تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

موازيـــن أبـو مــازن!

محمود عباس يتسلّم في رام الله خارطة الطريق من ممثلي اللجنة الرباعية

(Keystone)

تلقّى رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس خطّـة "ورقة الطريق"، التي تنصّ على قيام دولة فلسطينية، وذلك وسط أجواء مشحونة بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

وتُعوّل الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي على السيد أبو مازن للعودة إلى المفاوضات ووقف أعمال العنف

يتربّـع محمود عباس أبو مازن، أول رئيس وزراء فلسطيني، على قمة تاريخ سياسي محافظ أبقاه دوما خلف الأضواء. لكن الرجل الذي قارب السبعين، قد ولج للتو، ما سيجعل منه أكثر مما كان.

ورغم أن عباس المولود لإحدى عائلات صفد الميسورة في شمال فلسطين عام 1934، يحمل سيرة حافلة بالعمل السياسي الفلسطيني تمتد مع عمر حركة فتح، التي شارك في تأسيسها إلى جانب الرئيس ياسر عرفات.

فقد ظل أبو مازن طوال حياته يفضل الكواليس على الأضواء، والهدوء والسكينة على ضوضاء سنوات العمل السياسي والنضال التي حملت زملاؤه ورفاقه إلى الواجهة، وإلى قمة الشهرة أو إلى قائمة الشهداء، ولم تفعل فعلها في أبو مازن، الذي لم ترق له جلسات لجان فتح الصاخبة وحوارات مجالس منظمة التحرير ولجانها المتعددة الساخنة .

لم تكن أجواء الجدل المحموم، وساعات التنظير الطويلة التي ميّـزت لقاءات القيادة الفلسطينية على مر السنوات، ومواجهات الإخوة الأعداء، وتدخلات المضيفين في أكثر من موقع، ما يمكن أن يستميل شخصا من عيار أبو مازن.

ففي حين، كان الترحال والتنقل سمة رجال القيادة الفلسطينية التي ظلت أمواج التغيير في المنطقة تطيح بهم من بلد إلى آخر، ومن حرب إلى أخري، كان أبو مازن يخوض معركته على طريقته الخاصة والشخصية.

لم يمنعه مركزه بين المجموعة القيادية من تبديل منزله في الشام حتى أوائل الثمانينات، ولم يأخذه الوقت الثمين الذي سرق إخوانه من بيوتهم ومن عائلاتهم، من الحفاظ على حياة عائلية مستقر،,
حتى سنوات الشباب المتقد في جامعة دمشق، حيث تخرج في كلية الحقوق وتلمس أولى خطوات السياسة، لم تصب من هدوء وسكينة الفلسطيني الحالم بيوم عودة إلى جوار جبل الجرمق، حيث ترقد صفد وتتمدد بحيرة طبريا.

ظل عباس رغم التباين مع عشيرته الأقربين قريبا وبعيدا في نفس الوقت. كانت المجموعة الرئيسية (عرفات، صلاح خلف، خليل الوزير وآخرون)، هي التي تقرر وتنفذ، وظلت البقية بمن فيها أبو مازن تؤيد أو تمتنع أو تعارض دون أي طائل.

محطات وصفات

ثمة محطات وصفات شخصية أيضا قد تكون حملت محمود عباس إلى ما هو عليه الآن، وما سيكون عليه بفعل الموقع الذي جاءه على حين غرة. فالرجل الذي اتخذ قرارت عديدة بالابتعاد عن مركز السياسة الفلسطينية، عاد ليقود أو ربما ليقرر المصير في احتمال تشير إليه اللحظة الحالية.

طالما كان عهد السير بما سطره أصحابها، بيد أن لتاريخ القضية الفلسطينية ما ليس لسواه، ولا على شاكلته. وفي مثال أبو مازن ما يدفع ببراهين تدلل على صحة الافتراض، وتشير إلى قدرية كبيرة بنفس المقدار الذي يحمله احتمال التخطيط والترتيب.

في تاريخ الرجل أنه ظل على مدار ثلاثة عقود ونيف، أحد الأعضاء المؤسسين في حركة فتح، الفصيل الذي قاد ولا زال يقود الفلسطينيين إلى مراحل تتقادم وتتجدد بفعل التطورات المحلية والإقليمية والدولية.

المواجهات بينه وبين الرئيس ياسر عرفات، والتي أدت به في مرحلة معينة إلى الابتعاد فترة سنوات (عندما تفرغ للدراسة الأكاديمية وحصل على درجة الدكتوراه من موسكو)، لم تنته إلى قطيعة مع فتح ومنظمة التحرير.

وفي هذا الأمر، يؤكد مقربون أن شخصية أبو مازن، رجل القناعات وأحادي النظرة، ساهمت في الحفاظ على دوره داخل حركة فتح وفي منظمة التحرير، خصوصا وأنه ظل بعيدا عن تعقيدات المصالح الشخصية والسياسية والامتدادت.

ظل الرجل بعيدا عن التكتلات وتجنب تحالفات المصالح، واستمر مستفيدا من انعدام الضغوط الداخلية في التحضير لعملية الحوار مع إسرائيل، التي كان بدأها وأدراها منذ بداية التسعينات وحتى أوكلها بعد فترة طويلة في تسهيل التوصل إلى اتفاق أوسلو.

وبالرغم من ارتباط اسم أبو مازن بأوسلو، وكونه مهندسه الرئيسي، إلا أن عودته إلى الأراضي الفلسطينية تأخرت سنة عن وصول عرفات، حيث اختلف الزميلان مرة أخرى على كيفية التطبيق، ومن ثم على كيفية إدارة السلطة الفلسطينية في الداخل.

الطريق

مرة أخرى بدت الأمور وكأنها تسير نحو قدرها دون تدخل أي طرف. عرفات يمضي قدما في إدارة السياسة والبلاد على طريقته، وأبو مازن يخالفه الرأي، لكنه لا يملك أن يقاطعه، فتقوده طبيعته إلى الابتعاد والانزواء.

سنوات الحكم الذاتي، الهادئة نسبيا، حتى اندلاع الانتفاضة في خريف 2000، تسهم في إعادة تقديم محمود عباس على أنه الرجل الثاني في القيادة الفلسطينية، لكنه يُـصر على ممارسة عمله كأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأنه لا يريد الانخراط في مؤسسات سلطة الحكم الذاتي.

في كل مرة، وهي كثر، تصل فيها المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية حول تطبيق أوسلو إلى طريق مسدود، يشعل الإسرائيليون ملف خلافة عرفات، ويبرز اسم أبو مازن بين
أقوى الشخصيات المحتملة .


يعود الرجل الرصين، البعيد عن الأضواء وعن مؤسسات سلطة الحكم الذاتي، ليكون على راس السلطة الآخر إلى جانب زميله ورفيق دربه القريب البعيد ياسر عرفات، وفي مرحلة أكثر ما يمكن فيه وصفها بأنها مرحلة إضعاف قيادة الزعيم الفلسطيني التاريخي.

السيرة الطويلة للسياسي المتزن والهادئ، تكتب من جديد في جو عاصف محمل باحتمالات تاريخية لم تكن تروق لبدايات محمود عباس في فترات الستينيات والسبعينات، عندما كان يفضل العمل في مكتب هادئ في أحد شوارع دمشق حيث يتناول وجباته مع عائلته.

الطريق الآن مرتبط بخطة خارطة الطريق الأمريكية، ومكتب أبو مازن في رام الله المحتلة لا يبعد سوى مئات من الأمتار عن مقر عرفات المدمر والمحاصر، والمندوبون الدوليون على بابه.

سواء احب أبو مازن الأضواء أم رفضها، فإنها مسلطة عليه، بل أن تعداد ممثلي وسائل الإعلام الذين وصلوا رام الله لتوثيق تنصيبه أول رئيس وزراء فلسطيني فاق أولئك الذين كانوا في بغداد يوم سقوطها. لكن لا أحد يدري هل جاءوا لتغطية تنصيب أبو مازن أم لتَسلُّـمِـه خارطة طريق شائكة وملتوية؟

هشام عبد الله - رام الله


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×