Navigation

Skiplink navigation

مُـنـازلـة "ثقافية" في الدوحـة

مشهد من الجلسة الإفتتاحية للمؤتمر الإقليمي الأول للعدالة في الدوحة يوم 11 أكتوبر 2004. صحيفة الشرق القطرية

يبدو أن فرنسا دخلت على خط الإصلاحات في الشرق الأوسط، عبر تنظيمها لأول مرة في الدوحة "المؤتمر الإقليمي للعدالة".

هذا المحتوى تم نشره يوم 13 أكتوبر 2004 - 11:46 يوليو,

المؤتمر شاركت فيه 15 دولة شرق أوسطية أرسلت أكثر من 100 ممثل عنها، وتم استبعاد الدول المغاربية من الدعوة إليه "لأن العلاقات الفرنسية متطورة معهم أصلا".

دخلت فرنسا على خط الإصلاحات في الشرق الأوسط، عبر تنظيمها لأول مرة، المؤتمر الإقليمي للعدالة بمشاركة 15 دولة شرق أوسطية، أرسلت أكثر من 100 ممثل عنها.

وقد تم في هذه المناسبة استبعاد الدول المغاربية من الدعوة إلى هذا المؤتمر "لأن العلاقات الفرنسية متطورة معهم أصلا"، على حد تعبير أحد أعضاء الوفد الفرنسي الكبير الذي حضر إلى الدوحة برئاسة وزير العدل دومينيك بيربان، ورئيس المجلس الدستوري بيير مازو، ورئيس محكمة التعقيب الفرنسية.

وبرغم أن المسؤولين الفرنسيين حاولوا أكثر من مرة مراوغة الصحفيين الذين كانوا يسألون عن محل هذا المؤتمر من الإعراب في دائرة السباق الدولي من أجل إصلاح "الشرق الأوسط الكبير"، فقد بدا واضحا أن باريس تريد أن تلعب دورا موازيا لواشنطن في المضمار ذاته.

ولم يحل تصريح النائب العام القطري علي بن فطيس المري بأن المؤتمر كان "علميا وتقنيا"، ولا جهده في الانكباب على تفاصيل المفردات القانونية، دون الاعتقاد بأن صبغة سياسية ما تقف أيضا وراء تنظيم هذا المؤتمر في إطار جغرافي وإقليمي حفل بمبادرات الإصلاح الأمريكية خلال السنتين الأخيرتين على وجه الخصوص.

ومما زاد في ترسيخ هذا الاعتقاد، التشديد في ختام المؤتمر الإقليمي الفرانكو - عربي للعدالة على أهمية بعث لجنة مكلفة بـ "متابعة التطوير والحلول الملائمة للمشكلات المرتبطة بالعدالة في الدول العربية وفي فرنسا"، حسبما ورد في إعلان مشترك بين رئيس المجلس الدستوري الفرنسي الذي رأس المؤتمر، والنائب العام القطري الذي استضافه.

وأضاف السيد مازو في مؤتمر صحفي مشترك، بتأكيده على متانة العلاقات الفرنسية العربية وعمقها التاريخي، منوها إلى أنه يتمنّـى "ألا تذوب جهود المؤتمر في مياه الخليج"، في إشارة واضحة على تمسك فرنسا باستتباع هذه المبادرة بسلسلة إجراءات ولقاءات بين الطرفين، لمزيد توثيق الصلة بين الطرفين.

تـرحــيـب

وصف بيير مازو المؤتمر، الذي شارك في تنظيمه كل من وزارتي الخارجية والعدل الفرنسيتين مع النيابة العامة القطرية، بأنه "ناجح"، داعيا المدرسة الوطنية الفرنسية للقضاء وهيئة المحامين الفرنسية إلى "تنظيم دورات تكوينية مع زملائهم في الدول المشاركة في المؤتمر".

وفي المؤتمر الصحفي المشترك الذي انعقد في اختتام الأشغال، قال علي بن فطيس المري، النائب العام القطري، "أرحب بكل من يساعد على تشييد الجهاز القضائي في العالم العربي"، وذلك في معرض رده على سؤال حول مدى التنافس بين فرنسا والولايات المتحدة بشأن مشاريع الإصلاح عامة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي سياق إجابته، قال المري من ناحيته: "إن الشراكة مع فرنسا في هذا المضمار، تأتى على أساس أن القاعدة القانونية اللاتينية في كل البلاد العربية والتي تقود زمامها فرنسا".

وعلى غرار هذه الإجابة القطرية، كان رد وزير العدل الفرنسي عندما طُـرح عليه السؤال ذاته، حيث أجاب مُـنوها إلى عمق العلاقات العربية الفرنسية وتواصلها على كافة المستويات، ومن بينها المستوى القانوني والقضائي.

دعوة إلى استقلال القضاء

وإذا كان أحد من الرسميين لم يذهب إلى الزاوية السياسية للموضوع مباشرة، فإن المراقبين رأوا في ترديد المسؤولين الفرنسيين خلال المؤتمر بأن "ليس لديهم نموذجا يريدون فرضه" وإنما "مجمل مؤسسات ومهنيين قضائيين فرنسيين سيكونون إلى جانبكم في البحث عن أفضل السبل للإصلاح"، على حد تعبير الوزير بيربان" محاولة فرنسية للتمايز عما يروج حول نماذج الإصلاح المفروضة على المنطقة وفي مقدمتها النموذج الأمريكي.

من جهة أخرى، أكثر الحاضرون الفرنسيون في المؤتمر من صيغ التواضع من قبيل الإشارة إلى "إننا نتعلم من بعضنا البعض"، الأمر الذي فسّـره المراقبون على أنها محاولة فرنسية للاستفادة من الرفض العربي لمشاريع الإصلاح الأمريكية، التي يعتقد قسم واسع منهم أن البيت الأبيض يريد فرضها عليهم بالقوة.

وكان أمير قطر، الذي افتتح المؤتمر يوم 11 أكتوبر الجاري برفقة وزير العدل الفرنسي دومينيك بيربان، قد دعا إلى العمل من أجل "سيادة العدالة واستقلال القضاء في الدول العربية".

وقال الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمام اكثر من 100 ضيف أتوا من دول المشرق العربي وفرنسا إن "العمل من أجل العدالة في منطقتنا، بات واجبا هاما يستشعره على نحو خاص كل من يقدر ويعي حاجتها للإصلاح"، مضيفا أن استقلالية السلطة القضائية "تمكّـن المسؤولين عليها بالقيام بأدوارهم، حتى لا تتعطل جهود الإصلاح أو تتأخر محاولات المنطقة للتخلص مما تعانيه من جمود وعلل".

معركة متواصلة

لقد كان المؤتمر الفرانكو - عربي حول العدالة، والذي استمر يومين، مناسبة جيدة لمناقشات عديدة بين وزراء عدل، ونواب عموم، ومهنيين قضائيين من بلدان شرق أوسطية ومن فرنسا، دارت حول محاور من بينها "أخلاقيات وأدبيات مهنيي العدالة"، و"تنظيم القضاء وتسييره"، و"حق اللجوء إلى القانون"، و"الحق في نفاذ القرارات ومهنة أعوان التنفيذ" و"العدالة في خدمة الحقوق الأساسية".

وقد تم التطرق في هذا المحور الأخير إلى مشكلات حقوق الإنسان واختلاف مفاهيمها بين الثقافتين، العربية والغربية، مما جعل بيير مازو يعترف بأنه استحوذ (من خلال مداخلاته) على كامل الجلسة الختامية، لكنه استطرد مهونا من الخلافات قائلا: "لن ندرك الكمال في هذا الأمر"، وأضاف "إنها معركة متواصلة"، في إشارة أخرى إلى الأسلوب الهادئ الذي تشاطر عبره فرنسا تداول قضايا الإصلاح في العالم العربي.

وفي المحصلة، فإن فرنسا التي "تعتزم التعاون بفاعلية، بتقديم مساندتها، لاسيما في مجال تدريب القضاة والمحامين"، كما جاء في البيان الصحفي المشترك الذي عقب المؤتمر، ورغم حرصها على إضفاء الصبغة التقنية لتحركاتها المباشرة، فإنها تُـبدي مثابرة لافتة في منازعة الولايات المتحدة دورا في قيادة عملية الإصلاح الهادئ "مع تفهم اختلاف الثقافات التي توجد القوانين والتشريعات".

وفي المحصلة، قد تكون باريس وجدت بدورها في قطر بلدا منفتحا على كل المدارس والتجارب، ومكانا نموذجيا يصلح لـ "منازلة ثقافية" مع واشنطن، رغم الثقل الاقتصادي والعسكري الهائل الأمريكي هناك.

فيصل البعطوط - الدوحة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة