تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

مُراقبة عربية مستقلة أولى للإنتخابات في لبنان.. فهل تنتقل العدوى؟

(AFP)

انتهت الانتخابات اللّـبنانية، وأعلن عن نتائجها التي قبل بها الجميع وتراجعت المخاوِف التي صاحبت تصاعُـد وتيرة التنافس بين قُـطبَـي المعادلة السياسية المحلية، ممثلين فيما يسمّـى بالموالاة والمعارضة.

وهي مخاوف زادت في تأجيجها الأطراف الدولية والإقليمية، بدءً من نائب الرئيس الأمريكي الذي زار لبنان، ليُـعلن بأن حجم المساعدات ستُـحدِّده نتائج الانتخابات وصولا إلى إسرائيل، التي أوهمت اللّـبنانيين بأن نجاح المعارضة بقيادة حزب الله، من شأنه أن يهدِّد السلام في المنطقة؟

لكن هذا لم يكن سوى وجه من وجوه الحدث الذي جرى في هذا البلد المأزوم، أما البُـعد الآخر من الصورة، فقد تمثّـل في أن الإنتخابات جرت لأول مرة، سواء في تاريخ لبنان وكذلك في تاريخ المنطقة العربية، بحضور مُـراقبين عرب ينتمون لمنظّـمات مستقلة، تمثِّـل جزءً من المجمع المدني. فماذا عن هذه التجربة؟ وهل هي قابلة لكي تعمّـم في دول عربية أخرى؟

صاحبة المُـبادرة هي "الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات"، التي انطلقت مسيرتها في عام 1996 وقد حوربت في البداية، وقال عنها يومها وزير الداخلية ميشال المُـر: "لن نسلِّـم الدولة لجمعيات تدّعي الديمقراطية، وأهدافها سياسية"، لكن بعد حصولها على الترخيص القانوني في سنة 2005، أطلـقت مبادرة "التحالف اللبناني لمراقبة الانتخابات"، التي تجاوز عدد الجمعيات المُـنخرطة فيه، خمسين جمعية.

ترحيب الساسة بهيئات الرقابة

أما الفريق العربي الذي قام بالمراقبة، فقد تشكّـل من 37 شخصية قدِموا من 17 بلدا عربيا وضمّ خبراء من قُـضاة وأساتذة جامعات ومحامين وصحفيين ونشطاء مجتمع مدني. وكان أول ما فعله على إثر تشكّـله، هو اللِّـقاء بعددٍ من القادة السياسيين من مختلف الاتِّـجاهات السياسية الرئيسية، من بينهم وليد جنبلاط وسعد الحريري.

وقد رحّـب هؤلاء بدور هيئات الرّقابة "لما تشكله من ضمانة أساسية لإضفاء الشفافية والنزاهة على العملية الانتخابية"، كما ورد في التقرير النهائي الذي صدر عن فريق المُـراقبين العرب.

كما اطّـلع الفريق على خصوصيات الخارطة السياسية اللبنانية بمختلف الدوائر الانتخابية والمحافظات ونظم عدّة لقاءات مع فِـرق المراقبة الدولية والهيئات المعنِـية بالانتخابات، وكذلك مع ممثلي تحالُـف المجتمع المدني المحلي.

واستقبل زياد بارود وزير الداخلية، الفريق العربي وأطلعه على الاستعدادات الجارية بالوزارة لتنظيم يوم الاقتراع، مؤكِّـدا بالخصوص على أنه "بالرغم من علاّت الديمقراطية اللبنانية، فإن اللبنانيين يعتزّون بها"، كما اعتبر أن الديمقراطية لا تُـستورد وأنه سيعمل من جهته على أن يجعل هذه الانتخابات "تجربة نموذجية"، ولعله وزير الداخلية العربي الوحيد الذي انتقّـد القانون الانتخابي الذي هو مُـلزم بتطبيقه، حيث اعتبر أن قانون 1960، الذي لجأ إليه الفرقاء السياسيون في الدوحة "ليس جيدا"، وأضاف قائلا: "أتمنّـى أن أكون آخر وزير داخلية ينظِّـم الانتخابات في لبنان"، وأن تُـوكَّـل هذه المهمة في المستقبل إلى هيئة وطنية مستقلة.

والطريف في شخصية هذا الوزير الشاب، أنه بالإضافة إلى استقلاليته السياسية، فهو قادِم من رَحِـم المجتمع المدني وكان أحد مؤسسي "الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات" وأمينا عاما سابقا لها، إضافة إلى كونه محاميا، ولهذا وجد نفسه في حالة اختبار جدّي لقناعاته وهو يُـشرف على تنظيم أصعب انتخابات عاشها لبنان في تاريخه الحديث.

تشكيكات وخروقات.. وإنجاز

في سياق متصل، تمّ تمكين الفريق العربي من الإطِّـلاع على القسم الخاص برصْـد تجاوُزات وسائل الإعلام، المكتوبة والسمعية والبصرية، حيث قام شباب تخرّجوا من عديد التخصّصات الجامعية، من بينها أقسام الإعلام والعلوم السياسية والاجتماع، بمتابعة مختلف الصحف والبرامج التي بثّـتها وسائل الإعلام المحلية، وأيضا العربية والأجنبية التي لها مكاتِـب داخل لبنان، وذلك طيلة الحملة الانتخابية، بغرض معرفة مدى تقيُّـدها بالقانون ورصْـد ما ترتكبه من مخالفات.

وعند السؤال عن محصِّـلة هذه العملية، التي تمّ توثيقها في ثلاث تقارير صدرت تِـباعا، أجاب المسؤول عن هذه الوحدة بأن "وسائل الإعلام اللبنانية قد تجاوزت حدودها بكثير"، في إشارة إلى الحرب الإعلامية التي شهدتها البلاد قبل يوم الاقتراع، والتي نزل فيها الخطاب السياسي بين مختلف الفرقاء إلى أدنى مستوياته، بسبب الشّـحن الطائفي والسياسي الذي كاد أن يضع لبنان أمام أزمة جديدة.

اعتمد المراقبون العرب في رصْـدهم للعملية الانتخابية، على التّـسهيلات اللوجيستية، التي وفّـرها المتطوعون المحلِّـيون، الذين درّبتهم "الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات"، وبلغ عددهم 2400 مُـراقب توزّعوا على كامل مراكز الإقتراع يوم الانتخابات، بعد أن استمرّ رصدهم لكامل مرحلة الحملة الانتخابية.

وبالرغم من أنهم تعرّضوا للتّـشكيك في البداية، في حيادهم السياسي من قِـبل شخصيات حزبية منتمِـية إلى المعارضة، إلا أنهم قاموا برصْـد 1010 مخالفة ارتكبتها جميع الأطراف، أما المراقبون العرب، فقد رصدوا بدورهم العديد من المخالفات، لكنهم اعتبروا في تقريرهم، الذي عرضوه في مؤتمر صحفي، أن هذه الخروقات "لا ترقى إلى درجة التّـشكيك في مِـصداقية النتائج التي تمّ الإعلان عنها"، كما اعتبر الفريق أن تعديل القانون الانتخابي الحالي، من شأنه أن "يساعد على معالجة هذه الخروقات والتجاوزات، ممّـا يجعل مراجعة وتعديل القانون الانتخابي، ضرورة ماسّـة من أجل الارتِـقاء بالعملية الانتخابية إلى مستوى ما هو منصوص عليه في المعايير الدولية في الجانبيْـن، التشريعي والتِّـقني، خاصةً إنشاء هيئة مستقلّـة لتنظيم الانتخابات في كافة مراحلها والأخذ بعيْـن الاعتبار الإصلاحات التي يُـطالب بها المجتمع المدني في لبنان".

إذا تمّ التعامل مع الانتخابات اللبنانية من زاوية التقيّـد بالجوانب الإجرائية أو تلك التي سماها وليد جنبلاط بالعامل "التقني"، فإن ما حصل يُـمكن اعتباره "إنجازا ديمقراطيا"، لكن عند الإقتراب أكثر من الصورة، يبدو المشهد مختلِـفا، وهو ما أشار إليه تقرير الفريق العربي، دون التوقّـف عنده كثيرا.

عوامل مثيرة للقلق

ومن أبرز هذه العوامل، التي تثير قلق المراقبين، هيمنة العامِـل الطائفي في توجيه الرّأي العام اللبناني، إلى درجةٍ تكادُ تضرب فكرةَ المواطنة في الصّـميم، فكل شيء يكاد قد أسِّـس على الانتماء إلى هذه الطائفة أو تلك، ويكفي أن الناخب عندما يُـدلي إلى مكان الخُـلوة، والذي يسمّـى في لبنان بـ "العازل"، يجد أمامه قائمات المرشّـحين مقسّـمة حسب انتمائهم الطائفي: هذا ماروني وهذا شيعي والآخر سني والرابع درزي، أي أن الناخب لا يستطيع في أي لحظة أن ينسى انتماءه لطائفته، بل إن لافتات أخرى، لا علاقة لها بالسياسة ولا بالإنتخابات، وإنما هي لافتات ضخمة مخصّـصة للأطباء، ومع ذلك، لا تستغرب عندما تجِـد نفسك أمام لوحة طبيب مكتوب عليها: عيادة طبّ باطني خاصة فقط بالمارونيين؟

أما العامل الثاني، الذي يلغم الديمقراطية اللبنانية، فهو بالتأكيد ما يُـطلق عليه في لبنان بالمال السياسي، وهي معضلة شديدة التعقيد وشديدة الخطورة، وهو ما جعل المراقبين العرب يُـعلنون بأنهم سمعوا كثيرا عن هذه المسألة، لكنهم لم يتمكّـنوا من توثيقها، مع ذلك، يتحدث الجميع في لبنان عن هذه الظاهرة، وتذكر بعض المصادر بأن التكاليف الإجمالية للحملة الانتخابية بلغت حدود المليار دولار.

ومما يذكرونه أيضا، أن أكثر من مائة ألف مُـهاجر لبناني رجعوا إلى البلاد قبل فترة وجيزة من يوم الإقتراع، ويُـقال بأن نصفهم على الأقل قد تلقوا تذاكِـر السفر من الجهات الحزبية التي ستستفيد من أصواتهم. كما بالغ البعض في تحديد سِـعر الصوت الواحد ببعض المناطق، خاصة تلك التي شهدت تنافسا حادّا بين الفرقاء السياسيين، لكن وإن تباينت الأرقام، فإن جهات عديدة تؤكِّـد بأن الظاهرة موجودة، إلا في الدوائر الانتخابية التي يُـسيطر عليها تيار قوي لا يحتاج إلى شراء الأصوات، مثل منطقة الجنوب التي يُـسيطر عليها تحالف حزب الله مع حركة أمل أو منطقة الدروز في محافظة الشوف، التي تدين بالولاء طائفيا وسياسيا، لوليد جنبلاط.

تجربة حققت أهدافها

مع ذلك، يعتقِـد أكثر من طرف بأن مراقبة الانتخابات في لبنان من قِـبل منظمات المجتمع المدني المحلية والعربية قد حقّـقت أهدافها. وعن أسباب هذا النجاح النِّـسبي، يشير السيد زياد عبد الصمد، أمين عام الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات، إلى عدد من العوامل التي تضافرت وجعلت عملية المراقبة ممكنة: أولا، تراكم التّـجارب التي حصلت من قبل، بدءً من سنة 1996. وثانيا، التنصيص في المادة 20 من قانون الانتخابات النيابية على أنه "يحق لهيئات المجتمع المدني، ذات الإختصاص، مواكبة الانتخابات ومراقبة مجرياتها. وثالثا، وضع إستراتيجية مبكّـرة، إعلامية وتنظيمية وتدريبية، ساعدت على بلورة آلية فاعلة. ورابعا، ملازمة المِـهنية والحياد والموضوعية، مع التقيّـد بخطابٍ قانوني وحقوقي بعيد عن التّـسييس، وهو ما وفّـر عُـنصر الثقة والمصداقية، رغم محاولات التشكيك.

وأخيرا، وجود شخصية مُـقتنعة بدور المجتمع المدني على رأس وزارة الداخلية، وتتمتع بالقدرة والشجاعة على اتِّـخاذ القرار، وقد كان لهذا العامل دور مهم جدا في توفير الدّعم الضروري لنجاح مهمة المراقبين اللّـبنانيين والعرب والدّوليين.

السؤال الذي بقي مطروحا بعد انتهاء النجاح النِّـسبي التي حققته هذه التجربة هو: هل سيكون بالإمكان تعميمها على الصعيد العربي؟ الرغبة في ذلك عبّـر عنها منسِّـق مشروع المراقبين والخبراء العرب في الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات، كريم بيوض، وهو شاب لم يتجاوز عمره 26 عاما ويتمتع بحيوية واندفاع، يعكِـسان رغبة الشباب اللبناني في التغيير والمشاركة.

وقد أعلن المنسِّـق عن نية الجمعية "العمل على تعميم التجربة من خلال تشكيل مجموعة عمل عربية، تكون مؤهّـلة ومستعدّة لدعم الجهود المحلية في مجال مراقبة الانتخابات في أي بلد عربي يكون مستعدا للسماح لمنظمات المجتمع المدني العربي بالمساهمة في المبادرات الهادفة إلى الإسهام في دعم جهود الانتقال الديمقراطي في المنطقة العربية".

وتجاوبا مع هذه الرغبة، أعلن السيد محسن مرزوق، المدير التنفيذي للمؤسسة العربية للديمقراطية (مقرها قَـطر)، عن استعداد المؤسسة لدعم هذه المبادرة ماليا، مُـعلنا بأن المحطّـة القادمة ستكون في موريتانيا بمناسبة الانتخابات الرئاسية، التي ستجرى خلال النصف الثاني من شهر يوليو القادم، أما بقية الدول العربية العشرين.. فلكُـل حادِث حديث!.

صلاح الدين الجورشي - بيروت - swissinfo.ch

معطيات أساسية

نُـظمت الانتخابات النيابية اللبنانية يوم 7 يونيو 2009.
بلغت نسبة مشاركة الناخبين فيها 54،08%.
تحصّـلت القوى والأحزاب التي توصف بـ "الموالاة" (قوى «14 آذار») على 71 مقعدا.
وتحصّـلت الأطراف الموصوفة بـ "المعارضة" (قوى "8 آذار") على 57 مقعدا.

نهاية الإطار التوضيحي

التحالف اللبناني لمراقبة الإنتخابات

نشأ التحالف اللبناني لمراقبة الانتخابات عام 2005 بغاية مراقبة ديمقراطية وشفافية ونزاهة العملية الإنتخابية على جميع الأراضي اللبنانية من أجل تعزيز النظام الديمقراطي وتطبيق القوانين.

يسعى التحالف هذا العام الى توسيع اطاره وتفعيل مشاركة أعضائه، حيث أن نجاح المراقبة ومشروعية التقرير النهائي مرتبطة بفعالية دور التحالف وقدرته على استقطاب وتدريب أكبر عدد من المراقبين في جميع الدوائر الإنتخابية، تحضيراً لإصدار تقرير نهائي شفاف، شامل وغير مسيس.

سعت الجمعية اللبنانية من اجل ديمقراطية الانتخابات منذ تأسيسها عام 1996، لممارسة حقها المدني والسياسي بمراقبة الإنتخابات. وعندما استجابت الحكومة لمطلب الجمعية سنة 2005، أطلقت مبادرة "التحالف اللبناني لمراقبة الإنتخابات"، الذي ضمّ اكثر من 32 جمعية وجامعة وكرّس أهمية تشبيك هيئات المجتمع المدني وعزز دورها في ارساء شفافية الانتخابات.

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك