تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

من حزب حاكم إلى تنظيم عادي حركة النهضة التونسية بحاجة إلى "إعادة ترتيب البيت"

مؤيدون لحزب حركة النهضة يلوحون بالأعلام وشعارات الحزب خلال مشاركتهم في احتفال بذكرى الإستقلال يوم 20 مارس 2014 وسط العاصمة التونسية

مؤيدون لحزب حركة النهضة يلوحون بالأعلام وشعارات الحزب خلال مشاركتهم في احتفال بذكرى الإستقلال يوم 20 مارس 2014 وسط العاصمة التونسية

(Keystone)

قد تبدو حركة النهضة، الحزب السياسي التونسي الأكثر تمثيلا في المجلس الوطني التأسيسي، في وضعٍ جيِّد، مثلما يؤكِّد ذلك معظم قادتها في تصريحاتهم الإعلامية أو في خُطَبهم الموجّهة إلى قواعدهم، لكن ذلك لم يكن كافيا لحجْب عديد المؤشرات الدالّة على أنها تمُر منذ فترة بحالة غيْر طبيعية، لعل آخِرها إصرار أحد زعمائها حمادي الجبالي على الإستِقالة من منصب الأمانة العامة في هذا التوقيت بالذات.

قبل اندلاع الأحداث التي أطاحت بالرئيس السابق بن علي في بداية عام 2011، كانت الحركة تشكو من أزمة عميقة. وحتى عندما قرّر الشيخ راشد الغنوشي العودة بعد أن تهيَّأت الظروف لذلك، لم يكن يتوقع بأنه سيُستقبل بتلك الحفاوة الجماهيرية، التي لقيها من أنصاره والمتشوِّقين لسماع خطابه. بعد ذلك، اتضح أن القيادات الماسِكة بزِمام الحركة نجحت في استثمار الأجواء الجديدة التي اكتسحت البلاد، لكي تُعيد هيكلة التنظيم وتتمكّن من تجاوُز الخلافات السابقة وتأجيلها، وهو ما مكّنها من البروز في شكل حزب قوي وحاكم.

في تلك الظروف، تخطّت القيادة عقَبة المؤتمر الذي انعقد في صيف 2012، لكن دون أن يفتح ملفّات المرحلة السابقة، لأنها تمكّنت من تمرير مُقترح يتعلّق بتأجيل مسألة التقييم إلى مؤتمر استثنائي، دون تحديد موعِد له، يكون نهائيا ومُلزما. لقد كان هناك تخوّف من الإنعِكاسات التي يُمكن أن تترتّب عن فتح ملفات رِحلة التّيه التي وجدت الحركة نفسها مُضطرّة فيها لشق الصحراء، على إثر دخولها في مواجهة شامِلة مع نظام بن علي بعد سنتيْن فقط من وصوله إلى سدة الحُكم في قرطاج.

مخاوف وهواجس

اليوم، يعود الحديث من جديد عن تحديد موعد المؤتمر، وهنا ابتكرت الحركة صِيغة جديدة تمثّلت في تنظيم استفتاء لجميع أعضائها حول رأيهم في أن يعقد هذا المؤتمر قبل الإنتخابات أو بعدها. ولم تكن هذه الصيغة بدون دلالات. فإذا كان المبرِّر السابق لتأجيل النقاش في العمق هو الخِشية من أن ينعكس ذلك على وضعية الحركة، وهي في السلطة، فإن التخوّفات الحالية تدور حول احتِمال أن تؤثِّر أجواء المؤتمر على استعدادات الحركة لخوْض غِمار الإنتخابات القادِمة، التي قد لا تكون بالضرورة نُسخة من سابقتها، عِلما وأن الإنتخابات الجديدة تأتي بعد أن اضطرّت الحركة لمُغادرة الحكومة، قبل أن تستكمل مُهلتها الطبيعية، وبالتالي، فإن التقييم الذي سيخوض فيه المؤتمِرون، لن يتوقّف عند المرحلة السابقة للثورة، ولكنه سيشمل أيضا مرحلة الحُكم في ظل الترويْكا، حيث كانت الحركة هي التي تقود القاطرة.

ما سيحدُث في المؤتمر، ليس هو الأمر الوحيد الذي يُـقلق القيادة. فإلى جانب ذلك، تم تأسيس حزب جديد أطلَق على نفسه "حزب البناء الوطني"، شكّله أعضاء سابقون من حركة النهضة، ويتولّى رئاسته رياض الشعيبي، عضو المكتب السياسي السابق الذي استقال خلال شهر نوفمبر 2013.

وبقطع النظر عن الحجْم الذي يُمكن أن يكتسِبه هذا الحزب في المرحلة القادِمة، فذلك أمرٌ لا يمكن التكهُّن به الآن، لكن المُزعج في هذه المبادرة – من وجهة نظر قيادة حركة النهضة – هو أن المؤسّسين لم يكتفوا بمغادرة الحركة فُرادى، مثلما فعل الكثيرون من قبل، وإنما أقدَموا على إيجاد جسم تنظيمي مُنافس يعمل على استقطاب جُزء من أبنائها.

خلافات جدية

ما فعله الشعيبي، يُكرِّره أيضا منار سكندراني، القيادي السابق في حركة النهضة، الذي يستعد حاليا لتشكيل حزب جديد، وهو الشخص الذي سبق له أن صرّح قبل مغادرة حركة النهضة السلطة، أن هذه الأخيرة كانت تخشى خمسة أشياء، منها "المُحاسبة التي قد تُعيدها إلى ما قبل يناير 2011، وأيضا قلقها من مواضيع أحداث الرشّ والسفارة الأمريكية والأداء غير الموفّق لبعض وزرائها".

الشعيبي تكهن بأن تتواصل الإستقالات داخل الحركة، بحُكم حِدّة الإختلافات الدائرة بين عديد الأجنِحة، والتي أكّد بأن بعضها لا يقبل الرأي المخالِف، بل ذهب به الإعتقاد إلى أن النهضة "لن تعود إلى السلطة من جديد"، وِفق قراءته الخاصة. وبعد أن تبيّن أن مرحلة ما بعد الثورة اقترنت بالكشف عن وجود خِلافات جدية بين كوادر الحركة، فإن السيطرة على هذه الخلافات خلال الفترة السابقة لا يعني بالضرورة أن التعايُش بين أطرافها قد يستمِر بدون قطيعة.

من الواضح الآن أن بِنية الخِطاب الأيديولوجي والسياسي بين بعض هذه الأطراف، متباينة كثيرا، وقد تُصبِح في لحظة ما عامِلا مُعرْقِلا ومُهدِّدا للمصالح الأساسية للحركة. ذلك أن الطابع العقائدي لا زال يُـهيْمن على آليات تفكير الكثيرين، في حين يميل آخرون إلى المَنهَج البراغماتي في رُؤيتهم للعمل السياسي. وفيما لا يعني ذلك أن الحركة أصبحت مُهدَّدة بانقسامات حادّة وواسعة النِّطاق في هذه المرحلة، إلا أنها قد تتعرّض في المقابل إلى حالات نزيف بما يُضعِف الجِسم ولا يقتله.

مناخ داخلي "غيرُ مطمئن"

في سياق متصل، يُعتبر الموقف من الحرس القديم لنظام بن علي أحد القضايا الحارِقة التي أقضت مضاجِع أعضاء حركة النهضة وأنصارها.

فبعد أن شحنتهم القيادة لمدّة طويلة بخِطاب مُعاد لهؤلاء ووصفتهم بأعداء الثورة ودافعت بقوة على مشروع قانون "تحصين الثورة" الذي يستبعدهم من الساحة السياسية لفترة محددة، فإذا برئيس الحركة راشد الغنوشي يُغيِّر موقِفه فجْأة بشكلٍ جِذري ويضغط في اتِّجاه مُعاكِس تماما، ليس فقط في اتِّجاه رفض تأييد مشروع قانون العزْل السياسي، وإنما أيضا في اتِّجاه فتح المجال لإمكانية المُشاركة في حكومة مشتركة مع حزب نداء تونس، بقيادة الباجي قايد السبسي، وهو الحزب الذي كان يُعتبَر من قبْل بمثابة الكِيان "الأخطر من السلفيِّين"، وهو ما جعل رئيس مجلس الشورى فتحي العيادي يوجِّه لوْما إلى راشد الغنوشي على "تحالفه مع النظام القديم"، حسبما نقلته عنه مؤخرا صحيفة "الصباح الأسبوعي". كما أن مُعضلة العلاقة بين الدَّعَـوي والسياسي، لم تجد الحلّ المناسب لها، وذلك بسبب ارتِباط المسألة بالثقافة السياسية للحركة وبالأدوار المتعارِضة التي سيقوم بها كلّ طرف حسب موقِعه ومصالحه وعلاقاته.

في هذه الأجواء الخِلافية، أصرّ حمادي الجبالي على الكشْف عن استِقالته من الأمانة العامة للحركة، وهو الأمر الذي لم تكن تُحبِّذه القيادة، خاصة في هذا الظَّرف تحديدا. وبالرّغم من أن الجبالي قد حاوَل أن يتعامَل بدبلوماسية عالية مع جماعته، مؤكِّدا بالخصوص على كونها استِقالة من منصبه الحزبي وليس استقالة من الحركة، ومهدِّئا من روع إخوانه بالتشديد على أن الحركة "لن تُؤتى من جانبه"، إلا أن العارفين بالأجواء الداخلية للحزب، يعلمون بأن الرجل "لم يعد متفاعِلا" مع العديد من رفقاء الأمس.

لقد بدأ ينتابه هذا الشعور منذ أن اقترح تشكيل حكومة من التكنوقراط في أعقاب اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد (6 فبراير 2013)، غير أن قيادة الحركة رفضت ذلك ووضعته أمام مأزَق خطير، مما دفعه في النهاية إلى ترْك مقعده كرئيس حكومة ليلتحِق ببيته. ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد منسجِما مع الكثير من الأشخاص والتوجّهات وأساليب العمل بالحزب، وبالتالي، فإن استقالته من الأمانة العامة، ليست مجرد إجراء شكلي، ولكنها مؤشِّر آخر على أن المناخ داخل الحركة ليس مُطمئِـنا للعديد من الأعضاء.

إعادة ترتيب البيت

كل هذه المُعطيات تكشِف إلى حدٍّ كبير حاجة حركة النهضة إلى إعادة ترتيب بيْتها الدّاخلي، قبل التفكير في خوْض أيّ مغامرة جديدة. وإذ لا يزال الجدل متواصِلا في تونس حول مدى جديَّة استطلاعات الرأي التي انتقدها رئيس الجمهورية المنصف المرزوقي مؤخّرا وقال بأنها "تجري حسب الطلب وأنه لا قيمة لها"، إلا أن جميع العمليات التي نظّمت مؤخرا من قبَل مراكز سبر الآراء العاملة داخل تونس، كشفت أن القاعِدة الإنتخابية لحركة النهضة قد تتقلّص، وإن اختلفت النِّسب من مركز لآخر.

صحيح أن الحركة لا تزال تتأرجَح بين المرتبة الأولى والثانية، إلا أن ذلك ليس معزولا عن أدائها السياسي خلال قيادتها لشؤون البلاد. وفي كل الحالات، فهي تبقى طرَفا رئيسيا في تونس، لكنها تبدو - حسب مراقبين - في أشدّ الحاجة إلى قدْر واسع من التواضُع وإرادة جدية لمراجعة أشياء كثيرة في داخلها وفي أسلوب عملها.

اليوم، يمكن القول أن الهالَة السابقة التي نسجتها نِضالات المُواجهة مع النظام قد زالت، لتجِد الحركة نفسها قد تحوّلت إلى حزبٍ عادي، يتكيَّف ولا يُضيف، يتأثَّر ولا يُؤثِّـر، يخضع لقواعِد اللُّعبة وحاجِيات السلطة، وإن اقتضى الأمر، فإنه قد يُغيِّر خطابه وِفق موازين القوى القائمة أو الناشئة.

الرجل الثاني في النهضة الإسلامية في تونس يستقيل من منصبه

تونس (رويترز) - أعلن حمادي الجبالي، الرجل الثاني في حركة النهضة الإسلامية في تونس يوم الإثنين 24 مارس 2014 استقالته من منصب الأمين العام للحركة في خطوة مفاجئة. وتولى الجبالي القيادي في حركة النهضة رئاسة أول حكومة بعد انتخابات 23 اكتوبر 2011، التي اعقبت الانتفاضة التي أطاحت بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي قبل ثلاث سنوات.

وقال الجبالي في بيان نشره بصفحته على فيسبوك "لقد أعلمت كتابيا يوم 5 مارس 2014 رئيس الحركة وثلة من قياداتها بقراري التخلّي عن مهمة الأمانة العامة لأسباب ذاتية وموضوعية، لا أرى ضرورة أو فائدة في الخوض فيها خارج أطر الحركة".

وإستقال الجبالي من منصب رئيس الوزراء العام الماضي، بعد خلاف مع حركته التي عارضت طلبه بتشكيل حكومة كفاءات مستقلّة إثر اغتيال المعارض شكري بلعيد. وقبل أشهر تخلّت النهضة عن الحكم بموجب اتِّفاق مع المعارضة العِلمانية، لصالح حكومة مؤقّتة ستقود البلاد إلى انتخابات. وأكدت حركة النهضة اعتزام الجبالي الاستقالة من منصبه.

وقال زياد العذاري، المتحدث الرسمي باسم الحركة لرويترز "فعلا تقدّم الأخ حمادي الجبالي باستقالة من منصبه وسيتِم درْس هذه الاستقالة داخل الحركة". وأضاف الجبالي في بيانه "قراري الذي اتَّخذْته عن روية هو نهائي ويبقى لمؤسسات الحركة حقّ اختيار من تراه صالحا لهذه المهمة".

ودعا القيادي، الذي سجن نحو 16 عاما تحت حكم النظام السابق، الى اتاحة الفرصة أمام الشبان لتولي قيادات الحركة قائلا "اعتبر قراري هذا مناسبة ومساهمة منّي في دعم صفِّها القيادي بجيل من الكفاءات تزخر به الحركة على كلّ المستويات تشبيبا وإصلاحا وخِدمة للحركة والبلاد".

وقال الجبالي، إن إستقالته من منصبه لا تعني بالضرورة أنه قد يؤسس حزبا أو ينْضَم لحزب آخر. ولكن هذه الإشارة قد تفهم أيضا على أنه قد يغادر نهائيا حركة النهضة، وهو أحد مؤسسيها. وترك الجبالي باب الترشح للرئاسة في الانتخابات المقبلة مفتوحا وقال "حول احتمال ترشّحي للرئاسيات القادمة... فإني لا أرى في الوقت الحاضر أن شروط وظروف اتِّخاذي لمثل هذا القرار متوفِّرة ويبقى الأمر مفتوحا في الوقت المناسب على كل الاحتمالات".

ومن المقرّر إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية هذا العام، ولكن حتى الآن لم تحدّد هيئة الانتخابات أي موعد لهذه الانتخابات.

(المصدر: وكالة رويترز بتاريخ 24 مارس 2014).

نهاية الإطار التوضيحي

swissinfo.ch


وصلات

×