تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

مُناورات ومشاورات ومواجهات هل يُـولـد الحلّ من رَحِــم رفض سيطرة الجهاديين على سوريا؟

هكذا بدت صور جدارية لرئيس سوريا الراحل حافظ الأسد وابنيه بشار وماهر بعد أن أطلق عليها مقاتلو الجيش السوري الحر الرصاص في أعقاب قتال عنيف مع القوات الحكومية في مدرسة عسكرية حاصرها الثوار في تل الشعير واستولوا عليها يوم 16 ديسمبر 2012.

(Keystone)

فيما تستمر المواجهات العنيفة في سوريا ويتواصل سقوط عشرات الضحايا يوميا، يتساءل كثيرون: أي سورية جديدة ستولد من رحم الأتون الدموي الراهن؟

هذا السؤال قد لايكون مطروحاً هذه الأيام على فصائل المعارضة السورية المختلفة، علناً على الأقل، طالما أن نظام الأسد لا يزال متمترساً في دمشق (على رغم أن كبار أركانه بدأوا ينتقلون إلى طرطوس وجبال العلويين)، وطالما أنه لايزال يملك التفوق في أسلحة الجو والصواريخ وأدوات الفتك الكيميائي.

الدليل على عدم انشغال فصائل المعارضة العلني بسؤال الولادة الجديدة بسبب انهماكها في ترتيب جنازة نظام الأسد، كان رد فعلها المفاجيء على تصنيف واشنطن لجبهة النصرة المتطرفة في خانة الإرهاب. إذ على رغم أن الإئتلاف الوطني المعارض، الذي نال مؤخراً اعتراف 120 دولة به، ينظر بعين القلق الشديد إلى هذا التنظيم السلفي الجهادي الذي لم يُخف رفضه القاطع لأي برنامج وطني لاديني في سورية، إلا أنه ندد بالخطوة الأمريكية ودافع عن دور "النصرة" القتالي. وقد عنى ذلك أن الإئتلاف غلّب ضرورات إسقاط نظام الأسد على محظورات التعاون مع تنظيم مُدان دوليا، ومرفوض - حسبما يبدو - من قِبَل كل أطياف الإسلام المعتدل.

البدائل الخارجية

بيد أن هذا الموقف "التأجيلي"  المؤقت إذا جاز التعبير، حيال مستقبل سورية، لا يلغي الحقيقة بأنه مع كل حديث أمريكي وأطلسي وأوروبي (ومؤخراً روسي) عن قرب سقوط النظام واقتراب المعارضة المسلحة من النصر، تتصاعد الضغوط الدولية والإقليمية من كل الأنواع للتأثير على حصيلة الحرب الأهلية الراهنة في بلاد الأمويين. وهذا بالطبع له تأثير كبير على التفاعلات الداخلية السورية.

فعلى سبيل المثال، تدعم كل من قطر والسعودية وتركيا (ويُقال أيضاً إسرائيل) أطرافاً سياسية ومسلحة ومتباينة إيديولوجياً في المعارضة السورية في الداخل كما في الخارج. في هذا السياق، كتبت مجلة "التايم" مؤخرا: "الفوضى واللاثقة تبتليان اثنين من الأسياد الدوليين للمتمردين السوريين وهما السعودية وقطر اللتين لم تعودا تقرآن من الصفحة نفسها حين يتعلق الأمر بتحديد مَنْ مِنَ المجموعات المسلحة التي تنبت كالفطر يجب تسليحها. وهكذا، هما تدعَمان وتُموّلان الآن فصائل متعارضة للغاية".

وما يحدث خليجياً في سورية، يتكرر بحذافيره أيضاً أوروبيا وأمريكيا، حيث تدعم واشنطن وبروكسل فصائل بعينها، مثل الإئتلاف الوطني وبعض الأجنحة العلمانية أو الوطنية في الجيش السوري الحر، وتضغط على الخليجيين لوقف دعم الفصائل الجهادية أو المتطرفة.

بيد أن اليد العليا في الداخل تبدو أكثر فأكثر للفصائل التي تتبنى شعارات الإسلام السياسي، خاصة وأن التمويل والتسليح الخارجيين (من دول الخليج) بات مشروطاً بتقديم هذه الفصائل "أوراق اعتماد" دينية من هذا النوع. هذا في حين أن الفصائل الوطنية داخل الجيش الحر، والتي انشق معظمها عن الجيش الرسمي، تبدو "فقيرة" مالياً وتسليحاً بالمقارنة مع الكتائب الإسلامية.

هذا الواقع تجلى بوضوح في شهر نوفمبر 2012 حين سيطرت المنظمات الإسلامية بالكامل تقريباً على الشمال السوري، ثم سارعت بعد ذلك إلى توحيد صفوفها. فبعد أكثر من شهر من الإجتماعات السرية، توصّل قادة المقاتلين الإسلاميين (بما في ذلك لواء الفاروق الشهير والقوي الذي يعمل أساساً في محافظة حمص، ولواء صقور الشام في إدلب) إلى تشكيل جبهة أطلقوا عليها اسم "جبهة تحرير سورية" بقيادة "أبو عيسى" الذي قال: "إننا فخورون بإسلاميتنا وبأننا إسلاميون. إننا نريد دولة ذات مرجعية إسلامية".

إلى هذه الجبهة الجديدة يجب أن تضاف "جبهة النصرة"، وهي النجم الصاعد في الإانتفاضة السورية، والمسؤولة عن معظم العمليات الإنتحارية. وعلى رغم أن للجبهة روابط مع تنظيم القاعدة، إلا أنها سورية المنشأ والمنبت. ثم إنها تُزاوج بين الإديولوجيا السلفية المتصلبة وبين المرونة البراغماتية عبر العمل المشترك مع فصائل أخرى. وهذا مابدأ يعطيها وجوداً ونفوذاً في بعض أوساط المواطنين السوريين.

وثمة أيضا منظمات سلفية شبيهة بجبهة النصرة، لكنها أقل منها نفوذاً ونشاطا، وهي فتح الإسلام، وكتائب عبد الله عزام، والقاعدة في العراق، وهناك منظمات تنتمي إلى الإسلام السياسي مثل "صقور الشام" وكتائب الأمة. أما كتائب "أحرار الشام" فهي تتأرجح بين السلفية وبين تيار الإسلام السياسي.

من سيفوز؟

كل هذه الفصائل، ومعها عدد كبير من الكتائب المسلحة التي يُقال أن عددها يناهز الـ400، سيكون معظمها في حالة حرب مع بضعها البعض حال سقوط نظام الأسد، (أو على الأقل إذا ما انسحب إلى القلعة العلوية)، للسيطرة على السلطة الجديدة في دمشق. فلمن سيُكتب الفوز؟

الكثير هنا سيعتمد على أحد احتمالين إثنين:

الأول، ما إذا كان كبار الضباط العلويين، أو بعضهم، سيقاتلون أم لا حتى الرمق الأخير مع عائلة الأسد. فإذا ما كان هذا هو الخيار، فإن الحرب الأهلية ستطول حتى ولو سقطت دمشق في أيدي الثوار، لأن قوات النظام ستتراجع إلى الساحل والجبال العلوية وتعلن من هناك أنها لا تزال الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري. وحينها ستشهد الفصائل الجهادية تصاعدا فلكياً في شعبيتها السنّية الطائفية، خاصة إذا اتخذ الصراع، كما هو متوقع، شكل التطهير العرقي أو حتى الإبادة الجماعية بين السنّة والعلويين. وهذا أمر سيكون محتم الحدوث إذا ما دعمت إيران وحزب الله هذا الخيار، ولم تكن روسيا بعيدة عنه.

الإحتمال الثاني أن تتوصل روسيا وأميركا إلى صفقة لفرض كوندومينيوم (حكم مشترك) في سورية، تكون حصيلته على الأرض منح الجيش السوري الذي لايزال معظمه متماسكاً (وإن شكلياً وبحكم الضرورة أو الخوف) دور الإشراف على المرحلة الإنتقالية. وهذا أمر بات وارداً الآن بعد أن أعلنت واشنطن عزمها على "شن الحرب" على الجهاديين السوريين، الأمر الذي يُرضي كثيراً موسكو المتوجسة من تأثير الصعود الإسلامي على آسيا الوسطى وشمال القوقاز.

في مثل هذا السيناريو، سيتم تجنّب كلٍ من سيطرة الجهاديين على "المنطقة الآمنة" في شمال البلاد الإستراتيجي، وستُعطى فرصة للوطنيين السوريين كي يُعيدوا لمّ شعث وطنهم الممزق.

أي السيناريوهين سيكون الأقرب إلى التحقق؟

من الصعب الإجابة على هذا السؤال قبل أن يتضح الموقف الروسي الذي لايزال غامضاً ومتقلباً إلى حد كبير، حيث يبدو الرئيس بوتين مًتنازعاً بين حساباته القومية المحلية التي تدعوه إلى البقاء إلى جانب الأسد ولو فقد هذا الأخير السيطرة على ثلاثة أرباع سورية لكي يتسنى له القول أنه لم يستسلم للغرب القوي، وبين حساباته الدولية البراغماتية التي قد تمكّنه من إيرام صفقة "إعادة تنظيم" (Reset) ثانية مع إدارة أوباما.

لكن، في انتظار جلاء الموقف الروسي، يمكن الجزم بأن كل الدول الإقليمية والدولية المعنية بالشأن السوري (بما في ذلك إيران وإسرائيل) لن تسمح للجهاديين أو الإسلاميين المتطرفين بأن يسيطروا على سورية.  فهذا خط أحمر ممنوع تجاوزه.

وهنا، ومن هذه النقطة الأخيرة بالذات، قد تولد المؤشرات الأولى على حل سياسي ما في سورية. ذلك أن اتفاق القوى الدولية على منع الأصوليين من السيطرة على السلطة في البلاد (بما قد يعنيه ذلك من خطر على الأمن الإسرائيلي والإستقرار الإقليمي وحتى الدولي)، قد يُفسح في المجال أمام بلورة حل سياسي، أو حل وسط بين هدفن متناقضين في الساحة الدولية - الإقليمية: إسقاط النظام أو الإبقاء عليه.

فاروق الشرع، نائب الرئيس السوري، ألمح في مقابلة نشرتها صحيفة "الأخبار" اللبنانية يوم 17 ديسمبر 2012 إلى هذا الإحتمال، حين أكد على ضرورة إيجاد حل "من خلال تسوية تاريخية سورية تشمل الدول الإقليمية الأساسية ودول أعضاء في مجلس الأمن"؛ وحين شدد على أنه لا المعارضة ولا النظام قادران على حسم الوضع عسكرياً لصالح أي منهما. هذا في حين كان زعيم حزب الله اللبناني حسن نصر الله يدلي بموقف مفاجيء تضمّن تحذير تنظيم القاعدة من أن "الأمريكيين والأوروبيين وبعض الحكومات في العالم العربي والإسلامي، نصبت له كميناً في سورية سيدفع ثمنه".

فهل ثمة رابط ما بين دعوة الشرع إلى "تسوية تاريخية" محلية - دولية - إقليمية، وبين تحذير نصر الله للقوى الجهادية من "الكمين"؟ حتما. وهو يعزز الفرضية التي أشرنا إليها في السطور السابقة من أن بدايات الحل في سورية، قد تنطلق من الرفض الدولي والإقليمي لصعود نجم الأصوليين الجهاديين في بلاد الشام. وفي حال حدث ذلك، سيكون هذا أيضاً على حساب "الأصوليين العلويين" في الجيش وأجهزة الأمن، الذين لازالوا يتمسّكون بالخيار الأمني- العسكري على رغم تأكد فشله.

لكن، وحتى لو بدأت تلوح بعض بشائر هذا الحل، فلن تكون ولادة سورية الجديدة أمراً يسيراً، بعد أن دمّر النظام معظم البلاد، ومزّق قسماً كبيراً من نسيجها الوطني، مُعمِّماً كارثة حماه العام 1982، بكل آلامها وضغائنها، على مُجمل بلاد الشام.

swissinfo.ch


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك