Navigation

المُهاجرون السّريّون الأفارقة يتحولون إلى صُداع مغربي

مهاجران افريقيان يجلسان أمام باب إحدى الغرف في مركز "تويزغ" المُخصص لاحتجاز المهاجرين غير الشرعيين الواقع على الحدود بين المغرب والجزائر (صورة من الأرشيف). Keystone

رغما عنه، يدفع المغرب منذ فترة تكلفة مضاعفة للأزمة المالية الأوروبية في مجال الهجرة، لكنه يتجه الآن بخطى حثيثة للتخفيف من أعبائها بعد أن توسّعت تداعياتها لتحمِل أبعادا حقوقية وإنسانية وصلت إلى حد صدور اتِّهامات بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان وبالعنصرية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 19 سبتمبر 2013 - 17:00 يوليو,
محمود معروف - الرباط, swissinfo.ch

هذه التطورات دفعت الرباط للإسراع في اتخاذ إجراءات تُبدّد هذه الإتِّهامات وتقدِّم المغرب بلدا يحترم الآخر ومستقرا للمُهاجرين في إطار القانون، الذي يتطابق مع المعايير الدولية، ويحترم التِزاماته في مجال النهوض بحقوق الإنسان وحمايتها. هذه التطورات دفعت الرباط للإسراع في اتخاذ إجراءات تُبدّد هذه الإتِّهامات وتقدِّم المغرب بلدا يحترم الآخر ومستقرا للمُهاجرين في إطار القانون، الذي يتطابق مع المعايير الدولية، ويحترم التِزاماته في مجال النهوض بحقوق الإنسان وحمايتها.

وللتأكيد على الأهمية التي توليها الدولة المغربية لهذا الملف، ترأّس الملك محمد السادس يوم الثلاثاء 10 سبتمبر 2013 بالقصر الملكي بالدار البيضاء، جلسة عمل ضمت الوزراء وكِبار المسؤولين المغاربة المعنِيين، خُصِّـصت لتدارس مختلف الجوانب المُرتبِطة بإشكالية الهجرة، على ضوء التقرير الذي أعده المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في أفُـق بلْـوَرة سياسة شاملة جديدة لقضايا الهجرة بالمغرب، بعد أن أصبحت المملكة أرضا لاستقبال المهاجرين، حيث تضاعف عدد الوافدين من الدول الواقعة جنوب الصحراء أربع مرّات في الفترة الأخيرة.

سياسة جديدة للهجرة 

وفيما بعد، أفاد بلاغ صادر عن وزارات الداخلية والشؤون الخارجية والتعاون والعدل والحريات أن "سياسة المغرب الجديدة في مجال الهجرة، ستتبلور في مخطّط عمل يتمحور حول أربعة محاور رئيسية، وردت في تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان.. حيث سيتم تنفيذ هذه السياسة وِفق مقاربة تشارُكية مع هذه المؤسسة وبتشاور مع مُختلف الفاعلين الآخرين المعنيين.

وأوضح البلاغ أنه "بخصوص اللجوء، سيتم بشكل فوري إطلاق مسلسل لتأهيل الإطار القانوني والمؤسساتي الوطني، وذلك من أجل تمكين المملكة من نظام للتّدبير، يتطابَق مع المعايير الدولية ويحترم التِزاماته في مجال النهوض بحقوق الإنسان وحمايتها. وفي انتظار ذلك، ستُعطى الأولوية في المعالجة لحالات الأشخاص المتوفِّرين حتى اليوم، على وثائق مُسلَّـمة من قِبل ممثلية المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الرباط".

أما بالنسبة للأجانب الموجودين في وضعية إدارية غيْر قانونية "فقد أعطِيَـت تعليمات إلى السلطات المختصّة من أجل مواصلة دراسة حالات الأشخاص المقيمين بشكل غير قانوني، وذلك في احترام تامّ للقانون وحِرص على حماية حقوقهم وكرامتهم"، حسب نص البيان

"بلد استقرار" بدل "بلد عبور"

الدكتور الحسان بوقنطار، الباحث المغربي في العلاقات الدولية يرى أن الإجراءات المغربية الجديدة، مرتبطة بالتحوّلات التي عرفتها الهجرة نحو المغرب، خاصة الهجرة الإفريقية، حيث أن الأزمة الإقتصادية التي يعرفها العالم وأوروبا تحديدا، جعلت منه تدريجيا بلد استقرار للمهاجرين الأفارقة من دول جنوب الصحراء، بدل بلد عبور، خاصة أن الهجرة الإفريقية نحو المغرب، تكثَّـفت خلال السنوات الماضية، لأن الأزمة الإقتصادية في بلدان الشمال ترافقت مع تشديد الإجراءات الأمنية الأوروبية، إن كان لارتباطها بمكافحة الإرهاب أو مكافحة الهجرة السرية، وأيضا تصاعُـد الاضطرابات في عدد من دول القارة الإفريقية، خاصة غربها، حيث أن الهجرة قادمة من دول فقيرة، وهي ناتِجة عن أسباب سياسية أو اقتصادية، وأيضاً بسبب غياب تعاون حدودي، وهذا لا يمكن أن يتم التحكّم فيه، إذا لم يكن تعاون بين الدول في تأمين الحدود والتعاون التنموي.

بوقنطار أوضح لـ swissinfo.ch أيضا أنه "أمام انسداد الحدود الأوروبية بوجه المهاجرين، وبحُكم وضعية المغرب الإفريقية، جغرافيا وتاريخيا، بدأنا نشاهد حضورا للمواطنين الأفارقة من دول جنوب الصحراء في مختلف المدن المغربية، بل وفي أحيائها الشعبية، ليس فقط مهاجرين سريِّين أو لاجئين، بل عمّالا في مِهَـن مختلفة، بل إن الأزمة الإقتصادية جعلت مُدنا مغربية، خاصة في الشمال، تستقبِل مواطنين أوروبيين، خاصة من إسبانيا وفرنسا، يبحثون عن استثمار عمل في قطاعات إنتاجية عديدة".

"مهمّـة قذرة ضد حقوق الإنسان والدستور المغربي"

كان المغرب البلد المُصدِّر للهجرة الشرعية والسرية، ومنذ أن باتت الهجرة الإفريقية، خاصة السرية، من دول جنوب الصحراء نحو أوروبا عبْر دول شمال إفريقيا، ظاهرة مُقلقة للأوروبيين، مقصدا لتكليفه بالمهمّة الأساسية للحد من الظاهرة كحارس، مقابل مساعدات تقنية أو مِنَـح مالية، حيث "كانت أوروبا تنتظر من المغرب أن يكون دَرَكيّا وفرضت عليه مهمّة قَـذِرة، وهي القبول باستقبال المهاجرين السريِّين المُرحّلين، على أساس إعادة الترحيل إلى آخر نقطة خرج منها هؤلاء قبْل دخولهم لدول الاتحاد الأوروبي، وهي مهمّة "ضدّ حقوق الإنسان والدستور المغربي الجديد".

وقال بلاغ الوزرات المغربية الثلاث إن "المغرب انتقل من وضْع بلدٍ مُصدِّر للهجرة أو بلدٍ للعبور، إلى بلدٍ مُستقبِل للمهاجرين، وأن هذه الرؤية تعزِّز السياسة الجديدة الخاصة بإفريقيا، والتي تكرّس توجّه المغرب كأرض للإستقبال وعلاقاته العريقة مع إفريقيا، والتزامه الدائم من أجل التنمية البشرية، لاسيما ما يتعلّق بتكوين الموارِد البشرية وتعزيز السلام والأمن، والنهوض بالعمل الإنساني في إفريقيا".

وأكّد البلاغ الصادر عن الوزارات أيضا أن "السلطات المغربية ستُواصِل تصدّيها لشبكات تهريب المهاجرين والإتِّجار بالبشر. وفي هذا السياق، سيتم وفي أقرب الآجال، تعزيز الإطار القانوني والقيام بخطوات تحسيسية في هذا المجال، إلا أنه اعتبار لِما يتطلّبه استقبال المهاجرين من إمكانات لتوفير الظروف الملائمة لإقامتهم وتمكين المقيمين منهم بطريقة شرعية، في إيجاد فرص للعمل، وأسباب الإندماج الإقتصادية والإجتماعية وشروط العيش الكريم، فإن المغرب لا يمكنه استقبال جميع المهاجرين الوافدين إليه".  

تنامي العنصرية ضد المهاجرين الأفارقة 

الدكتور بوقنطار قال لـ swissinfo.ch: "إن شركاء المغرب، خاصة الإتحاد الأوروبي، هم أيضا معنِيّون في المقام الأول بالمعطى الجديد للهجرة، ويتعيّن عليهم أن يُبرْهِنوا على مزيد من الإلتزام الملموس في دعمهم لتنفيذ هذه السياسة المغربية الجديدة في مجال الهجرة، كما يتعيّن كذلك على دول الجِوار أن تلتزِم موقِفا مسؤولا، لكونها معنِية بنفس القَدر بإشكالية الهجرة على المستوى الإقليمي". وأضاف بوقنطار "على أوروبا أن تفعل أكثر وأن لا تبقى مَهوُوسة بالبُعد الأمني، وإن كان هذا هاما ويحتاج للتعاون بين جميع الأطراف، لكن ذلك لابد من أن يكون ممزوجا بالبُعد التنموي، أي أن تبذُل أوروبا مجهودا تنمويا أكبر، بالقيام بمشاريع تنموية تدخل في إطار تعاون مغربي إفريقي"، حسب رأيه.

ميدانيا، تصاعدت في الآونة الأخيرة وتيرة الحديث عن تنامي العُنصرية ضدّ المهاجرين من جنوب الصحراء المقيمين في المغرب، خصوصا بعد مقتل المهاجر السنغالي إسماعيلا فاي قبل حوالي شهرين في الرباط، على يد مُواطن مغربي، بعد نزاع حول مقعد داخل الحافلة، إضافة إلى إجراء تمثل في اعتقال عدد من المهاجرين من جنوب الصحراء الغيْر شرعيين من طرف السلطات المغربية وترحيلهم نحو بلدانهم الأصلية، وهو ما تعتبِره المنظمات الحقوقية خَرْقا لحقوق الإنسان التي تنصّ عليها المواثيق والإتفاقيات الدولية، التي صادق عليها المغرب.

في نفس السياق، نظم ناشطون مغاربة ومهاجرون أفارقة من دول جنوب الصحراء وقفة أمام البرلمان المغربي بالعاصمة، داعين لوقْف هذه المُمارسات العُنصرية على المهاجرين، وحثوا الحكومة والمسؤولين والمواطنين المغاربة، بالكفّ عن الممارسات العُنصرية والعمل على إقرار مبدإ المساواة بينهم وبين المواطنين المغاربة ومحاربة التمييز في حقّهم وتسوية أوضاع المقيمين منهم في المغرب بشكل غيْر قانوني، مردّدين شعار "باركا (يكفي) من العنصرية.. احترموا حقوق المهاجرين!".

وفي تصريح له، قال أحمد الهايج، رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إحدى الهيئات المنظمة للوقْفة: "إنّ الإنتهاكات التي يتعرّض لها المهاجرون القادِمون من جنوب الصحراء، والمتمثلة في المُطاردات والإعتقالات الجماعية والترحيل الجماعي، دون خضوع للإجراءات والقوانين المعمول بها في مجال الهجرة، يؤكّدها التقرير الصادر عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والذي يؤكد وجود هذه الخروقات التي تعمّدت الدولة، عبْر بيانات وزارة الداخلية، إلى نفي حدوثها".

امتحان صعب

من جهتها، أشارت جمعية الريف لحقوق الانسان، إلى أن هناك أفكارا خاطئة يتِم ترويجها عن المهاجرين غيْر النظاميين القادمين من جنوب الصحراء الكبرى صوب المغرب، ما يُساهم في تعزيز الصورة النَّمَطية لدى العموم حول الهِجرة، خاصة وأن المغاربة المقيمين في الخارج، كانوا وما زالوا يُعانون في دول المهجَر من ذات المعاملات، ولو بمُستويات أقل حدّة.

ويقول الدكتور الحسان بو قنطار: "إن الواقع الإجتماعي والإقتصادي المغربي، خلق نوعا من الإحتكاكات السلبية بين المواطنين المغاربة والمهاجرين الأفارقة، وهو ما يستلزم مُقاربة جديدة تخلق توازُنا بين احترام كرامة هذا المهاجر واحترام توازُن الإمكانيات الإقتصادية والتزام السلطات بتحديد الجِهات والإختصاصات تُجاه المهاجرين، إذ لم يعد مقبولا أن تكون مثلا سلطة الإختِصاص في الإبعاد للشرطة، إذ لابد للقضاء أن يقول كلمته من خلال إشراك المجتمع المدني والقيام بحملات تحسيسية للتعريف بحقوق المهاجرين، لامتصاص ما يقع بين المواطن المغربي وهؤلاء الأشخاص إنسانيا، وحماية كرامتهم. كما أن الإجراءات، لكي تكون مُنسجمة مع الدستور المغربي الجديد، تستلِم تحديد المركز أو الوضع القانوني والمجتمعي للمهاجِر وتشجيعه على الإندماج، مثل المشاركة في الإنتخابات المحلية، وهو ما ينسجم مع سعْي الدولة المغربية للحِفاظ على حقوق المهاجرين المغاربة في العالم".

إنه امتحان صعب أمام الدولة والمجتمع في المغرب يتلخص في كيفية إيجاد انسجام بين المطالبة بحقوق المهاجرين المغاربة في الدول المستقبِلة للهجرة ومنح المهاجرين الأفارقة بالمغرب حقوقا مماثلة، لكن البعض يرى أن تجاوزه بنجاح مُمكن، خاصة وأن الدول الأوروبية التي ضغطت على الرباط لاتِّخاذ إجراءات ضد المهاجرين، تصفها باللامُنسجِمة مع حقوق الإنسان، تجد نفسها اليوم مُتحفِّزة على تشجيع المغرب للمضي قدما نحو خُطوات أوسع لاحترام هذه الحقوق.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.