مفاجأة الإخوان .. رسائل الناس ورسائل النظام

مهدي عاكف، مرشد جماعة الأخوان المسلمين يدلي بصوته في إحدى مدارس القاهرة ويم 15 نوفمبر 2005 Keystone

لم تخل نتائج المرحلة الأولى فى الانتخابات البرلمانية المصرية من ظواهر معتادة، كسطوة المال وشراء أصوات الفقراء ومظاهر العنف فى الدوائر الساخنة وتراجع نسبة المشاركة والتحالفات غير المنطقية بين المتنافسين..

هذا المحتوى تم نشره يوم 17 نوفمبر 2005 - 21:01 يوليو,

ولكن هذه المرحلة أبت أن تمر دون أن تحقق مفاجآت من نوع خاص ومثير..

بعض هذه المفاجآت تمثل فى زيادة السلبيات التى رصدتها جماعات حقوق الإنسان كمنع المراقبين من حضور الفرز والقيد الجماعى المخالف للقانون فى دوائر كثيرة وتضارب النتائج الرسمية حتى بعد إعلانها.

لكن المفاجأة الأكبر والأكثر وقعا فقد تمثلت فى فوز جماعة الأخوان بـ 34 مقعدا من بين 52 مرشحا إخوانيا دخلوا انتخابات المرحلة الأولى، وهو فوز طال نسبة 65% من جملة مرشحى الجماعة فى هذه المرحلة، ونسبة 20% من جملة مقاعد المرحلة الأولى.

فى حين جاء أداء أحزاب المعارضة التى شكلت جبهة التغيير ضعيفا حيث لم يحققوا سوى ثمانية مقاعد والمستقلون ثمانية مقاعد أخرى بعد أن عاد المستقلون المنشقون عن الوطنى إلى أحضانه مرة أخرى بعد فوزهم.

إنجاز يدعو للفخر

هذه الأرقام فى حد ذاتها تمثل قمة المفاجآت، ولا تخلو من دلالات مهمة سوف تلقى بظلالها حتما على المرحلتين الثانية والثالثة.

وللوهلة الأولى يمكن للجماعة أن تفخر بهذا الإنجاز غير المتوقع حسب تعبيرات قادتها، الذين لم يحلموا سوى بعشرين مقعدا فى المرحلة الأولى ككل. ولكن الواقع جاء اكبر واكثر تأثيرا لأنه من وجهة نظرهم أكد مقولات الجماعة الخاصة بقوة الحضور فى الشارع رغم كل الضغوط التى تمارس عليها وعلى أعضائها.

وهو ما سيعطيهم قوة دفع هائلة فى المراحل التالية، فقسم مهم من الشارع يؤيد شعاراتهم، وأبرزها "الاسلام هو الحل"، والذى بدا كمغنطيس قوى يجذب الناس العادية ويلهب شعورهم ويدفعهم إلى التصويت لصالح أعضاء الجماعة.

تصويت احتجاجى بامتياز

ويمكن للمراقب أن يعتبر هذا التصويت لصالح مرشحى الجماعة باعتباره رسالة احتجاج قوية على كل النخبة السياسية الحزبية والمستقلة التى تعد مسئولة عن حالة الجمود العام الذى يسيطر على الحياة السياسية، ويجعل لها سقفا محدودا فى التغيير السلمى. وهو من جانب آخر تأكيد لحالة تنظيمية قوية ومتماسكة تميز الجماعة عن غيرها من القوى والتيارات السياسة الأخرى.

ففى كل الدوائر كان المرشحون الإخوان محاطين بالمؤيدين المتحمسين والرافعين شعارات الجماعة بكل فخر واعتزاز، ويقدمون الوعود للناخبين بأن فوزهم يعنى فوزا للعقيدة الدينية السليمة، وفتحا لتغيرات ترضى الله والعباد فى آن.

وهنا تبدو جاذبية الشعارات الدينية فى بلد معروف عنه التدين بصفة عامة، وقلة خبرة المواطنين السياسية ومحدودية قدرتهم على النقاش وطرح التساؤلات المهمة، تبدو وسيلة مؤثرة للحصول على التعاطف والتأييد، خاصة وان الجماعة بدت فى السنوات الماضية كهدف مستمر للضغوط الأمنية وغير الأمنية، فى الوقت الذى لم تختبر فيه من حيث الأداء السياسى الحقيقى كصانع قرار أو منفذ له.

ولا ينسى المرء هنا أن الجماعة معروف عنها قوتها المالية، التى كان لها حضور بارز فى الإنفاق على الدعاية الانتخابية اللافتة للنظر بكثرتها وانتشارها ووصولها إلى الناخبين فى كل المواقع تقريبا.

