير من الحالات لا يزال يُـثير الشكوك والتساؤل حول مدى جديتهم في الالتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية، ولهذا، تكرر التساؤل حول المنهجية الأفضل التي تجمع بين ضرورة تشريكهم مع التقليل من الخسائر المحتملة التي قد تنجر عن ذلك الاختيار.

لكن في المقابل، لم ينزه أغلب المشاركين خصوم الإسلاميين من العلمانيين الذين أثبتت التجارب والوقائع السابقة أنهم خانوا بدورهم في أكثر من مناسبة القيم الديمقراطية، واحتكر بعضهم الحكم واضطهدوا مخالفيهم، وساهموا بشكل أو بآخر في المأزق الراهن الذي تمر به المنطقة.

كما اتجهت العناية بممثلي الجمعيات العراقية التي وُلدت خلال الأشهر الماضية، والذين لا يملكون أية خبرة في مجال العمل المدني. وقد كشفت المحادثات معهم حجم الفراغ الرهيب الذي تُـخلّـفه الدكتاتوريات عندما تؤمم الشأن العام، وتكون هي الممثل الوحيد للأحياء والأموات.

مأزق تاريخي .. وأولوية قصوى

لقد بدا واضحا أن الجهات الأمريكية التي تقف وراء دعم هذه الحركة العالمية لنشر الديمقراطية حريصة على تفعيل المجتمعات المدنية العربية وتقويتها، وتعتقد بأن ذلك يمثل أحد الشروط الضرورية لتحقيق التحول الديمقراطي والانتقال إلى اقتصاد السوق، مثلما حصل في دول أوروبا الشرقية.

لكن تلك الرغبة الأمريكية الرسمية وغير الحكومية لا تزال تصطدم بشكوك قوية حول مدى قدرة الديمقراطيين العرب على افتكاك المبادرة من واشنطن، واستثمار الضغوط المتزايدة على الأنظمة من أجل تحقيق نتائج على الأرض تكون في صالح شعوب المنطقة؟

إنه سؤال إشكالي ومربك. فمن جهة، تعاني القوى السياسية والاجتماعية العربية من ضعف هيكلي جعل الكثير منها لا قيمة لها في موازين القوى، ولكنها في المقابل غير مطمئنة لأهداف الإدارة الأمريكية الحالية وتجد نفسها معارضة لسيادتها، خاصة في العراق وفلسطين، مما جعلها متخوفة من أن احتمال الاستحواذ الخارجي على المجتمعات المدنية المحلية الضعيفة والمنهكة.

إنه مأزق تاريخي يضع قوى التغيير في المنطقة العربية، أمام سيناريو يكاد يكون وحيدا. لكن قد لا يختلف اثنان حول الاعتقاد بأن توفير قدر من الحريات على الأصعدة الوطنية يشكل أولوية قصوى، ويبقى في كل الحالات أفضل بكثير من وطأة القلاع المغلقة والمحصنة في وجه الشعوب، لا في وجه الشركات المتعددة الجنسيات أو الأساطيل العسكرية.

صلاح الدين الجورشي - دوربان

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة