تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

مكافحة التهرّب الضريبي الخناق يشتد تدريجيا حوْل السرية المصرفية

بقلم


استسلمت دوقية اللوكسمبورغ (الصورة) بوجه الضغوط وقررت اعتماد التبادل التلقائي للمعلومات بين إدارات الضرائب.

استسلمت دوقية اللوكسمبورغ (الصورة) بوجه الضغوط وقررت اعتماد التبادل التلقائي للمعلومات بين إدارات الضرائب.

(AFP)

في ظل الضغوط الممارسة من طرف الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ومجموعة العشرين، ستكون الأشهر القادمة حاسمة للسر المصرفي. وفيما تحاول الحكومة السويسرية كسب المزيد من الوقت، تجد نفسها معزولة أكثر فأكثر في أعقاب موافقة اللوكسمبورغ على التبادل الآلي للمعلومات.

في العاشر من أبريل 2013، نشرت صحيفة لوموند الفرنسية مقالا تحت عنوان "سويسرا تواصل استراتيجيتها بشأن المال النظيف"، أوضحت وزيرة المالية السويسرية من خلاله، مختلف الخُطوات التي اتّخذتها الحكومة الفدرالية في السنوات الأخيرة، بهدف مكافحة التهرب الضريبي، وهو ما اعتُـبِـر محاولة منها للتّخفيف من وطْـأة الضغوط الدولية المُتزايدة، التي تتعرّض لها سويسرا بخصوص السرية المصرفية، حيث أشارت إيفلين فيدمر -  شلومبف قائلة: "حينما نتّخذ إجراءات تصحيحية، نتوقّع من المجتمع الدولي أن يعترِف لنا بالجُهد المبذول، وليس أن يُهاجمنا ويهدّد بمعاقبتنا".

في نفس اليوم، تلقّت الوزيرة الفدرالية ضربة مُوجِعة بقرار لوكسمبورغ، القاضي باعتمادها التبادل التِّـلقائي للمعلومات المصرفية، المعمول به من قِبل 25 دولة من أصْل 27 دولة عضوا في الإتحاد الأوروبي. وفي الآونة الأخيرة، أعربت النمسا، التي تُعتبر هي الأخرى إحدى أبطال السرية المصرفية داخل الإتحاد، عن استِعدادها للتّفاوض بهذا الخصوص.

من شأن هذا التقارب بين لوكسمبورغ والنمسا أن يجعل سويسرا مرمى هجوم أوروبي، أكثر فداحة، لاسيما وأن كُلاّ من الدول الثلاثة، استطاعت حتى الآن التّحامي ببعضها البعض. فالنمسا ولوكسمبورغ تقولان من جانبِهما بأنهما لن تتخلّيا عن السرية المصرفية، إلا إذا تخلّت برن عنها. في حين، تدفع سويسرا الضغوط المُمارسة عليها بالقول بأنه على بروكسل أن تُـقنِع لوكسمبورغ والنمسا أولا.

الضغوط الأمريكية لا تتوقف

في عام 2010، سنّ الكونغرس الأمريكي تشريعا تحت اسم "فاتكا FATCA" أو "قانون الإلتزام الضريبي للحسابات الخارجية"، بغرض مكافحة التهرّب الضريبي من قِبل المواطنين الأمريكيين المُقيمين في الخارج.

تسعى الإدارة الأمريكية، عن طريق التوقيع على اتّفاقات شراكة، إلى فرْض هذا القانون على الدول الصديقة، بحيث تلتزِم بتزْويد واشنطن بالأسماء والبيانات المصرفية لعملاء مصارفها سواء كانوا من الرّعايا الأمريكيين أو من الخاضعين للضريبة في الولايات المتحدة.

سبق للحكومة السويسرية أن وقّعت على هذا الإتفاق، ومن المنتظر أن تتم المُصادقة عليه من قِبل البرلمان الفدرالي في دوْرته الصيفية القادمة.

يقضي الإتفاق الموقَّع بين برن وواشنطن بأن تقوم المصارف والمؤسسات المالية السويسرية بتزويد واشنطن بالمعلومات المطلوبة بشكل تلقائي.

رغم أنه يحِق لعملاء المصارف رفْض نقل البيانات الخاصة بهم، إلا أنه يحقّ في مثل هذه الحالة، لسلطات الضرائب في الولايات المتحدة طلب المساعدة من الإدارة السويسرية، كما يحِق لها المطالبة بالحصول على بيانات مجموعات (أو شرائح من العملاء) بكاملها.

نهاية الإطار التوضيحي

قواعد أمريكية جديدة

بقِيت هذه المناورات تُؤتي ثِمارها لسنوات حيث كانت تثبط بشكل أو بآخر من عزيمة المُفوضية الأوروبية، لكن جاء الموقِف الأمريكي الأخير، الذي يبدو أنه نهائي والذي سَيضطر سويسرا والنمسا ولوكسمبورغ ومعها بقية الدول الأوروبية، للمصادقة خلال الأشهر المُقبلة على "القانون الأمريكي للإمْتِثال الضريبي للحِسابات الخارجية"، الذي يُلزم الدول الأوروبية ابتداءً من عام 2014 بتزويد واشنطن بشكل مَنْـهَجي بالبيانات المصرفية الخاصة بالمواطنين الأمريكيين المُقيمين في أوروبا، وإلا تعرّضت لإجراءات عِقابية أليمة.

ووفقا لموريس بيديرنيانا، الخبير الإقتصادي في جامعة لوتسرن، فإن "العقوبات التي تُلوِّح بها واشنطن، لا تدع مجالا لمجرّد تصوّر رفْـض التوقيع على القانون. فهي ليس فقط تَحْرم البنوك السويسرية من فُرصة العمل في السوق الأمريكية، وإنما تحرمها أيضا من مجرّد الحصول على الأسهم والسّندات فيها، ومن غير المتصوّر أن تستطيع بالتالي تقديم عروض استثمارية لعُملائها، من دون إمكانية وُلوج أكبر سوق مالية في العالم".

ومن هذا المُنطلَق، لن يكون بإمكان لا دوقية اللوكسمبورغ ولا النمسا ولا ربما سويسرا، الإستمرار في رفض المطلب الأوروبي، بعد أن تُذعن أوروبا للمطلب الأمريكي. ففي 14 أبريل 2013، أعلنت كلّ من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا هجومها على السرية المصرفية، فاتحة بذلك المجال أمام التبادل التِّـلقائي للمعلومات، ليُهيْمن على قرارات القمّة الأوروبية القادمة، التي ستُعقد في مايو 2013، بحيث يصبح بحلول عام 2015 قانونا مُلزما لدول الإتحاد السبع والعشرين، ومعها سويسرا.

أشهُـر حاسمة

في موفى الأسبوع الماضي، تعرض السر المصرفي لضغوط جديدة صدرت هذه المرة عن وزراء مالية مجموعة العشرين، الذين حثوا المجموعة الدولية على اعتماد التبادل الآلي للمعلومات. وفي هذا السياق، أكدت إيفلين فيدمر – شلومبف أن سويسرا "مستعدة لمناقشة الموضوع لكن شريطة أن يتم تطبيق القواعد الجديدة على الجميع بما في ذلك الجزر الضريبية الواقعة خارج الحدود. هذا الموقف – الذي حظي – للمرة الأولى على الإطلاق - بتأييد باتريك أودييه، رئيس الجمعية السويسرية للصيارفة، لا تشاطره الأغلبية في الحكومة والبرلمان التي لا زالت ترفض إجراء أي نقاش حول التبادل الآلي للمعلومات، أو التي تسعى – على أقل تقدير - لتأجيله إلى أطول فترة ممكنة.   

في المقابل، رأى موريس بيدرنيانا في هذه التصرفات نوعا من التسويف والمُماطلة واعتبر أن هذا التمشي "ينطلِق من عقلية قديمة ويكشِف عن أساليب عفا عليها الزمن. فسويسرا ليس بوُسْعها أن تتهرّب من التفاوُض حول المسألة، لاسيما مع الإتحاد الأوروبي، الذي يُعتبر بالنسبة لها الشريك الإقتصادي الأهَم. فنحن بلد صغير مُندمِج جدا في الإقتصاد العالمي ولا يسوغ لنا أن نتصرّف وكأننا خارج هذا العالم"، على حد قوله.

وأضاف بيدرنيانا "وإذا بقينا ننتظر تزايُد الضغوط، فإننا سنُضيّق بذلك على أنفسنا فُرصة المُناورة، وعلى سويسرا أن تتهيّأ لتقديم استراتيجية واضحة ومقترحات ملموسة بحلول شهر مايو 2013، كي يُمكن لها في المقابل أن تحصُل على بعض التنازُلات من طرف الإتحاد الأوروبي، واضِعة نصب عيْنيْها دخول بنوكها الحر إلى الأسواق المالية الأوروبية في المقام الأول".

الخطاب الأوروبي

هذه الرُّؤية وجدت صَدى لها أيضا داخل أروِقة البرلمان من قِبل اليسار، حيث يقول النائب الإشتراكي كارلو سوماروغا: "أمامنا خياران، إما أن ينتهي بنا المطاف لأن نكون على اللاّئحة السوداء أو الرمادية، كما سبق وأن حدث في عام 2009، لنُحاول بعدها أن نستدرك أنفسنا على عجَل، وإما أن نتعلّم مما يحدُث في العالم، ونضمّ أنفسنا إلى النمسا ولوكسمبورغ، فنُحسِّن من وضعية شروطنا في المفاوضات مع الإتحاد الأوروبي، كأن نطالب على سبيل المثال، بتوسيع رقعة تطبيق المعايير الموحّدة الجديدة، لتشمل أيضا النّظم الضريبية الخاصة بالبلدان الأنغلو سكسونية".

وباستثناء الحزب البورجوازي الديمقراطي (يمين)، فضّلت قِوى الوسط من جانبها التريث والإنتظار، قائلة: "يجب على سويسرا أن لا تتحرّك وتترقّب حتى تُطالِبها بروكسل بالتنازل من دون مُواربة، ذلك أن الإتحاد الأوروبي يُمارس ضغوطا كبيرة عليْنا لأسباب أكثر منها أخلاقية، بينما هو في واقِع الأمر لا يهمّه سوى حماية أسواقه المحلية عن طريق منع بنوكنا من دخولها"، على حد قول كريستينا لوشر، النائبة عن الحزب الليبرالي الراديكالي.

في سياق متصل، بقي اليمين السياسي ثابِتا على مواقِفه، حيث يرفُض بشكل تام تقديم أيّ تنازُلات بشأن السرية المصرفية، ويقول إيف نيديغر: "نحن أمام الخطاب الأوروبي المُعتاد، والذي أخطأنا في الماضي بأخذِه على محْمَل الجدّ، وحاليا، فإن الإتحاد الأوروبي أعجَز من أن يفرض علينا شيئا. فهو يعتمد كثيرا على سويسرا في العديد من القطاعات، ويكفينا مثالا على ذلك، موضوع النقل. وبرأيي أن تكلفة المُقارعة والتصدّي، أقل على كل حال من الإستِسلام، الذي من شأنه أن يؤدّي إلى إضعاف مركزنا المالي"، على حد قوله.

قانون التبادل التّلقائي للمعلومات

في عام 2005، اعتمد الإتحاد الأوروبي قرارا يقضي بأن لكل بلد عضو فيه الحقّ في الحصول الإعتيادي على البيانات المتعلّقة بأصول ومداخيل رؤوس الأموال العائدة لمواطنيه المُقيمين في بلد أوروبي آخر.

لغاية الآن، لم تعترِض على القرار، سوى النمسا ولوكسمبورغ، لكن البلدين يستقطعان ضريبة تقدر بـ 35٪ على مداخيل رؤوس أموال مُواطني الدول الأخرى المُودعة في مصارفهما.

تقوم البلدان في وقت لاحق، بتحويل المبالغ المُستقطعة إلى الدول المعنِية الأخرى، دون تقديم البيانات الخاصة بأسماء وحسابات عُملاء البنوك لديها، فيما اعتمدت سويسرا من جانبها هي أيضا، نفْس الأمر لمصلحة دول الاتحاد الأوروبي.

لم يُقنع هذا التوجّه الإتحاد الأوروبي، الذي يرى فيه جوانب قصور، فقرّر العمل، بحلول عام 2015 بنظام التبادل التِّلقائي للمعلومات، فيما يخصّ خمسة أنواع من المداخيل ومن الرساميل، وهي: المداخيل المتأتية من العمل ومن الحضور في اجتماعات مجالس الإدارة ومن علاوات التقاعد، ومن عوائد التأمين على الحياة، بالإضافة إلى الممتلكات العقارية وعوائدها.

يُمارس الإتحاد الأوروبي ضغوطا مستمرة على كل من النمسا ولوكسمبورغ وسويسرا، لكي تتنازل عن السرية المصرفية وتعمل بنظام التبادل التِّلقائي للمعلومات (وهو ما استجابت له اللوكسمبورغ والنمسا مؤخرا). وتُقدّر بروكسل بأن التهرّب الضريبي يُفقِـد الدول الأعضاء في الإتحاد ألف مليار يورو سنويا.

نهاية الإطار التوضيحي

swissinfo.ch


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×