Navigation

اختبار عسير لحرية الرأي على مستوى العالم

من "سيدي بوزيد" إلى "الكونغرس الأمريكي": هل يجب الحدّ من نفوذ وسائل التواصل الاجتماعي؟

ماريتشى ساكى هي رئيسة معهد السلام على شبكة الإنترنت في مدينة جنيف السويسرية ومديرة السياسة الدولية في مركز السياسة الإلكترونية بجامعة ستانفورد في الولايات المتحدة الأمريكية. عملت ساكى في الكونغرس الأمريكي وشغلت منصب عضو البرلمان الأوروبي لهولندا بين عامي 2009 و 2019. Schaake
سلسلة

من انتفاضات العالم العربي إلى الحركة الاحتجاجية في إيران، ومن حركة "احتلوا وول ستريت" وحتى المظاهرات المطالبة بالديمقراطية في هونغ كونغ وحركة "حياة السود مهمة" وقائمة الأحداث المطالبة بالتغيير المجتمعي والسياسي تطول. في كل هذه اللحظات التاريخية لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً جوهريا في حرية نقل المعلومات وإتاحة منبر حر للتعبير عن الرأي بعيداً عن وسائل الإعلام العمومية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 25 يناير 2021 - 07:15 يوليو,

لكن هذه الساحات الالكترونية تملك أيضاً جوانب مظلمة، حيث تغيب فيها القوانين والتشريعات وتستخدم لنشر الأكاذيب والشائعات ونظريات المؤامرة ونشر خطاب الكراهية والتحريض على العنف، ما يفضي إلى خلق احتقان و حالة استقطاب بين أفراد المجتمع. مواقع التواصل الاجتماعي تحولت إلى سلطة أقوى من الحكومات والدول وهي ليست قادرة فقط على "تعبئة وتحريك المستهلكين بل الجماهير الانتخابية"، كما حدث في الانتخابات الأمريكية عام 2016 واقتحام الكونغرس الأمريكي هذا العام. 

SWI swissinfo تحدثت إلى ماريتشى ساكي ، رئيسة معهد السلام الإلكتروني في جنيفرابط خارجي ومديرة السياسة الدولية في مركز السياسة الإلكترونية بجامعة ستانفوردرابط خارجي الأمريكية، حول التحديات الاجتماعية والسياسية غير المسبوقة في عصرنا الرقمي ومستقبل توازن القوى بين الدول وشركات التكنولوجيا.

SWI swissinfo.ch: تُطالبين منذ سنوات بفرض المزيد من القوانين على منصات وسائل التواصل الاجتماعي. ما هي القوانين الأكثر إلحاحًا والتي يتعين تنفيذها؟

ماريتشى ساكى: هناك قضية أساسية تحتاج إلى حل ألا وهي الشفافية والوصول إلى المعلومات. بالنسبة للباحثين والجهات المنظمة والصحفيات، من الصعب جدًا معرفة كيف تصنف الخوارزميات المُصممة بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي المعلومات وتحددها بالضبط وكيف يتم جمع البيانات ومن تستهدف.

نحن بحاجة إلى مزيد من البحث العلمي المستقل لفهم التبعات المقصودة وغير المقصودة لهذه الخوارزميات. بدون الوصول إلى هذه المعلومات، من الصعب جدًا معرفة ما إذا كان هناك انتهاك لحقوق الأشخاص وإذا ما كانت الشركات تحترم حتى شروط الاستخدام والقيود أو المعايير والحظر التي وضعتها بنفسها.

SWI swissinfo.ch: هل يمكننا تخيل لوائح مماثلة للنظم المصرفية فيما يتعلق بالشفافية والمساءلة؟

ماريتشى ساكى: نعم، أعتقد أن هذا هو الاتجاه الصحيح. فمن جهة، هناك الالتزامات والمعايير الواضحة من جانب الشركات ومن جهة أخرى ، يجب فرض العقوبات لمواجهة الانتهاكات. نحتاج أيضًا إلى الإشراف من الهيئات المنظمة، التي لديها المعرفة والتفويضات والقدرة على التنفيذ والتحقيق حقًا. لقد ذكرت البنوك ، ولكن يمكننا أيضًا التفكير في لوائح مماثلة لتلك الموجودة في قطاع الأدوية  أو صناعة الكيمياويات أو صناعة السيارات.

"هناك أيضًا التحدي الكبير الكامن في "الحرية ما بعد التعبير"، وهذا يعني العواقب المترتبة على التعبير عن الرأي في الدول القمعية"

End of insertion

SWI swissinfo.ch: فيسبوك بدأ بالفعل في تشكيل لجان رقابة. ولكن كيف يمكن التحكم في خطاب الكراهية على منصة تضم أكثر من ملياري مستخدم/ة، ناهيك عن المنصات الأخرى التي لا تخضع لأي سيطرة ؟ كيف يمكن الرد بالسرعة الكافية لمنع وقوع عنف في الأماكن العامة؟

ماريتشى ساكى: هناك عدة عوامل يجب أخذها بعين الاعتبار: في معظم الدول الأوروبية، هناك قيود لحرية التعبير، وإن كانت قليلة لحسن الحظ. هناك حدود لحرية التعبير عندما يتعلق الأمر بالتحريض على الكراهية أو العنف أو إنكار المحرقة اليهودية. هذه الحدود قد تساهم في توضيح ما هو قانوني وما هو غير قانوني. لكن معضلة حرية التعبير تصبح أكثر تعقيداً، عندما يكون لسلوك البعض تأثير ضار، دون أن يخرقوا القانون ، كأولئك الذين يؤمنون بنظريات المؤامرة وتداعيات هذه الآراء على الصحة العامة عندما يتعلق الأمر بمكافحة كوفيد ـ 19. في هذه الحالة، من المهم أن يكون هناك إشراف وفهم لعواقب انتشار هذه الادعاءات وتأثيرها على المجتمع ككل. ما يزال يتعين علينا وضع قواعد والإشراف عليها وتنفيذها. نادرًا ما نسمع عن أشخاص تم محاكمتهم في هذا السياق. أصبحت عواقب وسائل التواصل الاجتماعي غير المنظمة واضحة بشكل لا لبس فيه بعد الهجوم على مبنى الكونغرس الأمريكي في 6 يناير. هذه الواقعة هي جرس إنذار ورسالة تحذيرية من  أن الخطاب على شبكة الإنترنت لا يبقى في العالم الافتراضي ، بل له تأثير على العالم الحقيقي. 

SWI swissinfo.ch: تعليق حسابات وسائل التواصل الاجتماعي لرئيس في السلطة كانت حادثة غير مسبوقة. بالنسبة للبعض فإن هذه الخطوة جاءت بعد فوات الأوان، فيما اعتبرها البعض الآخر انتهاكًا لحرية في التعبير. ماذا يعني هذا الإجراء بالنسبة لموازين القوى بين الدول والشركات الخاصة في المستقبل؟

ماريتشى ساكى: اللافت في هذا الجدل هو أن أغلب النقاش يدور الآن حول ما إذا كانت هذه القرارات جيدة أم سيئة. لكن في كلتا الحالتين – سواء تركت شركات التكنولوجيا الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي أو أغلقتها - فهذا يوضح مدى القوة التي تتمتع بها هذه الشركات، التي تعاظم نفوذها، ولا سيما اللاعبين العمالقة الذين يديرون منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث. هذه المنصات ليست قادرة فقط على تحريك جماهير المستهلكين، ولكن أيضًا تحريك جماهير الناخبين. وهذا النفوذ الواسع أصبح أكثر وضوحًا ويجب الحد منه.

SWI swissinfo.ch: لكن هذه المنصات لعبت أيضًا دورًا مهما خلال الربيع العربي ، على سبيل المثال،  ألا يتعين علينا أن نقبل بأنها سلاح ذو حدين وأن نؤمن بقوة القيم الديمقراطية الحرة أو ببساطة بالعقل البشري؟

ماريتشى ساكى: ما نميل إلى نسيانه في هذا النقاش هو أننا لا نتحدث فقط عن مجرد التعبير والنقاش على مواقع التواصل الاجتماعي. نحن نتحدث عن التضخم وقدرة أطراف معينة على الدفع مقابل المزيد من الحضور والانتشار والقدرة على التحايل. عندما ننظر فقط إلى مسألة حرية التعبير دون كيفية مشاركة جهات فاعلة معينة، فإننا نخطئ الهدف. على سبيل المثال: هناك فرق بين أن تكتب صحفية عن نظرية المؤامرة أو أن يحاول شخص ما جذب الجمهور بنشر نظريات المؤامرة. هناك أيضًا  الروبوتات (ما يسمى بالجيوش الالكترونية) ، أي أشخاص يتظاهرون بتمثيل أصوات مختلفة بينما هم في الواقع يديرون حسابات وهمية  أو أطراف تعمل لحساب جهاز استخبارات أجنبي يحاول دفع رسالة معينة بطريقة غير شفافة إلى ساحة النقاش في بلد آخر.

الحق في حرية التعبير مقدسة ولكن هناك أيضًا الحق في عدم التعرض للتمييز أو العنف. وإذا كانت حرية التعبير تتعارض، مع تلك الحقوق الأخرى أو التزامات الدولة كما نشهد الآن، فيجب أن نتصدى لهذا التحدي ويجب أن يدور النقاش حول هذه الإشكالية على أساس ديمقراطي وليس على أساس المصالح التجارية.

"شركات التكنولوجيا ليست قادرة فقط على تحريك جماهير المستهلكين، ولكن أيضًا تحريك جماهير الناخبين. وهذا النفوذ أصبح أكثر وضوحًا ويتعين الآن الحد منه"

End of insertion

SWI swissinfo.ch: اقتحام الكونغرس أصبح  تجسيدًا لهذا الوضع غير المسبوق من الصدام بين الآراء على أساس حرية التعبير وهناك أكثر من 70 مليون شخص صوتوا لصالح دونالد ترامب وبعضهم يؤمن بـما يسمى "الحقائق البديلة". فكيف يمكن إعادة الثقة في الحكومة والإعلام العمومي؟

ماريتشى ساكى: نحن أمام المعضلة السببية البيضة أم الدجاجة أولاً : عندما يدعي رئيس للولايات المتحدة كذباً بأن العملية الانتخابية كانت مزورة، فلا ينبغي أن نتفاجأ بوجود من يصدقه. أعتقد أن التأثير الأكثر ضررًا لما شهدناه خلال السنوات الأربع الماضية هو الهجمات الداخلية على الديمقراطية.

لقد ذكرت الربيع العربي، حيث انخرط الشباب في مظاهرات سلمية من أجل الديمقراطية. ونحن نشهد الآن هجمات على الديمقراطية من قبل أناس تمتعوا بالفعل بكل الحريات التي تضمنها الأنظمة الديمقراطية وهذا تحدٍ كبير. هناك أيضاً عامل آخر وهو أنه يتم نشر العديد من المؤامرات والادعاءات دون أي تحقق ودون رادع منذ فترة طويلة. آمل أن يكون بعض الأمريكيين قد أدركوا الآن تبعات خطاب الكراهية ونشر  الأكاذيب والتحريض على العنف على أرض الواقع.

يجب اتخاذ عدة خطوات من أجل إعادة الثقة: أولاً إنفاذ القانون وكذلك الاستثمار في وسائل الإعلام والصحافة من أجل ضمان الرقابة المناسبة. نحتاج أيضًا إلى تقارير أوسع حول ما تفعله السلطات المحلية بالإضافة إلى تدابير مكافحة الاحتكار للسماح بمزيد من المنافسة والمزيد من الخيارات للمستهلكين في سوق المواقع الالكترونية. وأخيرًا ، يجب أن تساعد الشفافية التي تحدثت عنها سابقًا مستخدمي الإنترنت على فهم أفضل للمناورات والحيل التجارية التي يتعرضون لها.

SWI swissinfo.ch: هل تعتقدين أن الدول الأوروبية - بما في ذلك سويسرا - يمكن أن تتعرض لخطر مماثل؟ حيث نشهد الآن صعود وانتشار حركات اجتماعية ضد إجراءات احتواء فيروس كورونا والتطعيم والتغير المناخي، التي تغذيها نظريات المؤامرة؟

ماريتشى ساكى: إنها ليست مخاطرة، إنها حقيقة. أصبح الناس في كل المجتمعات يقضون وقتًا أطول على الإنترنت ولا سيما في هذه اللحظة بسبب الوباء. حتى في سويسرا، يمكنك ملاحظة توسع نفوذ اليمين المتطرف. يجب أن نكون يقظين  وسيكون من السذاجة أن ننظر فقط إلى الجانب الآخر من المحيط ونعتقد أن هذه مشكلة تقتصر على الولايات المتحدة الأمريكية فقط.

النقاش في حد ذاته ليس مشكلة. ولكن عندما يتحول النقاش إلى حالة استقطاب عميق ووسيلة لنشر الكراهية وتجريد الأشخاص ذوي الآراء الأخرى من إنسانيتهم، فهناك خطر متزايد من حدوث تصعيد في المجتمع.

SWI swissinfo.ch: خطر إساءة استخدام هذه المنصات من قبل الحكومات هو أيضا قضية مثيرة للقلق. أصبحت هذه المنصات ساحة لما يسمى بـ"مطاردة ساحرات" من قبل الدول على وسائل التواصل الاجتماعي لتحديد واعتقال مواطنين، كما حدث في البحرين خلال الربيع العربي وفي الولايات المتحدة بعد اقتحام الكونغرس الأمريكي. فكيف يمكن للشركات والديمقراطيات أن تحل هذه المعضلة؟

 ماريتشى ساكى: لا يُخفي على أحد أن حكومات الدول تستخدم هذه المنصات لأغراض دعائية، كالطبقة الحاكمة في إيران على سبيل المثال. ولكن هناك أيضًا التحدي الكبير المتمثل في الحرية بعد التعبير كما هو الحال في الدول ذات الأنظمة القمعية. القدرة على التعبير عن النفس أمر جيد ، لكن المشكلة هي العواقب التي يواجهها المعارضين والمعارضات بسبب التعبير عن الرأي. كما حدث مع النشطاء المطالبين بالديمقراطية في هونغ كونغ أو المتظاهرات السلميات في دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط.  منصات التواصل الاجتماعي أتاحت لهؤلاء التعبير عن رأيهم بحرية دون التفكير على الإطلاق في المخاطر الهائلة التي قد يواجهوها عند مشاركة آرائهم أو تنظيم مظاهرة أو تجمع. بعبارة أخرى ، فإن السياق الذي تُستخدم فيه هذه المنصات مهم للغاية.

وفي المجتمعات التي تغيب فيها سيادة القانون تماماً والتي يُترك فيها الناس تحت رحمة السلطات القمعية يصبح دور وسائل التواصل الاجتماعي إشكالياً، فهي لا تتحمل هذه التبعات وهذا الجانب يجب التعاطي معه أيضاً.

SWI swissinfo.ch: محاولة تقنين وسائل التواصل الاجتماعي والنقاشات الدائرة في هذه المنصات، تثير مخاوف من الحد من حرية التعبير وفرض التجانس الفكري،  فكيف يمكن ضمان القيم الديمقراطية وعدم الانزلاق إلى النموذج الصيني؟

ماريتشى ساكى: للأسف ، لدينا بالفعل بعض الأنظمة الاستبدادية في أوروبا. بولنداوالمجر  تسيران في هذا الاتجاه. يجب ألا نتصور أبدًا بأنه يمكننا أن نهنأ ونتكئ إلى ما حققناه من مكتسبات على مستوى الحريات و نظام الحكم الديمقراطي. لا بد من العمل الدؤوب للحفاظ على هذه القيم.

SWI swissinfo.ch: هل هناك تعاون دولي لتنظيم قطاع التكنولوجيا ؟

ماريتشى ساكى: يعمل الاتحاد الأوروبي بالفعل على عدد من القوانين التنظيمية للخدمات الرقمية ، مثل قانون الأسواق الرقميةرابط خارجي وقانون الخدمات الرقميةرابط خارجي وخطة عمل الديمقراطيةرابط خارجي. وتوجد بالفعل لوائح لحماية البيانات، تهدف إلى الحد من  فرص جمع البيانات واستخدامها في الدعاية السياسية من قبل شركات وسائل التواصل الاجتماعي.

لدي أيضاً علم بأن إدارة جو بايدن سيكون لديها الكثير من المهام بعد الهجوم على الكونغرس الأمريكي. الرئيس الأمريكي أعلن بالفعل أنه يريد تنظيم قمة الديمقراطيةرابط خارجي وأن القضايا المتعلقة بالتكنولوجيا تتصدر جدول الأعمال. أعتقد أن الوقت قد حان لتعاون أفضل بين الدول الديمقراطية وأن يتم وضع معايير مشتركة. 

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.