تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

منطقة في "حالة طوارئ"!

رغم النقمة الشعبية، فإن العديد من الأنظمة العربية الحاكمة متمسكة بنظام الطوارئ

(Keystone)

التحق عضو جديد بنادي الدول العربية التي تعيش تحت حالة الطوارئ.

فبعد سوريا ومصر والجزائر والسودان وموريتانيا، أعلن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات حالة الطوارئ في مناطق السلطة الفلسطينية.

تعيش بعض الدول العربية في حالة طوارئ منذ فترة طويلة جدا. فقوانين الطوارئ سارية في سوريا منذ عام 1963، وفي مصر منذ عام 1981، وفي السودان منذ عام 1989، وفي الجزائر منذ عام 1992.

وهذه الفترات الطويلة من سريان حالة الطوارئ تجعل منها "الحالة العادية". وأصل الأشياء، الأمر الذي يتعارض مع إسمها الذي يُـشير إلى إجراءات استثنائية يتم اتخاذها للتعامل مع موقف مفاجئ غير متوقع يصعب التعامل معه بالإجراءات العادية، وينتهي بانتهائها.

تبريرات متعددة لإعلان الطوارئ

وتتعدد أسباب إعلان حالة الطوارئ في البلاد العربية. ففي بعض الدول، جرى إعلان حالة الطوارئ تحسّـبا لعدم الاستقرار السياسي أو لمواجهته أو لتثبيت نظام حكم جديد أتى إلى السلطة عبر انقلاب عسكري، وهو ما جرى في سوريا والجزائر والسودان وموريتانيا.

أما في حالة مصر، فإن التصدي لخطر الإرهاب وعدم الاستقرار بعد عملية اغتيال الرئيس السادات في أكتوبر عام 1981 كان هو السبب الذي دعا الحكومة المصرية لإعلان حالة الطوارئ.
أما أشهر المبررات التي قدمتها الحكومات لتبرير استمرار حالة الطوارئ لفترة زمنية طويلة، فتتجاوز بكثير سبب إعلانها، فهي تتجسّـد في المواجهة مع إسرائيل، كما هو الحال في سوريا، وفي مواجهة خطر الإرهاب، كما هو الحال في مصر والجزائر.

وقد وجدت حكومات عربية في هجمات 11 سبتمبر الإرهابية والقوانين المتشددة التي أصدرتها الولايات المتحدة ودول أخرى في أعقابها، فرصة لتبرير استمرار قوانين الطوارئ كسبيل لمحاربة الإرهاب.

أما في الحالة الفلسطينية، فإن إعلان حالة الطوارئ يعكس تخبّـطا وارتباكا سياسيا أكثر مما يعكس نوايا نخبة مهيمنة تسعى لتأمين الاستقرار والبقاء.

فقد ترافق إعلان حالة الطوارئ مع تشكيل حكومة أحمد قريع التي وُصفت بأنها حكومة طوارئ. لكن، ومع اشتداد حملة الانتقادات الموجهة للسلطة الفلسطينية بسبب هذا الإعلان، جرت إعادة تفسير القرار، بحيث تم التراجع عن إعلان حالة الطوارئ، وتم الاكتفاء بوصف حكومة أبو علاء بأنها حكومة طوارئ.

والمشكلة التي تواجه السلطة الفلسطينية هي أنها باتت لا تمتلك من القوة السياسية أو المادية ما يتيح لها تطبيق حالة الطوارئ بعد أن تكالبت عوامل السياسات الخاطئة والوحشية الإسرائيلية ولا مسؤولية بعض المنظمات الفلسطينية لتضعف الأساس المادي والمعنوي للسلطة الوطنية.

حالة عادية وليست إجراء استثنائيا

الفترات الممتدة لسريان حالة الطوارئ حوّلتها من مجرد إجراء استثنائي للتعامل مع حالة استثنائية إلى أسلوب أو نظام للحكم. والجوهري في نظام الطوارئ هذا، هو إعطاء الجهات التنفيذية سلطات واسعة النطاق لاتخاذ ما تراه من إجراءات دون أن يكون للسلطات القضائية أو التشريعية حق مراجعتها، أي أن نظام حكم الطوارئ يُـمثل إعادة صياغة للعلاقة بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بحيث تضعف سلطة الأخيرتين في مواجهة السلطة التنفيذية.

فإذا كانت السلطة التشريعية تمثل الشعب، بينما يمثل القضاء قوة القانون، فإن نظام الطوارئ يضعف سلطة الشعب والقانون لصالح سلطة جهاز الدولة والنخبة المهيمنة عليه، والتي تأتي عادة من بين صفوف الأجهزة البيروقراطية، خاصة الأجهزة الأمنية.

ولأن حالة الطوارئ يطول سريانها في البلاد العربية حتى تحولت إلى الحالة العادية، فإن حالة الطوارئ العربية تختلف عما هو معروف عن حالات الطوارئ في مناطق العالم الأخرى.

فالأنظمة العربية التي تدير بلادا في حالة طوارئ، تجهد نفسها كي تجعل هذه الحالة تبدو عادية. ففي ظل حالة الطوارئ العربية يتم إجراء انتخابات للسلطة التشريعية، كما هو الحال في سوريا ومصر والسودان، بل إن الجزائر تنظم انتخابات رئاسية تنافسية في ظل حالة الطوارئ نفسها، الأمر الذي يؤكد أن حالة الطوارئ العربية هي نظام للحكم تتوسع فيه سلطات المؤسسات التنفيذية أكثر منها حالة طارئة فعلا.

وقد تحوّلت حالة الطوارئ في البلاد العربية إلى حالة عادية إلى درجة أنه ليس من غير المألوف أن تشرع نظم عربية في إحداث إصلاحات سياسية تتضمن توسيع نطاق الحريات العامة، وفرض بعض القيود على السلطة التنفيذية، ولو بشكل رمزي، مثلما يجري في سوريا منذ تولي الرئيس بشار الأسد، وفي مصر في الفترة الأخيرة.

ولكن كل هذا يجري دون مساس بحالة الطوارئ، وكأن حالة الطوارئ يمكن إصلاحها، لكن لا يمكن إلغائها.

الطريف أيضا في الحالة العربية، هو أن إعلان حالة الطوارئ في بلد ما لا يعني بالضرورة حرمان السلطات القضائية والتشريعية وكل المواطنين من حقوق يتمتعون بها في البلاد العربية التي تعيش بلا طوارئ.

فالعلاقة بين السلطات الثلاث، وكذلك مستوى الحريات والحقوق التي يتمتّـع بها المواطنون في بلاد عربية لا تعيش في ظل الطوارئ، لا تختلف كثيرا عنها في "نظم الطوارئ".

وتكفي نظرة سريعة على العلاقة بين السلطات الثلاث ومستوى الحريات العامة المتاح في بلاد الخليج وتونس وليبيا لتبين هذه الحقيقة.

المؤقّـت الدائم!

الأكثر من هذا، أن مستوى الحريات العامة واحترام القانون في بعض البلاد العربية التي تعيش في حالة طوارئ هو أفضل منه في بلاد عربية أخرى لا تعيش تحت الطوارئ.

فمستوى بعض الحريات العامة، خاصة حرية التعبير، وكذلك مستوى القيود المفروضة على السلطة التنفيذية في مصر أو الجزائر هو أعلى بشكل ملحوظ منه في أغلب بلاد الخليج أو تونس.

فحالة الطوارئ في العالم العربي إذن، لا تمثل نمطا استثنائيا في إدارة الدول والمجتمعات العربية. بالإضافة إلى ذلك، فإنه لا يبدو أن حالة الطوارئ تسهل على النظم الحاكمة البقاء والحفاظ على نفسها بدرجة أكبر مما تستطيعه النظم الحاكمة في البلاد الأخرى، إذ يصعب على أي مراقب موضوعي أن يعزو المستوى الراهن من هيمنة الحزب الحاكم في بلد مثل مصر إلى قانون الطوارئ.

فالأكثر واقعية هو أن قوانين الأحزاب السياسية والنقابات والنشر، بل والدستور نفسه الذي يتيح للسلطة التنفيذية مكانة، لا يمكن أن تنافسها فيها السلطات القضائية والتشريعية، وكذلك خصوصيات التاريخ السياسي، أعطت مؤسسات محددة كالقوات المسلحة مكانة متفوقة في النظام السياسي، كل هذه أسباب أكثر أهمية في شرح الشكل الراهن للحياة السياسية أكثر مما يمكن أن يشرحه قانون الطوارئ.

فحالة الطوارئ في العالم العربي، هي امتداد لاختلال التوازن بين السلطات، وهي نوع من الإجراء الاحترازي الذي تتّـخذه النُّـخب المهيمنة لتمكينها من التعامل مع تهديدات مباشرة أو بعيدة الاحتمال وغير محددة.

ويعكس اللجوء المبالغ فيه لإعلان الطوارئ من جانب بعض النخب العربية، غلبة الميول السلطوية، والاعتبارات الأمنية على ضرورة إطلاق طاقات الإبداع، والتجديد في المجتمع باعتباره الطريق الأسلم لتقدم المجتمع وتمكينه من البقاء كمجتمع صحي في عالم لم تعد فيه أساليب السيطرة السياسية قادرة على تحقيق التقدم الاقتصادي والتكنولوجي أو الحصانة الأمنية.

مواقف مرتبكة

لقد انسلخت الدول العربية عن موجة الإصلاح الديموقراطي التي عمّـت العالم بعد انتهاء الحرب الباردة، وبينما يُـعتبر هذا الانسلاخ العربي استفزازا لبعض القوى المناصرة للديموقراطية في العالم، والتي ما فتئت تدعو لإدماج المنطقة العربية في مسيرة الإصلاح الديموقراطي، فإن قوى أخرى اقتنعت بمقولة الاستثناء والخصوصيات العربية بذريعة أن الثقافة العربية والديموقراطية لا ينسجمان.

وبينما ترفض القوى السياسية في العالم العربي التدخلات الخارجية التي تأتي عادة مع الضغوط الخارجية من أجل إحداث إصلاح ديموقراطي، فإنها ترفض أيضا القول بعدم التوافق بين الديموقراطية والثقافة العربية، وترى في ذلك إهانة سياسية واجتماعية هي أقرب إلى العنصرية منها إلى التقييم الموضوعي.

أما أطراف المجتمع الدولي التي اعتادت توجيه الانتقادات للدول العربية بسبب الطبيعة الاستبدادية لأغلب الأنظمة العربية الحاكمة، فإنها باتت في ظل ضرورات مكافحة الإرهاب مترددة بين المطالبة بإصلاح ديموقراطي يمكنه إضعاف البيئة المولدة للتطرف في العالم العربي، وبين الإبقاء على نظم الطوارئ والقوانين الاستثنائية السارية لفائدتها المباشرة في الحرب على الإرهاب.

وفي خضم هذه الضغوط والاعتبارات المُـتباينة، ظلّـت الأنظمة العربية تُـناور بأساليب وذرائع متنوعة من أجل الإبقاء على الأوضاع الراهنة.

د. جمال عبد الجواد - القاهرة


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×