تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

ملامح الضربة المحتملة ضد العراق

تزايد التهديدات الأمريكية بضرب العراق لا يعني أن كل الظروف مهيئة لهجوم شامل ضد بغداد

(swissinfo.ch)

هل ستقدم الولايات المتحدة على ضرب العراق؟ سؤال يتردد بشدة منذ النهاية السريعة لحرب واشنطن في أفغانستان وفي ظل تكرار تهديدات الرئيس بوش وكبار مساعديه لبغداد في الأيام القليلة الماضية..

على الرغم من عودة الولايات المتحدة إلى إطلاق موجة جديدة من التهديدات ضد العراق، لا يبدو أن العراق سوف يتعرض لضربة عسكرية أمريكية فى وقت قريب ، فتلك التهديدات تشير فى الأساس إلى أن التوجهات الخاصة بضرب العراق داخل الإدارة الأمريكية لاتزال قوية، وان بغداد لا تزال تحتل موقعا متقدما على " قائمة الانتظار" الأمريكية، لكنها لاتكتسب دلالات عسكرية مباشرة ذات طابع عملياتى.

فالحملة الأمريكية الحالية ضد الإرهاب، تتحرك فى اتجاهات أخرى نحو أهداف صغيرة – مقارنة بالعراق - فى الفيليبين وباكستان واليمن و" الأراضي الفلسطينية"، ولا تزال التعقيدات التى منعت اتخاذ قرار بالتقدم نحو بغداد فى نهاية حرب الخليج عام 1991 تفرض نفسها على أى قرار أمريكى بضرب العراق ، وما يحدث هو أن المسئولين الأمريكيين قد عادوا مرة أخرى إلى الاندفاع فى الحديث عن ضرب العراق دون وجود مؤشرات تؤكد أن لديهم تصورات محددة حول الكيفية التى يمكن بها تنفيذ ذلك.

المشكلة المزمنة

إن مسألة "شكل الضربة العسكرية" التى يمكن توجيهها للعراق كانت تمثل دائما المحدد الرئيسى للقرار الأمريكي ببدء التحرك فعليا فى اتجاه العراق. فلم يكن هناك خلاف داخل الإدارات التى تعاقبت منذ نهاية حرب الخليج (1991) على أن هناك تهديدا عراقيا لمصالح الولايات المتحدة فى الشرق الأوسط، وأن إسقاط نظام الرئيس صدام حسين يمثل الأساس فى إنهاء هذا التهديد، لذا لم يكن مفاجئا لبعض الأوساط العربية، فى النصف العام الماضى ( 2001 ) ، قبل أحداث 11 سبتمبر بعدة شهور، أن يكون الملف الرئيسى الذى يحمله وزير الخارجية الأمريكي كولين باول فى جولته الأولى بالشرق الأوسط هو "المشكلة العراقية"، رغم اشتعال المنطقة من جراء العنف الحاد بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

لذا ، فان ما قيل عن تورط الحكومة العراقية، أو عدم تورطها، فى هجمات 11 سبتمبر، فى ظل ما أثير حول لقاء براغ بين محمد عطا قائد المجموعة المنفذة للهجمات والدبلوماسى العراقى أحمد العانى، أو احتمالات ارتباط العراق بهجمات الجمرة الخبيثة، لم يكن هو العامل الوحيد الذى أعاد احتمالات ضرب العراق إلى واجهة الأحداث، وإنما ما بدا من أن هناك مناخا عاما يتيح التحرك فى اتجاه إنهاء مهمة كانت قد بدأت منذ عشر سنوات، وليس التوقف عند حدود مواجهة الإرهاب، خاصة مع وجود شخصيات مؤثرة (مثل بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الأمريكي) تعتقد أن هناك حملة واحدة يجب أن تتحرك للتعامل مع كل التهديدات، لكن ظلت المشكلة التقليدية قائمة، وهى كيف يتم ذلك؟

السيناريو الأفغانى

ولقد أدى الانهيار السريع لحركة طالبان، وفرار الملا عمر، تحت وطأة الضربات الأمريكية فى أفغانستان، إلى ظهور تصور داخل بعض مؤسسات صنع القرار الأمريكية، يشير إلى أنه يمكن تكرار السيناريو الأفغانى فى العراق. ويعتمد هذا السيناريو على تشكيل حلف عسكرى محدود يتم فى إطاره إرسال قوات برية أمريكية إلى المنطقة، تقوم بالتعاون مع قوات المعارضة العراقية فى الشمال والجنوب بدخول الأراضى العراقية لإسقاط نظام الرئيس صدام حسين، تحت مظلة الضربات الجوية المركزة لأهداف استراتيجية عراقية تتصل بعناصر سيطرة الحكومة على السلطة.

وقد أشارت بعض المصادر إلى أن مسئولين أمريكيين من صقور الإدارة الحالية قد ذكروا أن الولايات المتحدة يمكن أن ترسل حوالى خمسين ألف جندى أمريكى للمشاركة فى الحملة ضد العراق، وأنها ستكون على استعداد هذه المرة لتحمل مستوى من الخسائر البشرية، كما ذكر أنه يجرى التفاهم حول صيغة تمنع تقسيم العراق، وكذلك ترتيبات ذات أشكال اكثر تركيبا، تتضمن تأمين تواجد "ذى ثقل" للسنّة العرب فى النظام الجديد، بما قد يشكل بديلا مستقرا للنظام القائم. وقيل أن اتصالات قد بدأت تجرى بالفعل مع قيادات القوى الكردية فى الشمال، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية فى الجنوب، وعناصر المعارضة السنّية ذات التواجد النسبى فى الوسط، لترتيب الأوضاع.

لكن المثير أن كل الجهات التى يفترض أن لها علاقة بهذا السيناريو قد نفت أن اتصالات قد جرت بهذا الشأن، ووضح بدرجة كبيرة، أن الأمر برمته يتعلق بأفكار يتم استكشاف مدى إمكانية تحققها، وليس خطة عمليات يتم الترتيب لتنفيذها. بل أن الأطراف المرشحة للعمل العسكرى ضمن هذا السيناريو بدت شديدة الحذر إزاء المشاركة فيه، فالأكراد لم يعودوا يثقون ببساطة فى أى طرف خارجى بعد أن تركوا عام 1991 ليواجهوا مصيرهم على أيدى القوات العراقية إثر فشل سيناريو مماثل، ولا يوجد مستوى من التوافق الإيرانى - الأمريكى يتيح ترتيب دور مؤثر للمعارضة الشيعية. ووضح أن الدول المجاورة للعراق لا تزال لديها حسابات معقدة بشأن الإقدام على دعم هذه الخطوة، فى ظل عدم ثقتها الكاملة فيما قد تؤول إليه.

نتائج غير مؤكدة

الأهم، أن أطراف مباشرة ذات علاقة بالشأن العراقى أعربت عن اعتقادها بأن مثل هذا السيناريو لن يحقق الهدف المتصور (أي إسقاط النظام)، فقوات المعارضة العراقية فى الشمال والجنوب لا تمتلك أية أسلحة قتال رئيسية كالتى توافرت للمعارضة الأفغانية، وهناك شك فى قبول الأطراف المجاورة للعراق تسليحها بها، خشية عودة ظهور ميول الانفصال لدى الأكراد، أو تنامى النفوذ الإيرانى فى العراق، مع الإشارة إلى أن فكرة العمل العسكرى الخارجى برمتها تحتاج إلى إعادة نظر، فعلى الأرجح يصعب إسقاط النظام العراقى إلا من خلال انقلاب عسكرى من داخل وسط العراق.

وقد بدا فى بعض الأحيان أن قيادات فى الإدارة الأمريكية ذاتها تخشى من أن يسفر هذا السيناريو عن مجرد ضربات أخرى ضد العراق لا تؤدى إلى تحقيق أهدافها، والانتقاص فى الوقت ذاته من الإنجاز الذى تحقق فى أفغانستان، خاصة فى ظل احتمالات تكبد حجم كبير من الخسائر البشرية ، والتأثير سلبا على تماسك التحالف الدولى القائم ضد الإرهاب، مع احتمالات حدوث حالة من عدم الاستقرار فى الخليج بأكبر مما حدث فى جنوب آسيا، فمن الصعب تصور أن نتائج حرب داخل العراق يمكن أن تسير على نمط ما حدث داخل أفغانستان، ويمكن – تبعا لتيار داخل الإدارة الأمريكية - الاعتماد لفترة انتقالية على استمرار العقوبات، وتحريك المعارضة فى الداخل، إلى أن يتم حسم الخيارات المطروحة بشان كيفية الإطاحة بالنظام العراقى.

وهكذا، فإنه على الرغم من تصاعد التهديدات الأمريكية ضد العراق، لايزال النقاش مستمرا حول المسالة التى شكلت دائما عقدة استهداف العراق، وهى خطة العمليات التى يمكن أن تحقق الهدف المتفق عليه بحد معين من التأكد بشأن الأوضاع السياسية المترتبة عليها.

لكن المؤكد أن استهداف النظام العراقى لا يزال قائما، فى ظل عدم وجود مؤشرات محددة حول المدى الزمنى الذى قد يستغرقه هذا الوضع، رغم وجود تقارير تشير إلى عملية قد تبدأ تفاعلاتها فى الانطلاق خلال منتصف العام الحالى، مع تجديد اتفاق النفط مقابل الغذاء، استنادا على ما يمثله امتلاك العراق لأسلحة تدمير شامل مفترضة من تهديد.

هناك بلا شك عملية خاصة أمريكية تتحرك نحو العراق، ببطء شديد لكن بإصرار، فى ظل هدف محدد هو إسقاط النظام القائم، ولا يبدو حتى الآن ما يشير إلى أن عوامل قوية تقف فى طريق تحولها إلى واقع، رغم أنه لا يوجد يقين – كما كان الحال فى أفغانستان – من أنها يمكن أن تحقق هذا الهدف،إلا أن ما حدث فى أفغانستان ذاتها يشير إلى أن الولايات المتحدة يمكن أن تتقدم - في ظل الزهو بالنصر - نحو حروب ليس لدى قياداتها يقين حول نتائجها النهائية.

محمد عبد السلام - القاهرة

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×