Navigation

موريتانيا في انتظار انتهاء المرحلة الانتقاليةّ

صورة لبعض أعضاء المجلس العسكري الإنتقالي في موريتانيا التقطت لهم أمام القصر الرئاسي في نواكشوط بعد 3 أيام من انقلابهم على الرئيس السابق ولد الطايع (تاريخ الصورة: 6 أغسطس 2005) Keystone Archive

شكل حفل تنصيب "اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات" في موريتانيا فرصة لإعطاء صورة جيدة عن المجلس العسكري الإنتقالي.

هذا المحتوى تم نشره يوم 07 ديسمبر 2005 - 02:00 يوليو,

ولم يفت رئيس المجلس العقيد أعل ولد محمد فال الإشارة إلى ما تم خلال الفترة الزمنية الوجيزة التي انقضت منذ الإطاحة بالرئيس السابق، وما تم خلالها من إجماع الفرقاء السياسيين على برنامج موحد.

شكل حفل تنصيب "اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات" في موريتانيا، فرصة حاول العقيد أعل ولد محمد فال، رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية الحاكم في نواكشوط، استغلالها لإعطاء صورة عن المجلس باعتباره: "إذا وعد وفى، وإذا حدث صدق".

ولم يفت على ولد محمد فال الإشارة إلى الفترة الزمنية الوجيزة التي انقضت منذ الإطاحة بالرئيس السابق معاوية ولد سيدي احمد الطايع، والتي لا تتعدى ثلاثة أشهر ونيف، وما تم خلالها من إجماع الفرقاء السياسيين على برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي موحد، يتوقع أن يكون القنطرة التي ستعبر بها البلاد المرحلة الانتقالية بأمان وهدوء نحو "شرعية دستورية حقيقية غير مزيفة ولا صورية"، كما يصف معارضو ولد الطايع الديمقراطية التي جاء بها إلى البلاد مطلع عقد التسعينيات من القرن الماضي.

وقد تم لولد فال تحقيق ما أراد من إجماع من خلال تنظيم أيام تشاور وحوار وطني، خرجت منها الحكومة الانتقالية وأزيد من 500 شخصية من قادة ونشطاء الأحزاب السياسية وممثلي هيئات المجتمع المدني، بقرارات تتعلق بالمسلسل الانتقالي الديمقراطي والحكم الرشيد وتحسين القضاء، والتي تعهد الحاكم العسكري للبلاد بتطبيقها جملة وتفصيلا، الأمر الذي جعل الأحزاب التي كانت توصف بأنها معارضة راديكالية في السابق، تنعت اليوم بأنها أصبحت أحزاب التصفيق المطلق، والموالاة اللامشروطة، ناهيك عن الأحزاب التي درجت على الموالاة منذ ميلادها.

فحتى الحزب الجمهوري الذي أسسه الرئيس المخلوع ولد الطايع وحكم البلاد باسمه، وكان أول المتضررين من انقلاب الثالث من أغسطس باعتباره أفقده سدة الحكم، كان هو الآخر ضمن قائمة من رحبوا بالانقلاب الجديد، وتبنوا البرنامج الانتقالي الذي أعلن عنه المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، بل إن قادة الحزب سارعوا - سعيا منهم للتنصل من تحمل مسؤولية ماضي حكمهم - إلى تحميل رئيسهم المخلوع مسؤولية كل الأخطاء والمصائب التي وقعت فيها البلاد خلال العشرين سنة الماضية، واصفين حكمه بالاستبداد والدكتاتورية، بل وبخلوا عليه حتى بالاعتراف له ببعض ما تحقق من إنجازات، فتبنوا شعار "الإنجازات من عمل الحزب، والأخطاء من فعل الرئيس".

المجلس العسكري يرد على معارضيه

وبالرغم من شبه الإجماع على تأييد البرنامج الانتقالي في موريتانيا، فإن انقلاب الثالث من أغسطس لم يكن ليسلم من المعارضة الداخلية، التي صدر معظمها عن المستفيدين من النظام السابق، أو ممن نضبت روافد مصالحهم الشخصية مع أفول العهد السابق، لذلك، كان خصوم الحكم الجديد من أنصار الرئيس المخلوع بالمرصاد لكل خطوة يخطوها المجلس العسكري للتشكيك فيها، ومحاولة قراءتها "قراءة استدبارية"، بحثا عن منفذ للنيل من مصداقيتها، أو تأويل لها قد يقلل من حماس عامة الناس وتفاعلهم معها، ولعب هؤلاء على مقولة مفوض الاتحاد الإفريقي آلفا عمر كوناري معلقا على انقلاب موريتانيا: "لا يوجد انقلاب جيد"، مؤكدين أن "الجنرالات" ما جاؤوا ليمضوا"، وروجوا شائعات نشرتها بعض الصحف المحلية، مفادها أن قرارا بتمديد المرحلة الانتقالية بات وشيك الإعلان، وربما يشفع بقرار آخر بالتراجع عن عدم ترشح رئيس وأعضاء المجلس العسكري لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وتصور هؤلاء سيناريو لذلك يبدأ بعريضة يقال إنها موقعة من طرف آلاف الموريتانيين تطالب رئيس المجلس العسكري بالترشح لتلك الانتخابات، حتى يكون تراجعه عن قراره السابق "إذ عانا منه لإرادة الشعب الموريتاني"، لكن رد المجلس العسكري كان سريعا وحاسما.

فقد بادر إلى اتخاذ قرار أولي، أعلن بموجبه أن فترة سنتين هي الحد الأقصى للمرحلة الانتقالية لا يمكن أن تتجاوزها بأي حال من الأحوال، ثم عاد العسكريون إمعانا منهم في تفنيد شائعات خصومهم، وأعلنوا عن اتخاذ قرار بتعجيل الانتخابات الرئاسية قبل أوانها وتنظيمها في شهر مارس عام 2007، بدلا من شهر أغسطس من نفس العام، وتقليص المرحلة الانتقالية إلى 19 شهرا، بدل 24 شهرا.
أما السيناريو المفترض للتراجع عن قرار عدم الترشح للانتخابات، فقد حسم رئيس المجلس العسكري الجدل بشأنه حين قال "إن فعلها الشعب فهي غباء منه، ولن أخضع له، وستعطي الانطباع بأنه شعب ليس جديرا بأن يضحّـى من أجله، وبالتالي، فلن أستمر في حكم من هذه صفاتهم مهما كانت المبررات".

كما سارع المجلس العسكري إلى صياغة هذا التعهد في شكل نص قانوني ملزم يحظر على أعضائه وأعضاء الحكومة الانتقالية الترشح ودعم أي من المرشحين، حتى لا يبقى الأمر مجرد وعد قد يخلف، أو عهد ربما ينكث.

ثم جاءت خطوة تشكيل اللجنة المستقلة للانتخابات، والتي كانت مسبوقة بخطوات أخرى من قبيل تنظيم أيام للتشاور بين جميع الفرقاء السياسيين، فقطعت الشك باليقين لدى معظم المتابعين للشأن السياسي في موريتانيا، وجعلت جميع الفرقاء، رغم اختلاف مشاربهم، يجمعون على موقف واحد، ألا وهو الرضا حتى الآن عما يحدث في البلاد، ودفعت حتى ألد خصوم الانقلابيين في الخارج إلى الاعتراف لهم بالجدية في تنفيذ تعهداتهم.

فقد وصف رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي - الذي لا يزال يرفض الاعتراف بالسلطة الجديدة في نواكشوط، وكان اشد منتقدي الانقلاب حدة في لهجته - قرار تقليص الفترة الانتقالية بأنه يدعوا إلى الارتياح والطمأنينة إزاء ما يحدث في موريتانيا، متعهدا بمساعدة الاتحاد الإفريقي لموريتانيا في مسلسل العودة إلى الشرعية الدستورية.

الجيش في طريقه للالتزام بوعوده

وباختيار أعضاء اللجنة المستقلة للانتخابات ومشاركة الأحزاب السياسية في هذا الاختيار، وإذعان الحكومة الانتقالية والمجلس العسكري أثناء التشاور مع تلك الأحزاب، لاعتراضات بعض السياسيين على شخصيات كانت مرشحة لعضوية اللجنة، واستبدالها بشخصيات أخرى أكثر ألقا، وأبعد عن التصنيف والتخندق، يكون المجلس العسكري قد خطا خطوات على طريق الوفاء بالتزاماته التي أعلن عنها عشية وصوله إلى السلطة في الثالث من أغسطس الماضي.

بل إن رئيس هذا المجلس العقيد ولد محمد فال مضى إبان إشرافه على حفل أداء اللجنة للقسَـم الدستورية إلى القول: "أعتقد أننا أنجزنا ثلثي المهمة التي تعهدنا بها، لأن المرحلة الأولي تمثلت في كون كافة الفاعلين السياسيين في البلاد والحكومة والمجلس العسكري تمكّـنوا من التوصل إلى حل سياسي شامل في البلاد يتفق عليه الجميع، واليوم، ها نحن نشهد الانطلاقة الرسمية لأعمال اللجنة المستقلة للانتخابات التي أجمع عليها كل الموريتانيين".

ولم يكن ولد فال وحده من قَـيّـم إيجابا ما تحقق حتى الآن، فالسيد أحمد ولد داداه، زعيم المعارضة الراديكالية وأحد أبرز مرشحي الانتخابات الرئاسية القادمة، يرى أن الخطوات المنجزة حتى الآن تبرر الثقة التي منحتها الأحزاب السياسية للمجلس العسكري "الذي أثبت أنه جدير بها، وأنه جاد في الوفاء بتعهداته للشعب الموريتاني"، ويضيف ولد داداه "كما أن تقليص الفترة التي كانت مقررة لتنظيم الانتخابات من 24 شهرا إلى 19 شهرا، يعتبر مؤشر اطمئنان على الطريقة التي يُـسيّـر بها الجيش المرحلة الانتقالية".

أما رئيس اللجنة المستقلة للانتخابات، العقيد المتقاعد الشيخ سيد احمد ولد باب مين، الذي يحظى باحترام واسع في أوساط الطبقة السياسية الموريتانية، فلم يخف هو الآخر تثمينه للأجواء التي وفرها المجلس العسكري في البلاد، مضيفا أن ذلك من شأنه أن يساهم في إنجاح مهمة لجنته، ويضيف: "لاشك أن جو الديمقراطية والحرية الذي فتحه تغيير الثالث من أغسطس، كفيل بمساعدة اللجنة المستقلة للانتخابات على النجاح في مهمتها، وتحقيق الأهداف التي رسمت لها خلال المرحلة الانتقالية"، كما اعتبر ولد باب مين الإجماع الذي حظيت به لجنته "حافزا مُـهما لها، ودافعا لإنجاز عملها وهي واثقة من تعاون الجميع معها وتحقيق مهمتها في حرية ونزاهة وشفافية".

انقلاب "محبوب" على ديمقراطية "ممقوتة"

رغم أن الانقلابات العسكري ظاهرة مرضية ومرفوضة في عالم الديمقراطية والحرية، باعتبارها استيلاء على السلطة بالقوة دون أخذ رأي الشعب أو إعطاء أي اعتبار له، إلا أن انقلاب موريتانيا بات على وشك أن يصبح استثناء من تلك الانقلابات، وهو أمر مثير للاستغراب.

فالنظام المخلوع جاء بواسطة "الانتخابات"، رغم أن المعارضة ظلت تصف تلك الانتخابات بـ "المهزلة الانتخابية"، والحكام الجدد جاءوا على "صهوات" الدبابات وعبر فوهات البنادق.

لكن من مفارقات السياسية الموريتانية أن "الانقلابيين من الجنرالات" سارعوا إلى الإفراج عن سجناء الرأي الذين زجّ بهم "النظام الديمقراطي" في السجون، وأشركوا أحزاب المعارضة التي طالما اعتبرها النظام السابق "شرذمة من الحاقدين الساعين لتدمير البلاد وإيذاء العباد"، ومنحوا حرية التعبير والصحافة والتجمع التي حظرها "النظام الديمقراطي" قبلهم، وفتحوا وسائل الإعلام الرسمية (المملوكة للدولة) أمام جميع الفرقاء السياسيين دون استثناء، وهي التي كانت حِـكرا على "النظام الديمقراطي" السابق تُـسبِّـح بحمده بكرة وعشيا، وتمجد إنجازاته وتجرم معارضيه وخصومه.

و"الجنرالات الانقلابيون" هم من تعهدوا بالحياد في الانتخابات وعدم الترشح فيها، والتزموا بالتنازل عن الحكم في تاريخ محدد وأجل مسمّـى، و"النظام الديمقراطي" المطاح به هو من أجبر الإدارة على أن تكون في خدمة حزبه، ولا يتورّع قادته من الاعتراف بتزوير الانتخابات والسعي للحفاظ على السلطة مهما كف الثمن.

لهذا، كان السياسيون في موريتانيا "نشازا". فبالرغم من أنهم دعاة ديمقراطية قد ألزموا أنفسهم وأحزابهم برفض استخدام القوة من أجل الوصول إلى السلطة، إلا أنهم سارعوا إلى الترحيب بالانقلاب العسكري في بلادهم، رغم أنه أطاح بنظام "منتخب" وحمل "عقيدا" انقلابيا إلى الحكم.

ولئن صدق العسكريون وعودهم، فإن المراقبين يجمعون على أن موريتانيا مقبلة على مرحلة من الانفتاح والديمقراطية، ستشكل ربما نقطة انطلاقة لدمقرطة المنطقة والعالم العربي مستقبلا، ومحرزا ينغرس في شاكلة الأنظمة العربية والإفريقية التي طالما تذرعت لخنق شعوبها بأن الديمقراطية والحرية لا يمكن أن تنالها إلا الشعوب المتحضرة والدول المتقدمة.

وإلى أن ترسو سفينة "المرحلة الانتقالية" في موريتانيا على بر الآمان بعد انتخابات 7 مارس 2007، التي تعهد الجيش بتسليم السلطة للرئيس الفائز فيها، تبقى الأسئلة مشروعة، والتشكيكات حاضرة في الأذهان، وتبقى المهمة مُـحاطة بمخاطر الانزلاق نحو الفوضى والحروب الأهلية التي طالما كانت نهاية تجارب ديمقراطية في إفريقيا.

فهل سينجح عسكريو موريتانيا حيث فشل عسكريو كوت ديفوار وليبيريا وزايير؟ وهل بمقدورهم الحفاظ على ما تعهدوا به من عدم تدخل في مسار الانتخابات، حتى ولو أدت إلى فوز من لا يروق لهم، وهل سيظل الإجماع على الإشادة بهم حتى بعد الشروع في الانتخابات وسقوط المهزومين؟

أسئلة لن تجد جوابا قبل انقضاء مهلة التسعة عشر شهرا المحددة كأجل أقصى للمرحلة الانتقالية في البلاد.

محمد محمود أبو المعالي - نواكشوط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.