تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

مُبادرات شعبية وديمقراطية مباشرة هل يتّجه السويسريّون لمواجهة مع الرأسمالية بشأن الأجور؟

بقلم


في السنوات الماضية، منح المدراء وكبار المسؤولين في الشركات والمؤسسات الكبرى في سويسرا لأنفسهم مكافآت وأجورا فلكية، والآن سيتعيّن عليهم التعامل مع ما ستسفر عنه آليات الديمقراطية المباشرة.

في السنوات الماضية، منح المدراء وكبار المسؤولين في الشركات والمؤسسات الكبرى في سويسرا لأنفسهم مكافآت وأجورا فلكية، والآن سيتعيّن عليهم التعامل مع ما ستسفر عنه آليات الديمقراطية المباشرة.

(Keystone)

أعطى إطلاق سلسلة مفاجئة من المبادرات الشعبية المتعلقة بالرواتب في الآونة الأخيرة الإنطباع بوجود "ثورة" أو "انتفاضة" ضد الأجور المرتفعة جدا التي يتمتع بها كبار المدراء والمسيّرين في سويسرا، ولكن وفقا لخبيريْن اقتصاديْين اتصلت بهما swissinfo.ch لا أحد يُعارض في سويسرا اليوم مبدأ اقتصاد السوق.

وفي الوقت الذي لا تزال فيه آثار الصدمة الكبيرة التي أحدثها القبول الواسع للمبادرة الشعبية "ضد الأجور الفاحشة" يوم 3 مارس الماضي حية في الذاكرة، ها هو الناخب السويسري مدعو يوم 24 نوفمبر القادم أيضا للإدلاء برأيه بشأن مبادرة تهدف إلى كبح الأجور التي تصرف لكبار المسؤولين. وتنص مبادرة "12:1- من أجل أجور عادلة" على ألا يزيد أعلى راتب في أي مؤسسة عن إثنيْ عشر مرة الراتب الأدنى فيها.  

وفي العام المقبل يدلي المواطنون أيضا بأصواتهم بشأن مبادرة تطالب بضبط حد أدنى للأجور. وتبادر بإطلاق هذه المطالب المتعلقة بالأجور جهات يسارية، ولكن في السنوات الأخيرة، وعلى غير العادة، حصل هذا النوع من المطالب على دعم قوي من خارج صفوف اليسار.

عدم القبول بنظام مستورد

أوضح رافائيل لاليف، أستاذ الإقتصاد بجامعة لوزان أسباب هذا التأييد فقال: "ثار المواطنون ضد نظام أجور استجلب من البلدان الأنجلوسكسونية على مدى السنوات العشرين الماضية بسبب العولمة. وهو نظام مرتبط بتطوّر المنتجات المالية، ومعاملاتها، مما سمح لكبار المسؤولين بالحصول على مكافآت مجحفة".  

ويشير توبياس شتراومان، أستاذ تاريخ الإقتصاد بكل من جامعة زيورخ، ولوتسيرن، وبازل إلى أن هذا النظام لم يتسبب فقط في إيجاد استياء شعبي، بل أيضا "في خلق توتّر شديد بين الدوائر الإقتصادية المحلية، من جهة، والبنوك والشركات متعددة الجنسيات من جهة أخرى".
 

ويتأسس النموذج التقليدي للشركات السويسرية على المسؤولية الإجتماعية. ويضيف شتراومان: "لدى أرباب العمل المحليين شعور بأن النخبة العاملة في الشركات الكبرى تستفيد من سويسرا بالعمل فيها والإقامة والحصول فيها على رواتب ضخمة، ولكنها لا تعير اهتماما لمصالح البلاد، وهو ما يرون أنه غير مقبول". ومراكمة  الثروة ليست مشكلة في حد ذاتها "إذا كان رجل الأعمال غنيا جدا، ومعتنيا بمؤسسته، وبالمشتغلين معه، وله روابط قوية بسويسرا، عندئذ تعتبر ثروته حقا مشروعا"، يواصل شتراومان.
 

ويعكس التأييد الكبير الذي لاقته مبادرة توماس ميندر، مدير شركة صغيرة بكانتون شفهاوزن، خلال استفتاء عام أجري يوم 3 مارس الماضي، هذه الهوّة، ولكن يرى هذان الخبيران، أنه لا أحد يعارض مبدأ اقتصاد السوق.

وبالنسبة لرفائيل لاليف: "وضعت مبادرة ميندار حدا لبعض الحريات التي ليس لها أساس منطقي: فقد أزالت حق المديرين التنفيذيين الكبار في تقرير الرواتب الخاصة بهم، وأرجعت هذا القرار إلى مالكي تلك الشركات أو المؤسسات، وهم أصحاب الأسهم. وتسمح هذه الخطوة لإقتصاد السوق بالعمل بشكل أفضل، لأنها ستسمح لأصحاب الأسهم بمعاقبة من كان أداؤهم سيئا مثلما تسمح لهم بمكافئة أصحاب الأداء الجيّد. وتهدف هذه الخطوة إلى إيجاد نظام مكافآت أكثر معقولية، ولكن من دون تدخّل الدولة في شؤون القطاع الخاص".

أرقام ذات دلالة

وفقا للأرقام التي نشرها المكتب الفدرالي للإحصاء، كان متوسط الراتب الإجمالي الشهري في سويسرا عام 2010 يعادل 5779 فرنك بالنسبة للمشتغلين بدوام كامل.
 
أما متوسط الراتب الإجمالي الشهري للأطر العليا فكان يعادل 10.195 فرنك في القطاع الخاص، و16.195 فرنك في القطاع العام (فيدراليا). وبالنسبة للموظفين السامين، كان 22.755 فرنك بالنسبة للقطاع الخاص مقابل 21.548 فرنك بالنسبة للقطاع العام.

عُشُر الأشخاص الذين يتلقون أجورا في سويسرا لا يتجاوز راتبهم 3953 فرنك، مقابل عُشُر آخر يتجاوز راتبه 10.833 فرنك.

نهاية الإطار التوضيحي

تغيير جذري في قواعد اللعبة

مع ذلك، هناك فارق كبير بين مبادرة ميندار ومبادرة "1:12- من أجل أجور عادلة"، الهادفة إلى وضع سقف للفارق بين الأجر الأدنى والراتب الأعلى في أي مؤسسة أو شركة، لأنها تنصّ أيضا على أن الدولة هي التي يجب أن تضمن احترام هذا المبدأ. وبسبب هذا التدخّل المفترض من الدولة في القطاع الخاص، يعتقد الخبيران أن المبادرة التي أطلقتها الشبيبة الإشتراكية لن تحصل على الأغلبية المطلوبة يوم 24 نوفمبر القادم.

توبياس شتراومان أوضح أن "هذه المبادرة تؤدي إلى تغيير نظام الأجور، وقواعد الإقتصاد، ولكن هذا ليس ما تريده غالبية السويسريين، الذين هم بالأحرى ليبراليون في المسائل الإقتصادية". إضافة إلى ذلك، لا تتوفّر الشروط الضرورية اللازمة لتغيير النظام السائد، فالإقتصاد السويسري في وضع جيّد، ومعدّلات البطالة منخفضة جدا، وليست هناك أوضاع اجتماعية حرجة.

ومع أن الفجوة بين الأجور قد اتسعت في سويسرا على مدى العشريتين الماضيتين، لكنها "لم تتسع بشكل كبير. ولا يشبه الوضع في سويسرا ما حصل في الولايات المتحدة وفي بريطانيا، حيث ازدادت الفوارق بشكل كبير، فأصبح الأثرياء أكثر ثراء، والفقراء أكثر فقرا وحيث شهدت الطبقة الوسطى تراجعا مُذهلا"، بحسب شتراومان.

موضوع سيظل على جدول الأعمال

في سياق التوقعات، يرى توبياس شتراومان أن "السلم الإجتماعية في سويسرا لا تزال كما هي ولم تتأثّر، والمواطنون ليسوا غاضبين كما هو الحال في الولايات المتحدة أو في بريطانيا. ولهذا لن تحصل وصفة الشبيبة الإشتراكية على الأغلبية المطلوبة، رغم أنني مقتنع بأن مسألة الرواتب لن تختفي بعد هذا الإقتراع. وستظل بعض الوقت في مركز الإهتمام على الساحة السياسية".

من ناحيته، يدعو رفائيل لاليف إلى التريث "لرؤية ما إذا كانت مبادرة ميندار كافية لتخفيف حدة انفجار الأجور بعد ثلاث سنوات أو أربعة من وضعها قيد التنفيذ، وإذا لم تتراجع إلى حد ما أجور الموظفين السامين، أعتقد أنه ستكون هناك أغلبية ضئيلة في سويسرا مؤيدة لمنح الدولة سلطة التدخّل لضبط الأجور، ولكن الوقت لا يزال مبكرا جدا".

معركة مفتوحة

على صعيد آخر، من السابق لأوانه كذلك التكهن بالمصير الذي ستؤول إليه مبادرة الأجر الأدنى التي أطلقها اتحاد النقابات السويسرية UNIA. مع ذلك، لا بد من استحضار الفارق الكبير بين ما تهدف إليه مبادرة النقابات والتغييرات الجذرية التي تسعى الشبيبة الإشتراكية لإقرارها من خلال مبادرة "1:12- من أجل أجور عادلة". وفي الواقع،  فإن أجر الحد الأدنى "مطبّق بالفعل في العديد من البلدان"، مثلما يقول رفائيل لاليف.
 

وفي سويسرا نفسها، تم اعتماد أجر الحد الأدنى بالفعل على مستوى بعض الكانتونات كما هو الحال في نوشاتيل والجُورا. في المقابل، رُفض هذا الإجراء من طرف الناخبين في كل من فُو وجنيف، وهي حالة من التعادل تجعل من الصعب التنبؤ بالنتيجة النهائية للمعركة التي ستدور بين المؤيّدين والمعارضين على المستوى الوطني. وتتأكد حالة الشك خصوصا وأن الإستفتاءات الأربعة التي نُظمت حول هذه المسألة حدثت كلها في كانتونات روماندية (أي ناطقة بالفرنسية وفي غرب البلاد).

الفجوة في الأجور

وفقا للتصنيف السنوي الذي تُعده نقابة العمل السويسرية Travail.Suisse، سجلت أكبر فجوة في الأجور في عام 2012 في شركة روش لصناعة الأدوية. حيث حصل المدير التنفيذي سيفيرين شفان، على راتب قدره 15.791 مليون فرنك أي 261 ضعفا مقارنة بأدنى راتب في نفس الشركة.
 

في درجة ثانية، نجد شركة نيستليه، حيث حصل مديرها التنفيذي بول بولكي على راتب قدره 12.608 مليون فرنك وهو ما يعادل 238 مرة الراتب الذي حصل عليه صاحب الأجر الأدنى في الشركة.
 

في الدرجة الثالثة، تأتي شركة آي بي بي ABB، حيث بلغ الراتب السنوي لمديرها التنفيذي 10.158مليون فرنك، وهو ما يساوي 225 مرة ضعف الأجر الأدنى بنفس الشركة.

نهاية الإطار التوضيحي

المبادرات الثلاث في إيجاز

مبادرة "ضد الأجور الفاحشة" التي أطلقها توماس ميندار مدير شركة صغيرة بشافهاوزن حصدت أغلبية كبيرة بلغت 68% من الناخبين في اقتراع عام في 3 مارس الماضي. وتنص هذه المبادرة خصوصا على أن الجمعية العامة لأصحاب الأسهم في الشركات المدرجة في سوق الاموال السويسرية تقترع كل عام لتحديد المكافآت لأعضاء مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية. وتحظر أي تعويضات أو أي مكافآت مسبقة.


 مبادرة "12: 1 – من اجل أجور عادلة"، التي أطلقتها الشبيبة الإشتراكية، وستعرض على الناخبين في استفتاء عام يوم 24 نوفمبر القادم. وتنص هذه المبادرة على ألا يتجاوز أعلى أجر في أي مؤسسة أو شركة 12 مرة الأجر الأدنى في نفس المؤسسة.

مبادرة "من أجل أجور عادلة"، التي أطلقها اتحاد النقابات السويسرية، وهي لا تزال محل مداولات داخل البرلمان الفدرالي . وتسعى هذه الأخيرة إلى اعتماد أجر الحد الأدنى المعادل لإثنيْن وعشرين فرنك لساعة عمل واحدة، وهو ما يعادل 4000 فرنك كراتب شهري، وهذا المبلغ ينبغي تعديله دوريا بحسب تطوّر الأجور والأسعار.

نهاية الإطار التوضيحي


(نقله إلى العربية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×