تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

من قلب جنيف أيّ مصير ينتظر أطفال "الدولة الإسلامية"؟

A child rides in a makeshift cart at Al-Hol camp in Syria on March 31, 2019

طفل في عربة بدائية الصنع في مخيم الهول في سوريا (31 مارس 2019).

(Copyright 2019 The Associated Press. All Rights Reserved.)

صور الأطفال الذين يخضعون لأي شكل من أشكال المعاناة، تستحضر دوماً تعاطفنا وسخطنا ورغبتنا في فعل شيء لإنقاذ هؤلاء المساكين الصغار المُقحمين في وضع لم تكن لهم يد فيه، لا سيما وأنهم في أغلب الأحيان بالكاد يدركونه.

في ثمانينيات القرن الماضي، تسببت صور الأطفال المتضورين جوعاً في إثيوبيا، في إثارة الرعب العام لدرجة أنها أدت إلى تحرّك عالمي عُرف يومها باسم "لايف إيد".  

وفي تسعينيات القرن الماضي أيضا، شهدنا موجة عارمة من الغضب على إثر ذعر وألم الأطفال الصغار الذين أصيبوا جراء القصف ونيران القناصة في سراييفو. أزمات في دارفور، حلب، اليمن: وحتى عندما نشعر بالضجر من هذه الأزمات التي لا نهاية لها، والتي يُلحقها العالم بنفسه، فإن رغبتنا الغريزية في إعطاء الأطفال فرصة في الحياة لحمايتهم، تبدو غير متناهية.

فهل هي فعلاً كذلك؟

"يعيش الآلاف من الأطفال دون سن الخامسة هنا، وعلى وجوهم آثار جروح وحروق نتيجة الحرب، ولكنهم من دون أية رعاية صحية ... رأيت خمسة أطفال يحيطون بأمهم وهي تموت ببطء". هذه الكلمات هي جزء من رواية فابريزيو كاربوني، شاهد عيان ومدير عمليات اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الشرق الأوسط. الأطفال الذين رآهم، والآلاف من أمثالهم يشكّلون، على ما يبدو، استثناءً لغرائز التعاطف الإنساني.

إنهم أبناء "الدولة الإسلامية". وهم محبوسون لأسابيع في مخيم الهول المكتظ بالسكان في سوريا، مع انعدام المأوى وعدم توفر الصرف الصحي أو الرعاية الطبية.

أطفال لا يأبه لهم أحد

تقول جولييت توما من منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف): "هؤلاء الأطفال غير مرغوب فيهم، وبغض النظر عن جنسيتهم، فهم غير مرغوب فيهم من قِبل الجميع".

يعيش أكثر من 70 ألف شخص في مخيم الهول، الغالبية العظمى منهم من النساء والأطفال. ويوجد 1000 طفل على الأقل من دون رعاية. كان آباؤهم ـ الذين لربما هم اليوم في عداد الأموات ـ موالين لتنظيم "الدولة الإسلامية" حتى النهاية المريرة. ورفضوا الاستسلام  والانسحاب من آخر إقليم صغير من أ{راضي الخلافة. رغم الظروف القاسية التي تعرضوا لها مع أطفالهم.

وتضيف توما  "مر هؤلاء الأطفال بأهوال لا يمكن تصورها. وهم لا يملكون حتى الكلمات لوصف ما مروا به. إنهم بحاجة ماسة إلى الدعم النفسي والاجتماعي المتخصص، ولكن لا أحد يريد التطرق إلى هذا الموضوع، ولا أحد يريد تحمّل المسؤولية".

أبناء جهاديين سويسريين "أعيدُوا أحفادنا من سوريا"

يتواجد حالياً ستة أطفال سويسريين على الأقل في الأسر مع والديهم المنتمين إلى تنظيم "الدولة الإسلامية"، وهم مُحتجزون في سوريا في ظروف صحية تتسم ...

عدم ارتياح في جنيف

وحتى في مدينة جنيف، العاصمة العالمية للمساعدات الإنسانية، هناك قلق وتردد ما في التطرق إلى الوضع في مخيم الهول.

التقى كاربوني بدبلوماسيين في الأمم المتحدة إثر عودته من زيارة المخيم، ووصف لهم الوضع الإنساني المتردي والمأساوي هناك، وناشدهم القيام بواجب "الإنسانية والحياد" إزاء هذا الوضع.

يقول كاربوني: "صحيح أن الناس في هذا المعسكر مرتبطون بجماعة متطرفة، لكنها ستكون هزيمة لنا جميعاً، إذا لم نتمكن من التغلب على الضغوط الهادفة إلى تجريد هؤلاء الناس من إنسانيتهم".

ولكن وحتى الآن، ما زالت عدة دول يتواجد مواطنون منها مع أطفالهم في مخيم الهول، مترددة في القيام بشيء ما. بريطانيا تحركت لنزع الجنسية عن بعض هؤلاء، ولم تتدخل لمساعدة المولود الجديد، لعروسة داعش شيماء بيجوم، مع أن هذا المولود هو مواطن بريطاني قانونياً. بعد ثلاثة أسابيع قصيرة من الحياة، قضاها هذا المولود في مخيم الهول، انتهى به الأمر إلى الموت.

يُعتقد أن هناك ثلاث فتيات سويسريات في الهول، وهن بنات سيدة سويسرية انضمت إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" قبل خمس سنوات. اثنتان من الفتيات وُلدتا في سويسرا، وتفيد التقارير أن إحداهما أصيبت بجروح ولم تتلقّ أي علاج. وقد ناشد والداهما المنفصل منذ زمن بعيد عن الأم، التي تزوّجت للمرة الثالثة في سوريا، السلطات طالبيْن إعادة بنتيهما إلى الوطن. لكن السلطات السويسرية لا تبدو قادرة على اتخاذ قرار بشأن هذه المسألة، مما يبقي هاتين الفتاتين الصغيرتين في حالة انتظار في مخيم الهول.

ذهب الفرنسيون إلى مخيم الهول، وقاموا بترحيل عدد قليل من الأطفال الأيتام إلى فرنسا، ليس أكثر. ويبدو أن الألمان أيضاً قاموا بزيارة هذه المنطقة للتحقق من سلامة مواطنيهم هناك ليس إلا، دون اتخاذ أية إجراءات من أجل نقلهم إلى ألمانيا. ومن اللافت في كل ذلك، أن الروس على ما يبدو، هم من قاموا بترحيل النساء الروسيات وأطفالهن إلى الوطن. وتقول إحدى العاملات في مجال الإغاثة، في معرض الحديث عن ذلك، إنها تعتقد أن الروس اعتبروا أن "إعادة هؤلاء النساء إلى القرى التي ينتمين إليها، لربما تكون بمثابة العقوبة الكافية لهن؛ لأن أهالي هذه القرى سيعرفون ما فعلنه".

صحيح أن الناس في هذا المعسكر مرتبطون بجماعة متطرفة، لكنها ستكون هزيمة لنا جميعاً، إذا لم نتمكن من التغلب على الضغوط الهادفة إلى تجريد هؤلاء الناس من إنسانيتهم

فابريزيو كاربوني، مدير عمليات اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الشرق الأوسط

نهاية الإقتباس

وصمة عار

قد يكون العيش المنبوذ في قرية روسية، أفضل بقليل من صراع البقاء في مخيم الهول. ومع ذلك، تحاول وكالات الإغاثة تذكير الدول بأن الأطفال ليسوا مسؤولين عن خطايا أهاليهم، ولا يجب أن تلحقهم وصمة العار.

يقول فرانشيسكو موتا، الرئيس السابق لقسم حقوق الإنسان في بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق: "لقد رأينا ذلك بعد معركة الموصل". ويتذكر موتا زيارته لمنزل في الموصل، حيث كانت امرأة سنية ترعى أيتاماً، كان العديد منهم من أطفال المقاتلين الأجانب. ويقول: "من الواضح أن هؤلاء الأطفال لم يكونوا عراقيين، وأنهم كانوا صغاراً. الكثير منهم يبلغون من العمر عامين أو ثلاثة أعوام فقط، لكن هذه المرأة كانت تتعرض لممارسات من للتعسف الشديد، لمجرد أنها كانت تقوم برعايتهم".

لا تعاطف مع الإرهاب

يعترف معظم الناس، أنه من الصعب الشعور بالتعاطف مع من اعتنقوا أيديولوجية متطرفة. مواطنو باريس ولندن وبروكسل ومدريد أو نيويورك، يعرفون جيداً هذا الرعب الذي ينتابك نتيجة عنف غير مفهوم وغير مبرر يباغتك في صباح يوم مشمس أو في أمسية هادئة أو في طريقك اليومي إلى العمل ولا تعرف من أين أتى.

في مقاربتها مع مواطنيها الذين انضموا إلى داعش، تُظهر البلدان التي عانت من هذه الهجمات رفضها الحاسم لإعادة استيراد المشكلة، ومواجهة ردود الأفعال العنيفة من الناخبين الذين يُفضل الكثير منهم أن تبقى زوجات داعش وأطفالهن في مخيم الهول إلى الأبد.

ويتساءل بعض خبراء مكافحة الإرهاب عن فعالية هذه الإستراتيجية، مشيرين إلى أن برنامجاً صارماً لمكافحة التطرّف في الداخل، قد يكون ناجعاً في منع انتشار الإرهاب أكثر من مجرد التخلي عن معالجة المشكلة وتركها تتفاقم في مكان ما في سوريا أو العراق.

وهناك أيضاً أسئلة أخرى مطروحة: هل يجب مثلاً، فصل أطفال داعش عن أمهاتهم؟  تعتقد توما أنه "لا يجب فصل الأطفال عن أولياء أمورهم المسؤولين عنهم". أما موتا فيشير من جهته إلى أن هذا الرأي قد لا يكون صائباً دائماً، ويقول: "لا تزال بعض الأمهات ينتمين إلى نواة التطرف الصلبة، وما زلن يعملن على تلقينه لأطفالهن".

إنها مشكلة معقدة للغاية، وذات جوانب سياسية وقضائية واستراتيجية. لا توجد إجابات سهلة عنها. ولكن جوهر مسألة ما يجب القيام به مع الأطفال في مخيم الهول، هو في الأساس سؤال أخلاقي، كما أشار كاربوني.

العاملون في المجال الإنساني لا يملكون حلولاً للقضايا السياسية.  ولن يكون هناك حل غير مؤلم. لكن لا ينبغي لنا أن نرى هؤلاء الناس ككتلة مجهولة أو ككتلة منذرة بالسوء. من المؤكد أن البعض قد يمثل تهديداً أمنياً ولكن الكثير منهم ضحايا، وخاصة الأطفال. فكلنا بشر في النهاية.

"ماذا فعل هؤلاء الأطفال؟ لا شيء. يجب أن يغادروا، لكن إلى أين؟"

هذا سؤال يجب على الدول التي لديها مواطنون في مخيم الهول أن تجيب عليه اليوم، وقبل فوات الأوان.

Portrait of author

بدأت إيموجين فوكس أصيلة اسكتلندا حياتها المهنية مع التلفزيون الأسكتلندي، قبل انتقالها إلى إذاعة سويسرا العالمية، التي سبقت الخدمة الدولية الراهنة لهيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية على شبكة الإنترنت swissinfo.ch. ومنذ عام 2004، عملت كمراسلة لهيئة الإذاعة البريطانية ‘بي بي سي’ في مدينة جنيف وعموم سويسرا.  

قادتها المهام التي كُلِّفت بها من مرافقة بعثة طبية للجنة الدولية للصليب الأحمر في كولومبيا، إلى الترويج لحقوق الإنسان في تونس، وحتى دَعم الأمم المتحدة للاجئين المُسنّين في صربيا. كما تنقلت من قلب نفق غوتهارد الجديد في يوم الافتتاح، صعوداً إلى قمم الأنهار الجليدية البادئة بالذوبان في أنحاء متفرقة من سويسرا.

(swissinfo.ch)

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك