Navigation

Skiplink navigation

من يقتل العراقيين ؟

عراقيون يحاولون إطفاء سيارة اشتعلت فيها النيران إثر التفجير الذي تعرضت له كنيسة في بغداد يوم 1 أغسطس 2004 Keystone

ربما تكون الاجابة على هذا السؤال الذي يتكرر يوميا أشبه شيء بالبحث عن إبرة في كومة من القش..

هذا المحتوى تم نشره يوم 09 أغسطس 2004 - 09:58 يوليو,

فبرغم كل الحوادث الجسيمة التي تعرض لها العراقيون منذ احتلال بلدهم وحتى اليوم لا يمكن الاجابة الدقيقة على هذا التساؤل الذي يشغل العراقيين فضلا عن اشقائهم واصدقائهم، واعدائهم ايضا.

كثيرة هي التهم التي تطلق جزافا كلما دوى انفجار هنا او هناك في ارض الرافدين الفسيحة، حيث تكال التهم يمنة ويسرة دون حساب.

واذا كان المزاج الامريكي ومعه مزاج المسؤولين في حكومة اياد علاوي يميل الى إلصاق التهمة بالمقاتلين العرب القادمين من خارج الحدود وأنصار ابو مصعب الزرقاوي الشبح الذي بات المطلوب الامريكي الأول في العراق وربما في المنطقة ايضا، فإن الحقيقة ما تزال غير واضحة شأنها شأن اشياء اخرى غاب عنها اليقين في العراق الجديد.

ومع اندلاع ألسنة اللهب وأعمدة الدخان يوم الأحد 2 أغسطس من خمس كنائس في بغداد والموصل ، اللتين تضمان اكبر جاليتين مسيحيتين في العراق اتخذت الأمور مسارا اخرا، حيث دخلت البلاد مرحلة جديدة من الصراع، هو الصراع الديني باستهداف أضعف الحلقات في النسيج الاجتماعي العراقي وأكثرها زهدا بما يجري في البلاد منذ خمسة عشر شهرا وهم المسيحيون.

الوعي العراقي

ومن خلال رصد لردود الأفعال التي تلت التفجيرات الإجرامية، اتضح مدى عمق الوعي الذي يتمتع به العراقيون حيال أمر خطير كهذا، ذلك ان استهداف الأبرياء في كنائس العراق كشف ان العراقيون كلهم مستهدفون، إذ لا فرق بين سني وشيعي ومسلم ومسيحي، تماما كما ان الهجمة الارهابية التي يتعرض لها العراق لا تميز بين عربي واخر كردي وثالث تركماني. فقد أظهرت هذه المحنة الخطيرة ان مكونات الشعب العراقي تدرك - في مجملها - طبيعة المخطط الذي يستهدفهم جميعا ويرمي الى تدميرهم دون استثناء.

وتأسيسا على هذه الحقيقة لم يكن مستغربا حجم وعمق التعاطف الذي أبداه العراقيون من كل الطوائف والقوميات والأديان مع اخوانهم المسيحيين وهم يرون الدم المسيحي يمتزج بالدم المسلم، والدم الكلدواشوري يسيل مع الدم العربي والكردي والتركماني الذي سال في بلاد الرافدين ليكون نهرا ثالثا يكشف عمق المأساة العراقية الجديدة .

وهنا يمكن الاشارة الى مواقف "هيئة علماء المسلمين في العراق" التي تعد المرجعية الدينية لأهل السنة في العراق ومواقف الحزب الاسلامي العراقي ومواقف المرجعية الشيعية، وبيانات الاستنكار والشجب والتنديد وبيانات المؤازرة والاسناد التي أبدتها الفصائل العراقية كافة.

كما تنبغي الاشارة الى الموقف الواعي الذي التزم به رجال الدين المسيحيون والفعاليات السياسية المعبرة عن المسيحيين العراقيين الذين تعاملوا بمنتهى التسامي والترفع عن الانجرار الى الفتن الطائفية البغيضة.

الضالعون كثيرون

وقد كشفت تفجيرات الكنائس في الأحد الدامي ان الضالعين في جرائم الارهاب والتخريب في العراق كثيرون، وان الأمر ليس مجرد اصوليين متشددين او اتباع الرئيس العراقي السابق كما يتهم البعض، فقد اتضح أن الأمر أكبر من كل هذه التهم، وبدا واضحا للمراقبين أن الجهات التي تمارس أعمال المقاومة المسلحة المشروعة ضد الاحتلال والقوى المرتبطة به، هي غير تلك التي تمارس اعمال القتل بدم بارد والتفجيرات الانتحارية والسيارات المفخخة المنتشرة في انحاء البلاد والتي تنتظر الاشارة لتنشر الدمار في كل مكان.

فليس سرا ان لهؤلاء المرتبطين بعصابات الجريمة المنظمة وبعض دول الجوار وربما بالامريكيين انفسهم مشاريع يقصدون بها استمرار نزيف الدم العراقي وإبقاء حالة الفوضى وعدم الاستقرار في ارجاء البلاد.

وفيما تتهم الفصائل السياسية الشيعية مقاتلين من السنة العرب ومن بعض الجماعات المتشددة فيما يعرف بالمثلث السني بتدبير اعمال تخريبية وارهابية، يتهم البعض القوات الامريكية بالوقوف وراء هذه الجرائم بقصد استمرار تأزيم الاوضاع وادامة الفوضى الضاربة في البلاد لتأمين احتلال امريكي اطول للعراق واغراض اخرى من بينها إشعال حرائق وفتن طائفية في العراق والمنطقة كلها ايضا.

وهناك بالطبع من يتهم جهات اردنية واخرى سورية بدعم مجاميع ارهابية، الا ان كل ذلك يبقى في مجال التقولات وسوق التهم بعيدا عن الحقائق والادلة. وإلى حد الساعة، ما يزال المسؤولون الحكوميون الامريكيون والعراقيون عاجزين عن عرض صورة لمواطن عربي واحد من بين العشرات الذين يدعون القاء القبض عليهم من حين لآخر.

الدور الايراني

في سابقة لافتة للنظر بدت تصريحات وزير الدفاع العراقي حازم الشعلان وكأنها عزف منفرد وجريء، فمع ان مسؤولين عراقيين كثر قالوا مرارا فيما سبق ان الدول المجاورة للعراق هي المصدر الرئيسي للارهاب الوافد الى العراق الا ان الشعلان كان صارخا جدا حينا قال ان ايران تبقى هي "العدو الأول للعراق" وانها المصدر الرئيس للارهاب القادم الى البلاد.

وتزامن هذا التصريح مع اعلانات امريكية وعراقية عن إلقاء القبض على شحنات متفجرة وكميات من المخدرات وعصابات منظمة وكميات من الاموال قادمة من ايران، ومع استمرار تأزيم الاوضاع في المدن الحدودية والمدن التي تضم الأضرحة الشيعية.

وبرغم قوة هذا التصريح والمفاجأة الناجمة عنه الا ان الحقيقة تكشف إن الاتهامات الموجهة لايران تكتسب مزيدا من المصداقية حينما يشار الى حجم التدخلات الايرانية في العراق وضلوع المؤسسات الايرانية المختلفة في اعمال ذات مناحٍ شتى في العراق.

وليس سرا ان ثمة جهات عراقية متعددة - وبعضها شيعي - تتهم أطرافا في المؤسسة الدينية الايرانية وأخرى داخل المؤسسة الاستخباراتية و"فيلق القدس" التابع للحرس الثوري و"مجمع تشخيص مصلحة النظام" بل ومؤسسة الرئاسة الإيرانية نفسها بالضلوع بشكل أو بآخر في دعم جهات متطرفة سياسية واخرى دينية أو في تهريب مخدرات وممارسة الدعارة والاغتيالات سواء منها ذات الطابع السياسي او العلمي او تلك التي تجري على نحو عشوائي لمجرد اثارة القلاقل في العراق.

وفي جلسة ضمَّت مسؤولا عربيا رفيعا، ذُكِرَ ان ما يجري الآن في العراق يكشف مدى الغباء الامريكي الذي فتح ابواب العراق ليكون مرتعا لايران التي لا يَخفي ان لها برنامجا واضحا ومحددا ازاء العراق ليس أقله دعم الطائفة الشيعية ومحاولة انشاء دولة دينية على غرار ما هو موجود لديها، فضلا عن الهدف المرحلي المتمثل بتوريط الامريكان في مستنقع العراق لتبقى ايران بمأمن عن العاصفة الامريكية التي قد تتوجه إليها لاقتلاع ما تصفه واشنطن بالهياكل المتشددة في ايران.

إلى أين تسير الأمور ؟

ما يزال امام الجهود العراقية لبسط الامن أشواطا طويلة لتتمكن من فرض سلطة القانون بحق ، فأحد أهم جوانب المأساة العراقية اليوم هو ان اجهزة الامن متهمة باعتبارها دريئة لقوات الاحتلال ومخلبا في يدها تنفذ به ما تشاء من اعمال ومهام ينظر اليها كثيرون في العراق بعين الشك والريبة.

وفي انتظار أن تنجح القوات العراقية الناشئة في إقامة علاقة قوامها الثقة مع العراقيين، (وهي علاقة ما تزال بعيدة تماما في ظل الاصرار الحكومي على الاسهام الفاعل في مداهمة بيوت العراقيين وقصف مدنهم وهدم مساكنهم واعتقال ابنائهم)، لا مفر من أن تعمل الحكومة المؤقتة وأجهزتها الأمنية على إشعار العراقيين جميعا دون استثناء انها تعمل لمصلحتهم ولإشاعة الأمن الحقيقي بينهم وأن مهمتها لا تقتصر على مجرد تأمين وضع قوات الاحتلال ومنع رجال المقاومة من التصدي لها.

أخيرا، ليس ثمة مبرر يدعو الى التفاؤل بقرب انتهاء موجة العنف والارهاب التي تجتاح مدنا وبلدات عديدة في العراق، فضلا عن تصاعد اعمال الخطف التي يتعرض لها الرعايا العرب والاجانب ممن يتهمون بإسناد القوات الامريكية، إذ ان المؤشرات كلها تنبئ عن حقيقة ان هذه الموجة ستأخذ دورتها الكاملة وهو ما لاتنفع معه محاولات البعض البحث عن "أسلمة" الاحتلال، باعتبار ذلك مشروعا مرفوضا على الصعيد العراقي لن يمنح امانا بقدر ما يفضي الى مزيد من العنف واراقة الدماء وإزهاق المزيد من الأرواح البريئة.

مصطفى كامل - بغداد

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة