تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

منظمة غير حكومية نشيطة "بوْصلة".. والطريق الطويل نحو الديمقراطية المحلية

بقلم

أميرة يحياوي، رئيسة جمعية "بوصلة"

(©)

توجد اليوم في تونس أكثر من 17 ألف جمعية ومنظمة غير حكومية، لكنها تختلف في الدور والحجم والمصداقية. وإذ يُعتبَر ذلك مؤشِّرا على حيوية المجتمع المدني، رغم ما يعتريه من مظاهر الضعف وتعدد العوائق وقلة خبرة الكثير من النشطاء. إلا أن مقياس النجاعة والجدوى يختلف من حالة إلى أخرى، ولا يُقاس بالأقدمية أو ضخامة الجمعية وعدد منخرطيها.

هي جمعية صغيرة، لكنها سُرعان ما احتلّت مكانة متميِّزة في المشهد الجمعوي التونسي. مؤسِّسوها شبّان لم تكُن لديهم خِبرة طويلة في النشاط السياسي أو المدني، لكن الذي ميَّزهم عن غيرهم، تلك الزاوية التي اختاروها للتأثير على الأحداث في تونس اليوم. 

لقد قرروا في بداية مشوارهم أن يرصدوا ما كان يجري داخل المجلس الوطني التأسيسي، قبل أن يتحوّل بعد انتخابات 23 أكتوبر 2014 إلى "مجلس نواب الشعب". وكان دور الجمعية في هذا المجال متميِّزا ومثيرا.

مسار الديمقراطية صعب ومعقد

بناءُ الديمقراطية مسارٌ صعب ومعقّد، خاصة إذا كانت التّجربة تتِم في بلد حكمه منذ تأسيس الدولة الوطنية بُعيد الإستقلال عن المستعمر الفرنسي حزب واحد وبقيادة فردية طاغية. وهذا ما يفسِّر حالة التعثّر التي تواجِهها التجربة التونسية.

الجميع يريد أن يراقب الآخرين، خاصة أولئك الذين تربَّعوا على عرش السلطة، لكنهم في الآن نفسه يتضايقون كثيرا من أن يخضعوا بدوْرهم لمُراقبة غيرهم، خاصة إذا كان هؤلاء المراقبين جزءا من المجتمع المدني.
ومن هنا تضايَق كثير من النواب من جمعية "بوصلة" رابط خارجيالتي من بين ما كشفت عنه عدد غِياباتهم عن اجتماعات المجلس، خاصة في المحطّات الأساسية وعند التصويت على مشاريع القوانين، وهو ما من شأنه أن يضعهم في الميزان ويكشِف مدى احترامهم لناخبيهم.

متابعة دقيقة لتطور العملية التشريعية

ففي تقريرها الأخير، الذي غطى شهر مارس المنقضي، كشفت جمعية بوصلة أن 6 نواب من أعضاء المجلس لم يحضروا في أيّ جلسة من جلسات البرلمان، رغم أن هذا الشهر انعقدت فيه 4 جلسات عامة، وتمّت المُصادقة على 5 مشاريع قوانين، والْتأمت خلاله جلسة استثنائية خارِقة للعادة بعد حادثة الهجوم على متحف باردو المُحاذي لمقر مجلس نواب الشعب.

لا يقِف دور "بوصلة" عند رصد حضور وغياب النواب، وإنما تبرز قيمة هذه الجمعية في متابعتها الدقيقة لتطوّر العملية التشريعية، وذلك من خلال توثيقها للمتغيِّرات التي تطرَأ على هذه المشاريع، وذلك بنشْر وتوثِيق كل المقترحات التي يقدّمها النواب، وصولا إلى النسخة الأخيرة للقوانين.

جمعية بوْصلة

أميرة يحياوي، رئيسة جمعية بوصلة ومؤسسة لها. لم تتجاوز سِن 28 عاما، تربّت في أسْرة لحِقها ظُلم كبير عندما قرّر والدها مختار اليحياوي أن يتخلّى عن واجب التحفّظ بصِفته قاضيا، وأن يوجِّه رسالة إلى الرئيس السابق زين العابدين بن علي، يؤكِّد فيها على أن القضاء غيْر مستقِل، فكلّفه ذلك الكثير من المتاعِب.

ولم يقِف الأمر عند القاضي المُستقيل، وإنما اتَّسعت رُقعته لتشمَل الأسْرة بكاملها. فالمُدوِّن الشهير زهير اليحياوي، الذي اعتُقِل في العهد السابق وفارق الحياة بعد قضاء فترة السِّجن بسبب ممارسة حقّه في التعبير. 

وفي هذه الأجواء القمعِية، تربّت أميرة، وتحوّلت إلى ناشطة حقوقية تبلغ وأسهمت في تنظيم حمْلة ضدّ حجْب المواقِع الإلكترونية، تحت شعار "نهار على عمار" .

وبسبب ذلك كله، حُرِمت من العودة إلى زيارة بلدها تونس، إلى حين سقوط نظام بن علي، حيث عاشت في فرنسا لمدة سنوات ثمّ قرّرت العودة نهائيا إلى تونس في عام 2011 أيْن أسّست منظمة البوْصلة. 

وقد طُلِب منها تمثيل تونس في عديد التظاهرات والمنتديات العالمية، منها مؤتمر دافوس و الأونكتاد. وتحصّلت في يونيو 2012 على جائزة تريلبليزر من أجْل دورها التحسيسي في قضايا تحسين وضعية النساء في العالم العربي وتوعية المواطن العربي بأهمِية دوْره بعد الثورة.  

نهاية الإطار التوضيحي

لقد تحولت الجمعية إلى عيْن من عيون المجتمع وآليات من آلياته المراقبة والرّصد، بل تحوّلت في أكثر من مناسبة لتشكِّل هيكلا غيْر رسمي يتولّى تقديم الاقتراحات المؤثِّرة والمثيرة خلال تعديل القوانين أو صياغتها، وهو ما جعلها تصبح قوّة اقتراح، وليست فقط جمعية مراقبة أو احتجاجية.

كما دافعت "بوصلة" بحرارة عن الحق في الوصول إلى المعلومة، وتمّ الاستماع لوِجهة نظرها من قِبل "لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية"، وذلك عند مناقشة "مشروع القانون الأساسي عدد 2014/55 المتعلّق بحقّ النّفاذ إلى المعلومة". 

فالمعلومة تبقى المادّة الأساسية لممارسة الديمقراطية وتحقيق الشفافِية، وتوفّرها من شأنه أن يمكِّن منظمات المجتمع المدني من القِيام بدوْرها بشكلٍ فعّال وناجِع. وفي مسار موازٍ، اجتهدت هذه الجمعية في تبسيط المفاهيم والمُعطيات المتعلِّقة بميزانية الدولة، لأن المجتمع الذي لا يفهَم الأرقام التي تخصّه وتتعلق ببلاده، لا يستطيع أن يُمارس حقّه في المراقبة والمحاسبة. 

وبما أن الميزانيات تُصاغ بأسلوب يعتمِد على الأرقام وعلى اللّغة الرياضية، فإن تبسيط ذلك وتحويله إلى خِطاب مفهوم، من شأنه أن يولد الاهتمام لدى المواطنين، ويمكِّنهم من فرصة المتابعة ونقْد الأرقام والسياسات الكامنة وراءها.

بوصلة.. أنموذج جدي

تُعتَبر جمعية "بوصلة" نموذجا جدِّيا لمنظمات المجتمع المدني، الساعية في تونس نحو قيام نظام ديمقراطي حقيقي وفاعل. ومن هذه الزاوية، لم تتقيَّد الجمعية برصْد نشاط البرلمان، وإنما شرعت منذ فترة في توسيع دائرة اهتماماتها وأنشِطتها، واتّجهت بالخصوص نحو المجال البلدي. 

وفي هذا السياق، أسّست الجمعية "مرصدا للبلدية" ابتداء من شهر يناير 2014، وذلك من خلال رصْد أنشِطة البلديات، ويهدِف المشروع إلى "تقريب المسافة بين البلدية والمواطن، سواء في فهْم الواقِع المحلّي أو في المساهمة الفعّالة في أخذِ القرار". 

وتتنزّل هذه المبادرة في سِياق محلّي معقّد، انهار فيه العمل البلدي نتيجة تأخير انتِخاب المجالس البلدية، بعد أن تمّ حلّ المجالس السابقة في عهد الرئيس بن علي، وتعيين هيئات وقتِية لم تكن ناجِعة في مُعظم الأحيان، ممّا جعل الخدمات الأساسية تَشهد تدهْوُرا خطيرا وتعمّق الفجوة بين البلدية والمواطن.

وبالرغم من أن المسؤولين على هذه النيابات الخصوصية قد تمّ اختيار الكثير منهم وِفق أسلوب المُحاصصة الحِزبية، فقد زاد ذلك من حدّة تأزيم المَشهد ونقل الصراعات السياسية بين الأحزاب إلى داخل النشاط البلدي وعمّق الأزمة التي تُهدِّده.

بعد مرصد للبلدية.. مرصد للميزانية

يعمل "مرصد البلدية"رابط خارجي، الذي أحدثته جمعية بوْصلة، على تجميع المعلومات من الهيئات البلدية الحالية، وتتعلّق هذه المعلومات بـ "الميزانية البلدية، الموارد البشرية، العقارات والمنقولات، المجلس البلدي ونشاطه، والمشاريع البلدية الاستثمارية". 

وفي ضوء ذلك، يتم تحليل تلك المعلومات ونشْرها على النِّطاق المحلي في صفوف المواطنين، بهدَف المُحاسبة وتوفير الشفافية وتفعيل العمل البلدي. وبذلك، تكون "بوصلة" قد ساهمت في تأسيس الديمقراطية المحلية بشكلٍ مُباشر وفعّال. 

تبرز الجمعية الغرض من هذا المشروع فتذكِّر أنه "في ظلّ مناخ اقتصادي متأزّم على الصّعيد العالمي وتبِعاته على الصّعيد الداخلي، أضْحت التّحديّات الاقتصاديّة وضرورة مجابهتها، إحدى أبرز أولويّات مرحلة ما بعد الانتخابات المقبلة. 

من هذا المُنطلَق، وسعيا لتقديم مساهمة في هذا الاتّجاه من خلال رصْد ميزانيّة الدّولة، شرعت جمعية البوصلة منذ يناير 2014 في إعداد مشروع (مرصد الميزانيّة)رابط خارجي، قصْد تبسيط ميزانيّة الدّولة للمواطن وتذليل العوائِق التي تحُول دون مُشاركته عبْر توعيته بمتطلّبات الوضْع الاقتصادي الراهن".

هكذا، رأى الفريق المُسيِّر لجمعية "بوصلة" أنه بمِثل هذه المشاريع يحصُل تمكين المواطن التونسي وجعله قادِرا على المناقشة ومُحاسبة المسؤولين، والمشاركة في تصحيح المسارات ووضع السياسات.

فالتغيّر يبدأ من تحت، ويتواصل من تحت، وذلك وجْه هام من أوجُـه الديمقراطية المحلية، التي - بدونها - لن يصلب عُود تجربة الانتقال السياسي في تونس، ولن تتحقّق أهداف الثورة التي ذهب ضحيَّتها أكثر من 300 شهيد.


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×