الحشود الشعبية وفّرت "الغطاء السياسي" لتحرّك القوات المسلحة

مصريون يعبّرون عن فرحتهم في محيط المحكمة الدستورية بالقاهرة يوم 4 يوليو 2013 إثر أداء عدلي منصور القسم بوصفه رئيسا انتقاليا للجمهورية للفترة المقبلة بعد إطاحة الجيش بالدكتور محمد مرسي، أوّل رئيس مدني منتخب بعد ثورة 25 يناير. Keystone

للمرة الثانية، نجحت حشود هادِرة في ميادين مصر المختلفة في إجبار رئيس الجمهورية على التنحي عن الحكم، وفي كلا المرتين، كان هناك دور للجيش المصري ولكن مع فوارق مُهمّة في الحالتين.

هذا المحتوى تم نشره يوم 06 يوليو 2013 - 07:00 يوليو,
د. حسن أبوطالب - القاهرة, swissinfo.ch

رغم الأعداد الرهيبة التي احتشدت في ميدان التحرير، وفي تمام التاسعة مساء الأربعاء 3 يوليو، بدأ بيان القوات المسلحة المصرية بصوْت قائدها العام الفريق عبد الفتاح السيسي. وحينها، خيّم صمْت وسُكون هائليْن، وزاغت الأبصار وبدا الترقّب على وجوه الجميع. الكل ينتظر ويحبس أنفاسه.

وحين وصل الرجل إلى البند الثالث، القاضي بإجراء انتخابات رئاسية مبكّرة، بعد تعطيل الدستور وتكليف رئيس المحكمة الدستورية إدارة البلاد مؤقتا، كانت لحْظة غريبة عجيبة، اختلطت فيها الدّموع والفرح والجُنون والإبتِسامات والبكاء وهيستريا جماعية غيْر مسبوقة، مصحوبة بتلويح الأعلام وأصوات الأبواق والصافرات والألعاب النارية بكثافة، تهد الجبال وتزلزل الأرض من تحت الأقدام. لقد نجحت الثورة في استعادة نفسها وأعادت الروح لمصر، بعد يأس وحُزن دام عاما كاملا. 

دور للجيش وعزل "غير مباشر"

إنها المرة الثانية، وفي أقل من ثلاث سنوات، التي تنجح فيها الحشود المصرية الهادِرة في ميادين مصر المختلفة في إجبار الرئيس على التنحي عن الحكم، وفي كلا المرتين، كان هناك دور للجيش المصري مع فارق مهم، إذ فى المرة الاولى (11 فبراير 2011) تنحي مبارك تحت ضغط الشارع وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة البلاد، وفي المرة الثانية (1 يوليو 2013)، استدعى الشعب عبر تواجده الهادِر في الميادين والشوارع، الجيش ليكون مناصرا له في مواجهة الرئيس مرسي وجماعة الإخوان، دون أن يُفوِّضه الحُكم.

الجيش بدوره فهم رسالة المُحتشدين في الأسبوع الأخير من يونيو 2013، وجاءت المُحصِّلة بتفاهُم كامل مع رموز سياسية مُختلفة الإتِّجاهات، من بينها تيار الإسلام السياسي وروحية ممثلة في شيخ الأزهر والبابا تواضروس وشبابية من حركة تمرد. وخلّص التفاهم إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكّرة، وهو المطلب الأساسي الذي رفعته الجماهير المحتشدة في الميادين ولم تتنازل عنه، وبدء مرحلة انتقالية جديدة لمدّة محدودة، يُعطَّل فيها الدستور، ويُدير خلالها رئيس المحكمة الدستورية العليا شؤون البلاد، لاسيما الإعداد لانتخابات رئاسية مبكّرة وإجراء مصالحة شامِلة وتشكيل حكومة كفاءات قوية.

المهم، أن بيان القوات المسلحة لم يُشر صراحة إلى عزل الرئيس محمد مرسي، بينما أشار بصورة غير مباشرة إلى مسؤولية الرئاسة فيما وصلت إليه الأمور من انسداد سياسي مُركب أثار موجة احتجاجات غير مسبوقة على مدى عدة شهور متواصلة، وذلك نظرا لعدم استجابة الرئاسة للمبادرات الخاصة بالحوار الشامل مع القوى السياسية والإصرار على رفْض التقديرات الاستراتيجية التي قدمتها القوات المسلحة بشأن المخاطر والتهديدات التي تواجه الأمن القومي والسياسات الواجبة، لتخطّي هذه التهديدات، الأمر الذي دفع جموع المصريين للنزول إلى الشوارع، مطالبين برحيل الرئيس وإجراء انتخابات رئاسية مبكّرة.

تصرفات الرئيس وأخطاؤه 

المهم، أن الحشود الشعبية التي فجّرتها حركة تمرد ضدّ الرئيس مرسي، وكانت نتيجة فِكرة بسيطة لأربعة من الشباب، طُرحت للمرة الأولى قبل شهرين، سُرعان ما تحوّلت إلى حركة شعبية جارِفة، جسّدت حالة غلَيان وغضب شعبي من حكم الرئيس مرسي ومن ورائه جماعة الإخوان، وساعد على ذلك عدّة عوامل؛ أهمها، أن تصرفات الرئيس وقراراته، كانت نتيجة تدخّل مباشر لجماعة الإخوان ومكتب الإرشاد، ولم تكن نتيجة تشاوُر مع مؤسسات الدولة المختلفة، وفقا لما تقتضيه الأعراف والدستور، مما أوقع الرئيس في عدد كبير من الأخطاء القانونية والدستورية، أبرزها إصداره منفردا الإعلان الدستوري في 21 نوفمبر 2012، الذي حصّن قراراته في مواجهة باقي مؤسسات الدولة، وهو الإعلان الذي أثار في حينه احتجاجات شعبية كبيرة وأفرز علاقة غيْر صحية بين الرئاسة ومؤسسة القضاء، ظلت تتفاعل سلبيا إلى الحدّ الذي شكّل أزمة ثقة عميقة وعرّض الكثير من القرارات الرئاسية للبطلان والعوار القانوني، في حين تمثلت مساعي جماعة الإخوان وحلفائها، في سَـنّ تشريع يُنظّم مؤسسة القضاء، قِوامُه التخلّص من أكبر عدد مُمكن من القُضاة وإحلالهم بمحامين تابعين للجماعة، مما رفع من جدران عدم الثقة عاليا.

كذلك، شكّل نشر الكوادر الإخوانية في المواقع الإدارية والمناصب المختلفة، استفزازا مباشرا حتى بالنسبة للقوى التي ناصرت جماعة الإخوان في مراحل سابقة، لاسيما السلفيِّين، فضلا عن عدم الإلتزام بالوعود التي قطعها الرئيس على نفسه، خاصة تجاه القوى السياسية والشبابية التي ناصرته وأيّدته إبّان الإنتخابات الرئاسية في مواجهة الفريق أحمد شفيق، ومُحاباة الجماعات الإسلامية، ذات التوجهات العنيفة والتكفيرية، بحيث أصبح لها صوْت عالٍ وتحرّكات عديدة، سياسيا وإعلاميا ودعويا، صبّت جميعها في إثارة الكراهية والتلويح بالعُنف في مواجهة المخالفين للمشروع الذي تُـبشِّر به هذه الجماعات.

كابوس عظيم وكآبة كبرى

كانت محّصلة حُكم الرئيس مرسي وجماعة الإخوان في عيون النِّسبة الأعظم من المصريين، محصِّلة كئيبة، تتصادم مع طبيعة الشخصية المصرية الوسطية في إيمانها وقناعاتها السياسية والتزامها بالتعددية والقِيم المدنية للدولة والمجتمع. كان الأمر بالنسبة للغالبية، أشبه بكابوس جاسِم على الصدور. الأمر الذي يُفسِّر تلك الفرحة العارمة التي اجتاحت المحتشدين في الميادين، عقب إلقاء بيان الفريق السيسي.

أخطاء الجماعة في الحكم، لها ما يُفسِّرها استنادا إلى تاريخ الجماعة نفسها ومنظومتها الفِكرية، وهي المُنغلقة على نفسها والمتشكّكة في الغير، والمؤمنة بأن استمرارها طوال 80 عاما، رغم الضغوط السياسية والأمنية عليها، يعني أنها على الحق والآخر على الباطل، وما دامت قد وصلت إلى حكم مصر، فإن من حقّها التفرّد بهذا الحُكم وحقّها المُطلَق في أن تعيد تشكيل بِنية الدولة والمجتمع، قياسا على الأفكار الإخوانية.

وكان التسرّع في الإجراءات والتفرّد بالقرارات والإستعلاء على الآخرين، أسبابا كافية في نظر المجتمع المصري، بأن هذا النوع من الحكم المتصادِم مع ثورة يناير 2011 وأهدافها الكبرى، لا يجب أن يستمر، لأن في استمراره خراب للطابع المدني الأصيل للدولة المصرية، ناهيك عن الآثار المُباشرة للسياسات التي جلبت الإنكماش الإقتصادي وعمّقت الأزمة الإقتصادية وأثارت التوتر مع دول عربية، لا يتصوّر المصريون الدخول معها في نزاع سياسي أو اقتصادي، كدولتي الإمارات والسعودية، ناهيك عن خصوصية العلاقة مع حركة حماس في غزة وتأثيراتها السلبية العميقة على الأمن القومي، خاصة في سيناء، وشعور المصريين جميعا بأن المصالح العُليا لمصر في مياه النيل، باتت في مهبّ الريح، نتيجة أخطاء جسيمة ارتكبها الرئيس مرسي ومعاونوه غير المؤهَّلين تجاه إثيوبيا وملفّ سد النهضة تحديدا.   

وكان خطاب الرئيس مساء الثلاثاء الثاني من يوليو، والذي أكد فيه على شرعِيته ورفضِه التجاوُب مع مطالب المُظاهرات الشعبية، ومن قبل خطابه في 26 يونيو الذي اتهم فيه القُضاة بالتزوير والإعلام بالتضليل، ومتوعِّدا المصريين بعدم الرّجوع عن قناعاته في الحكم، بمثابة النهاية له والمُبرِّر الأكبر لتمسّك الجموع الغاضبة بمطلب إجراء انتخابات رئاسية مبكّرة.

إشكاليات نظرية وأخرى عملية

مع ذلك، فإن الطريقة التي عُـزِل بها الرئيس مرسي وانتهى بها حُكم الجماعة في مصر بعد عام واحد فقط، ما زالت تُـثير اشكاليات نظرية وعملية عديدة، لعلّ أبرزها العلاقة بين الطريقة التي عُـزل بها الرئيس بمساندة من الجيش وعملية التحوّل الديمقراطي، ومستقبل التيار الإسلامي السياسي، ومستقبل الجماعة نفسها والمدى الذي يمكن أن يصل إليه المصريون، تحت مظلة المصالحة الشاملة.

فالمدافعون عن مرسي، استنادا إلى مفهوم شرعية الانتخاب ونتائج الصندوق، يحصرون شرعية الحاكِم بما تأتي به الإنتخابات، ولا يلتفتون كثيرا إلى الشق المعنوي المتعلّق بالرضا الشعبي والقبول المجتمعي، ويعتقدون أن نتائج الصندوق هي تفويض مُطلَـق باتِّخاذ القرارات والسياسات، حتى ولو كانت تخِلّ بالتوازن العام في الدولة والمجتمع، وبالتالي، فإن أي خروج على الحاكِم ومطالبته بتغيير سياساته أو إعادة الإستفتاء على وجوده في سدّة الحُكم، هو لغو مرفوض.

المصريون البُسطاء الذين عانَـوا من تردّي الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والأمنية ولم يستوعِبوا فِكرة هيْمنة جماعة على بلد كبير بحُكم مصر، ولم يتقبّلوا الضّرب بعرض الحائط، التوازُن بين المؤسسات، لاسيما القضاء والرئاسة والتشريع، وباتوا يشعُرون بقلق على مصيرهم الذاتي وعلى مصير أبنائهم، كان لهم القرار الأخير في ضرورة التغيير ووقْف الإستيلاء على الدولة المصرية، خاصة وأن جماعة الإخوان ظلّت على سرِّيتها في العمل ولا يُعرف عنها الكثير، لا من حيث عدد الأعضاء ولا مصادر التمويل ولا العلاقة مع فروعها الخارجية، ولا المدى الذي وصلت إليه في علاقاتها مع الجماعات التكفيرية والجِهادية العنيفة.

الجيش.. "ضرورة وأمان"

جاء قرار المصريين بالتّظاهر والإلتِفاف حول حركة تمرّد، مصحوبا بغِياب القيادة السياسية التي يلتف حولها المصريون، إذ رغم وجود رموز عديدة تحت مِظلّة جبهة الإنقاذ وشخصيات أخرى مستقلة، ذات سُمعة طيِّبة إجمالا، فإن افتِقاد القائد القادر على جذْب الجماهير وتعبِئتها وراء هدَف كبير، جعل البديل مُتمثِّلا في القوات المسلحة، باعتبارها المؤسسة الوطنية القادِرة على تلبية النِّداء وتوفير الحماية للمُتظاهرين والمُساهمة في تغيير قواعد اللعبة.

وهكذا، وفّر المتظاهرون والحشود الغفيرة، الغطاء السياسي لتحرّك القوات المسلحة، وهي صيغة مُبتكرة، قِوامها الضغط الشعبي أولا والتحرك المؤسسي ثانيا، ومن ثَـمّ لا تنطبِق عليها المواصفات الكلاسيكية للإنقِلابات العسكرية المعروفة تاريخيا. صحيح، هناك مَن يراها انقِلابا ناعِما أو "ما بعد حداثي" جريا على استخدام المصطلحات الغربية، لكن قناعة الغالبية العُظمى من المصريّين، تتلخص في أن تلك ثورة أخرى نجحت في استرداد ثورة ضاعت من قبل، وهي ثورة قِوامها غضب الناس وحشودهم وإصرارهم على التغيير. أما مشكلة المصطلحات والتعبيرات، فلا تهم المصريين في شيء.      

غير أن مؤيدي الرئيس مرسي المعزول، يرون الأمر بعين أخرى، وبدلا من التمعّن والتأمّل في أسباب الإخفاق الكبير في أقل من عام، كان قرارهم التمسّك بشرعية الرئيس واعتبار ما حدث انقلابا عسكريا، يجب معارضته والجِهاد ضده وتأليب العالم كلّه على مصر وعلى جيْشها، وهو ما يعتبره أنصار ثورة 30 يونيو مثل "نوع من الخيانة الوطنية واجبة الحِساب العسير"، حسب رايهم.

بين الإنتحار السياسي واستيعاب الدرس

التحرّكات المُضادة لجماعة الإخوان ومناصريها، في طور الحشد والتعبِئة والتهديد بمواجهة الجيش وجموع المصريين وعِقابهم على موقِفهم الرّافض من حُكم الجماعة، بدأ يحصد بعض النتائج على الأرض، مثل المواجهات بين مناصري الجماعة وجموع المصريين الفرِحة بالتغيير في عدة مدن، ونشْر العديد من الإشاعات في مواقع التواصل الإجتماعي حول انقسامات في الجيش وبث الخوف في نفوس المصريين، مما سيأتي لاحقا، ودعوة المؤيِّدين للإحتشاد في مواقع مُعيّنة والزّحف منها على مؤسسات الدولة.

والظاهر، أن كلا من الجيش والداخلية المصرية على استعداد تامّ لهذه التّعبِئة الإخوانية، التي تستهدف إثارة الإنقسام في المجتمع ودفعه للإحتراب الأهلي، وهو ما كان الرئيس مرسي قبل عزله، قد أكد عليه في خطابه مساء الثلاثاء 2 يوليو، بأن البديل الوحيد لشرعيته، هو الإقتتال والعنف وسفْك الدّماء، وِفقا لنصّ كلماته، وهو الخطاب الذي مثّـل دافِعا آخر للمصريين للإحتشاد بكثافة غيْر معهودة يوم الأربعاء 3 يوليو، انتظارا لقرار القوات المسلحة، بعد مهلة الثمان والأربعين ساعة.    

والمؤكّد، أن تورّط الجماعة ومناصريها في عنف ضد المصريين جميعا، سيعني انتحارا سياسيا وفكريا بامتياز. أما إن وجد بعض العقلاء، خاصة من الأجيال الشابة، في الجماعة أن القرار الأمثل هو نقْد تجرِبة قيادة الشيوخ الفاشِلة والتبرُّؤ من مَثالِبها العديدة، ومن ثَمّ الإندماج في حركة المجتمع نحو الديمقراطية والعدالة والمشاركة لكل المصريين، والإنصياع للقانون والدستور، فالمرجّح أن تكون هناك جماعة للإخوان أكثر تصالُحا مع نفسها ومع المجتمع المصري ككل.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة