تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

من سيدفع تكاليف الحرب؟

النفط العراقي عنصر حاسم في معادلة الحرب المحتملة ضد نظام الرئيس صدام حسين

(Keystone)

بالرغم من الأهمية الكبيرة لدراسة تكلفة أي حرب، إلا أن الإدارة الأمريكية تتفادى الحديث عن هذا الجانب فيما يتعلق بحملتها المنتظرة ضد العراق

وقد قدرت أطراف أمريكية عديدة تكاليف الحرب المحتملة ما بين 80 و100 مليار دولار، إذا لم تكن هذه الحرب طويلة المدى.

التقديرات الأكثر صدقية لتكاليف الحرب المحتملة ضد العراق صدرت عن لورنس ليندساي الذي كان حتى أكتوبر الماضي يشغل منصب كبير المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض، وقدر أن تكلفة الحرب الأمريكية المحتملة ضد العراق ستتراوح بين 100 و200 مليار دولار.

وكان ليندساي الذي أقيل بسبب العديد من التصريحات التي لا تتلاءم مع توجهات الإدارة الأمريكية، يتسم بدرجة من الأمانة يصعب على إدارة بوش تحملها. فقد صرح أيضا أن الهدف الحقيقي للحملة الأمريكية ضد العراق هو النفط العراقي، وهو ما أحرج الإدارة الأمريكية التي تدّعي أنها تهدف لنزع أسلحة العراق وإسقاط النظام العراقي لبناء نظام ديمقراطي، وهو ما تنفيه أوساط أمريكية عديدة.

فالرئيس الأمريكي يجمع حاليا بين يديه سلطات غير عادية على غرار حكام العالم الثالث، لدرجة أن زعيم الديموقراطيين في الكونغرس الأمريكي، اعتبر أنه يجمع سلطات ديكتاتور. كما أن سلوك الإدارة الأمريكية في مواجهة الدول المختلفة معها لا يمت بصلة للديموقراطية واحترام حقوق وحريات الآخر، بل هو نموذج للعدوانية وروح التطرف.

وفي ردها على تصريحات ليندساي، قال وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، إن تكلفة الحرب قد لا تتجاوز 50 مليار دولار، في محاولة منه التأكيد على أن عبء الحرب على الاقتصاد والتوازنات الأمريكية سيكون محدودا، مما يساعد في كسب تأييد الرأي العام.

تكهنات وترتيبات

لكن التكهنات شيء، وطلب الاعتمادات لتغطية التكاليف الحقيقية للحرب شيء آخر. فمع وصول الحشود العسكرية الأمريكية إلى المدى الذي يسمح لإدارة بوش بشن الحرب على العراق، أبلغت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، البيت الأبيض بأن تكلفة ضرب العراق وإلحاق الهزيمة به واحتلاله لمدة ستة أشهر ستناهز 85 مليار دولار.

وهنالك أنباء تشير إلى أن إدارة بوش الإبن طلبت من الكونغرس تخصيص 95 مليار دولار لمواجهة تكاليف الحرب. وهذه التكاليف يمكن أن ترتفع لأكثر من ذلك بكثير لأن الاحتلال الأمريكي للعراق يحتاج، حسب رئيس أركان القوات البرية الأمريكية، إلى 200 ألف جندي بشكل دائم طوال فترة هذا الاحتلال. كذلك، سيتعين على الولايات المتحدة تحمل تكاليف تقديم منح ومساعدات للدول التي ستساعدها أو تقدم لها تسهيلات في الحرب ضد العراق.

وقد بلغت قيمة الصفقة التي تعرضها واشنطن على تركيا وحدها، نحو 30 مليار دولار، منها 6 مليارات دولار منح حكومية أمريكية، ونحو 24 مليار دولار ضمانات حكومية أمريكية لقروض تحصل عليها أنقرة من المؤسسات المالية الأمريكية.

وهكذا، فإن تكلفة الحرب الأمريكية على العراق واحتلاله، ترتفع لتقع ضمن النطاق الذي حدده لورنس ليندساي، كبير المستشارين السابق للبيت الأبيض، بما يتراوح بين 100 و200 مليار دولار.

لكن إذا نظرنا إلى الجانب العراقي، فإن التكلفة ستكون مروعة وربما تتجاوز أضعاف التكلفة الأمريكية، لأن الحرب ستدمر البنية الأساسية للعراق في كافة المجالات، وستدمر الأصول الصناعية والخدمية، فضلا عما ستلحقه من أذى بقطاع الزراعة وبالأصول العقارية وبالبنية العلمية وبالبشر عموما في العراق.

من سيمول الحرب؟

غير أن الموضوع هنا هو تكلفة الحرب على الولايات المتحدة. فإذا كانت واشنطن قد حملت حلفاءها وبالأساس السعودية (60 مليار دولار) والكويت (25 مليار دولار) والإمارات (12 مليار دولار) وألمانيا (12 مليار دولار) واليابان (12 مليار دولار)، بتكاليف حرب تحرير الكويت عام 1991، بل وحققت فائضا في موازنة الحرب وخرجت رابحة ماليا على حساب حلفائها من تلك الحرب، فإن الأمر يختلف هذه المرة، لأن الحرب المزمعة ضد العراق هي حرب الإدارة الأمريكية التي لا يوجد لها مبررات مقنعة لغالبية الأطراف الدولية، وبالتحديد للدول التي شاركت في تمويل حرب عام 1991.

وتشير تجربة الإدارة الأمريكية في تمويل مواجهة آثار أحداث 11 سبتمبر إلى أنها استغلت الوضع العالمي للدولار كعملة احتياط دولية مهيمنة في إصدار أوراق نقدية أمريكية (81.25 مليار دولار) بدون أي مبرر اقتصادي، وحصلت مقابلها على سلع وخدمات من مختلف بلدان العالم، بحيث حملت العالم جزءا مُهمّا من تكاليف مواجهة آثار ذلك الحدث.

ومن المرجح أن تفعل الولايات المتحدة الشيء نفسه في تمويل حربها الاستعمارية ضد العراق، وهو أمر قد يجعل من الضروري على مختلف بلدان العالم إعادة النظر في هيمنة الدولار على سلة احتياطاتها الدولية في ظل سوء التوظيف الأمريكي لهذا الوضع.

وهناك العديد من العملات التي يمكن أن تشارك الدولار بصورة أكثر فعالية في سلة الاحتياطات الدولية، مثل الأورو والين والإسترليني والفرنك السويسري والعملات المحلية التي يمكن أن تستخدم لتمويل التجارة والتبادل الاقتصادي عموما في كل إقليم.

والحقيقة أن الإجراء النقدي الأمريكي الخاص بإصدار كميات كبيرة من النقد بدون مبرر اقتصادي من أجل تمويل الحرب، لن يكون وحده، بل إنه ليس العامل الأساسي في تعويض تكاليف الحرب المحتملة ضد العراق، حيث أن حسابات تعويض التكاليف الكبيرة التي ستتحملها الولايات المتحدة، لا تبتعد كثيرا عن العراق ذاته، بل هي مرتبطة بالعائد الاقتصادي الأمريكي من احتلال هذا البلد النفطي العملاق الذي تبلغ احتياطاته النفطية المؤكدة، حسب ما يعلنه العراقيون، نحو 112 مليار برميل، ويحتل المرتبة الثانية عالميا بعد السعودية، ويحتوي مرتين ونصف قدر احتياطات منطقة بحر قزوين.

كما تشير بعض التقديرات الأمريكية إلى أن الاحتياطي النفطي العراقي يتجاوز كثيرا الأرقام التي يعلنها العراق، حيث كان وزير الطاقة الأمريكي الأسبق جون هارنغتن قد أعلن في عام 1987 أن العراق يعوم في الحقيقة على بحيرة من النفط وأن احتياطاته، ربما تتجاوز الاحتياطي السعودي الضخم.

ومن المؤكد أن الولايات المتحدة سوف تحاول، إذا نجحت في احتلال العراق، أن تنفذ مخططها بتوظيف احتياطي العراق من النفط من أجل إحداث انهيار في أسعار النفط واستعادة عصر النفط الرخيص كصورة للنهب الاستعماري للثروة الطبيعية العربية الرئيسية، بما سيعوض الإدارة الأمريكية والمجتمع الأمريكي عن أي تكاليف للحرب ضد العراق كما تأمل الإدارة الأمريكية.

وكان العديد من المسؤولين الأمريكيين أعربوا عن أن سعر برميل النفط الذي تراه الولايات المتحدة مناسبا يتراوح بين 15 و20 دولارا. وتجدر الإشارة إلى أن انخفاض سعر النفط بمقدار دولار واحد للبرميل يؤدي إلى تخفيض المدفوعات عن الواردات النفطية الأمريكية بمقدار 4 مليارات دولار في العام.

كما أن انخفاض سعر برميل النفط من مستواه الراهن الذي يتجاوز حاليا 30 دولارا للبرميل إلى أقل من 15 دولار، سيعني توفيرا أمريكيا يناهز 60 مليار دولار في العام، وهو ربح موزع بين الشركات الكبرى والإدارة الأمريكية والجيش الأمريكي والمواطنين الأمريكيين أنفسهم.

احتياطي النفط العراقي لتغطية تكاليف الحرب...

ووفقا لسيناريو النجاح الكامل للحرب الأمريكية على العراق، فإن الولايات المتحدة يمكن أن تعوض تكاليف الحرب خلال حوالي عامين من تراجع أسعار النفط إلى المستوى الذي تريده الولايات المتحدة. كما يمكنها استغلال انخفاض الأسعار لتخزين كميات هائلة من النفط تتجاوز الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي الذي يبلغ نحو 600 مليون برميل.

وتجدر الإشارة إلى أن حجم الاحتياطات النفطية الأمريكية يناهز 21 مليار برميل، في حين يبلغ حجم الإنتاج نحو 6 ملايين برميل يوميا، وهو معدل للإنتاج يجعل الاحتياطات الأمريكية تنفذ تماما خلال ما يقل عن عشر سنوات. ويبلغ حجم الواردات النفطية الصافية للولايات المتحدة (وارداتها من النفط مخصوما منها صادراتها من منتجاته)، نحو 10.8 ملايين برميل يوميا في متوسط عام 2001.

وكانت قيمة الواردات النفطية الأمريكية قد ارتفعت من 50.3 مليار دولار في عام 1998 في ظل سعر بلغ 12.3 دولار للبرميل في المتوسط، إلى 67.2 مليار دولار في عام 1999 في ظل سعر بلغ 17.5 دولار للبرميل في المتوسط، ثم ارتفعت تلك المدفوعات إلى 119.3 مليار دولار عام 2000 عندما ارتفع سعر برميل النفط في المتوسط إلى 27.6 دولار، أي أن الزيادة في قيمة الواردات الأمريكية من النفط في مجموع عامي 1999 و2000، بلغت 85.9 مليار دولار عما كان يمكن أن تدفعه لو استمرت أسعار النفط ومدفوعات الولايات المتحدة عن وارداتها منه عند مستوياتها عام 1998.

لكن من الضروري الإشارة إلى أن سيناريو النجاح الكامل والمستمر للمخطط الأمريكي إزاء العراق قد لا يتحقق في الواقع، وقد تحدث اضطرابات كبيرة في العراق حتى بعد إسقاط النظام الحالي، بما يؤدي إلى اضطراب إنتاج وتصدير النفط، ويؤدي بالتالي إلى تعطيل التوظيف الأمريكي لاحتياطات العراق النفطية من أجل تخفيض أسعار النفط التي يمكن أن ترتفع على العكس من الرغبة الأمريكية، وبالتالي، تفقد واشنطن السيطرة على الآلية الرئيسية لتعويض التكلفة التي ستتحملها من جراء غزو العراق واحتلاله.

أحمد السيد النجار - القاهرة


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×