تغيرات قوية تحت السطح

ولعل أبرز الدلالات أن هذا الفوز يعنى أن التغييرات فى المجتمع باتت اكبر مما يتصوره السياسيون الذين لا يرون إلا ما يريدون أن يروه وحسب، وينكرون على الناس توجهاتهم السياسية والدينية. فإذا بالناس تذكرهم بأن هناك تحولات فكرية واجتماعية فى بطن المجتمع، بحاجة فقط إلى لحظة للتعبير عن الذات. وكانت اللحظة الانتخابية الحرة نسبيا والخاضعة إلى إشراف قضائى وسيلة للظهور وتأكيد الحضور.

لكل هذه الأبعاد، يبدو شعور القوى السياسية المتخوفة من هيمنة الرؤية الدينية على الحياة السياسية، شعورا اقرب إلى القلق الشديد، وربما الخوف على ما يعتبرونه مصير الدولة المدنية التى تمثل الدستور والقانون الوضعى التوافقى بين الناس دون مرجعيات دينية، وهى الدولة التى تعنى فكرا يسمح بتواجد الكل تحت مظلة الوطن، ويرون بالتالى أن فوز الإخوان علامة سلبية على حال الوطن ومستقبله السياسى. وقد بدا هذا القلق فى حملة صحفية وإعلامية على الإخوان كجماعة محظورة تحمل فكرا هداما وغامضا وقد يطيح بأى أمل ديمقراطى يطمح إليه المجتمع وتفرضه الحاجات الملحة,

والمتوقع أن تزداد شدة مثل هذه الحملات فى الأيام المقبلة المصاحبة للمرحلتين الثانية والثالثة. وإن كان يمكن الاستطراد هنا بأن هذه الحملات المبالغ فيها قد تأتى بأثر عكسى، حسب ما عبرت عنه نتائج المرحلة الأولى.

حجة للحكومة

هذا الانجاز الإخوانى إن جاز التعبير له مردودات عكسية على الحزب الوطنى، وفى الآن نفسه يمكن أن يوفر له حجة قوية ومقنعة بأن الانتخابات كانت نزيهة وشفافة، ولم تخضع للتزوير أو الانتهاكات الجسيمة كما يقول عادة الفاشلون والذين أسقطهم الناس نظرا لغياب شعبيتهم. فإذا كان هناك تزوير، وهكذا تستمر حجة الحكومة والحزب، فكان من الأولى أن يتم إسقاط مرشحى الجماعة المحظورة قانونا.

ورغم منطقية الطرح على هذا النحو، فثمة حالات شهيرة وشبه موثقة وهى محل نظر القضاء، حيث تم فيها ابتداع وسائل جديدة لتغيير إرادة الناس لصالح مرشحى الحزب الوطنى، خاصة من يمثلون رموز الحزب وحرسه القديم الذى تربع على قمة قيادته وما زال طوال السنوات الخمس والعشرين الماضية.

وأبرز تلك الحالات إسقاط المرشح الذى أعلن فوزه فى اليوم الأول حازم صلاح أبو إسماعيل فى دائرة الدقى بالجيزة لصالح مرشحة الحزب الوطنى د. أمال عثمان، وإسقاط المرشحة د. مكارم الديرى فى دائرة مصر الجديدة لصالح مرشح الوطنى.

رسالة مزدوجة

لكن هذه الحجة الإيجابية من وجهة نظر الوطنى، والتى يمكن ردها إلى الإشراف القضائى على معظم خطوات العملية الانتخابية وليس كلها، يمكن أن تمثل رسالة ذات طابع خاص موجهة إلى الخارج بالأساس، وإلى كل الذين يرون فى قوة الإخوان وزيادة دورهم السياسى تهديدا لما يرونه الدولة المدنية لصالح دولة دينية قد تطيح بالاستقرار والنظام العام فى مصر.

ومضمون الرسالة الموجهة إلى الخارج لا يخلو بدوره من قدر من التنبيه بأن بديل الوطنى الحريص على الإصلاح السياسى التدريجى والسلام مع إسرائيل والانفتاح على الغرب والاندماج فى العولمة وآلياتها المختلفة، هو إسلام سياسى ليس له مشروع واضح فى أى من هذه البنود التى تهم الخارج، بل ربما كانت له أجندة معاكسة ولها ثمنها الكبير.

أما الامتداد الطبيعى لمثل هذه الرسالة الافتراضية والضمنية، ولكن إلى الداخل، هو أن الاسلام السياسى المتمثل فى الإخوان سيثير المتاعب حتما لكل القوى المدنية والساعية إلى ترسيخ المبادئ الليبرالية والإصلاحية دون هزات ودون خروج عن الدستور والقانون ومبادئ المواطنة التى تكفل المساواة بين المسلمين والأقباط. والأخيرة بدورها لها وقع خاص على جموع كبيرة من المثقفين والناشطين سياسيا فى مجالات المجتمع المدنى.

وربما جاز القول أن هذين الشقين قد يوفران دافعا لقبول الخارج وبعض الداخل تدخلات من نوع خاص لتحجيم الانتصار الإخوانى فى المرحلتين المقبلتين، وبحيث تتوارى إلى حد بعيد تلك الأحاديث عن وجود تجاوزات وانتهاكات لإرادة الناخبين.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة