تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

نحو فوضى إقليمية عارمة

(swissinfo.ch)

يمثل العدوان الهمجى الإسرائيلي على مقرات الرئيس عرفات بمدينة رام الله اكثر من مجرد رد على ما يسمى بالمبادرة العربية للسلام، إذ يفتح الباب أمام تطورات كبرى فى المنطقة بأسرها.

وتبدو نذر الفوضى السياسية والأمنية والعسكرية جلية فى الافق، خاصة وان العدوان الإسرائيلي يجد الدعم والتأييد والمباركة من الولايات المتحدة ، وأما ردود الفعل العربية فتتوقف عند حد الإدانة والمناشدة، وباقى العالم يدين بقوة ولكنه يعجز علن التحرك العملى.

فوفقا لما أعلنته حكومة شارون أن حملتها العدوانية قائمة على ثلاثة عناصر؛ الأول أنها حملة عسكرية طويلة وممتدة ضد الفلسطينيين وضد ما يراه الإرهاب الفلسطيني ولذلك تم استدعاء الاحتياطي، وثانيا أنها لا تعرف الحدود الجغرافية، وثالثا أنها لا تهدف الى المس شخصيا بالرئيس عرفات رغم اعتباره عدوا لإسرائيل، لكن دون توضيح ماذا يعنى هذا المس الشخصى، لاسيما فى حال الحصار المطبق وقطع سبل الحياة عن الرجل ومن معه.

أما فلسطينيا فقد تمثل الرد المباشر فى ثلاثة عناصر مقابلة، الأول عدم استسلام القيادة الفلسطينية، وإعلان الرغبة واستعداد فى الاستشهاد، والثاني توحد الفصائل الفلسطينية ـ حتى تلك التى ترى ان السلطة الوطنية الفلسطينية وقيادة عرفات قد اقترفت أخطاء كبرى فى حقه اـ من أجل الدفاع عن الشعب الفلسطينى ومواجهة العدوان، والثالث عمليتان استشهاديتان فى عمق القدس الخاضعة لرقابة أمنية شديدة، إحداهما قامت بها فتاة فلسطينية فى عمر الزهور.

على الصعيد العربى، فقد اتسمت ردود الفعل العربية الرسمية بالإدانة للهجوم والنظر اليه كتطور خطير وكرد على الموقف العربى الراغب فى السلام الشامل، ثم التركيز على الاتصال بالإدارة الأمريكية لضمان الأمن الشخصى للرئيس عرفات ليس إلا. وفى كل الأحوال عكست المواقف العربية الرسمية عمق الحرج الذى يواجه القادة العرب، والإحساس بقلة الحيلة، لاسيما وان الإدارة الأمريكية قد باركت العدوان الاسرائيلى واعتبرته دفاعا عن النفس!!

مقومات إسرائيلية

تمثل هذه المدخلات خير تعبير عن حالة الارتباك والتخبط التى دخلت فيها المنطقة برمتها، وهى حالة تفتح أبواب الجحيم على الجميع، حتى هؤلاء الذين يتصورون انهم بمنأى عن أى تأثيرات عضوية. وكأى حال ارتباك وتخبط ، فإن الفوضى العارمة تبدو النتيجة المنطقية، لاسيما وان العنصر الحاسم فى كل ذلك يتمثل فى شخص شارون، الذى يتسم بالمغامرة غير المحسوبة والكذب والاستمتاع بالحرب الدائمة، وإذا اضفنا الى ذلك حالة التطرف النفسى والسياسى التى يعيشها الإسرائيليون، وشيوع الرغبة فى الانتقام من الفلسطينيين ، تصبح النتيجة ان حصار عرفات شخصي، واعتقال من كانوا معه، والإرجح الإقدام على قتله، ليس الا سوى الخطوة الأولى لتغيير البناء السياسى الفلسطينى برمته.

وهنا يمكن للمرء ان يتصور، ووفقا للعناصر الحاكمة للسلوك الإسرائيلي العدوانى، ان يتم التخلص من الرئيس عرفات شخصيا وإعادة احتلال الأراضي الفلسطينية، والبحث عن قيادات محلية بديلة تكون عميلة بمعنى ما للإسرائيليين وتقبل ما يعرضونه عليهم من استسلام وذل ومهانة.

وفى ظل حال التطرف والمغامرة التى تسيطر على المؤسسات الإسرائيلية، قد لا تكون مثل هذه النهاية كافية، خاصة وان ردود الفعل العربية والدولية لم تتجاوز بعد حد الإدانات اللفظية التى لا تغير كثيرا من الحقائق على الأرض.

إذ من المتصور أن تتطور الحملة الإسرائيلية الهمجية الى اعتبار أن طرد عدة آلاف من الفلسطينيين الى الدول المجاورة هو الحل الأكثر أمنا لإسرائيل ولحركة الاستيطان الصهيونى الجشعة، وبذلك يتحقق ما يُتصورونه الخلاص الأبدى من الصداع الفلسطينى.

وعلينا هنا أن نتذكر هنا قول بن اليعازر ، وزير الحرب الإسرائيلي ان هذه الحملة لا تعرف حدودا جغرافية وانه قد تم الاحتياط جزئيا، فيما يؤشر الى أن نية قصر حدود الحرب فى الاراضى الفلسطينية ليست موجودة، وأنها بالتالى قابلة للانتشار عبر تلك الحدود الى البلدان المجاورة.

وتبدو المؤشرات الجارية مرجحة وبقوة للانصياع الاسرائيلى للسير فى هذا الطريق الى آخره ، فالدعم الامريكى جاهز دوما لتقديم التبرير والتغطية السياسية، ووقف الإجراءات المضادة لإسرائيل، وكبت ردود الفعل العربية والدولية. أليست اسرائيل هى طفل امريكا المدلل!!

عدوان إسرائيلى وحرب إقليمية

ليست هناك خيارات كثيرة لدى الفلسطينيين سوى التمسك بالأرض من ناحية، والمقاومة بكل أشكالها من ناحية أخرى. وكما أن الإسرائيليين لم يعودوا يعرفون حدودا لحملتهم العدوانية ، فإن المقاومة الفلسطينية ، وكما اثبتت قدرتها مرارا على اختراق كل الحواجز الاسرائيلية الامنية والعسكرية ، فهى لن تعدم الوصول مرات ومرات الى عمق اسرائيل وفى اماكن عدة ، تذكر بأن الحل الامنى الشارونى سيظل مستحيل التحقيق .

وفى حال هجمات مقاومة فلسطينية قادمة لا محالة فى العمق الاسرائيلى، قد يجد شارون أن مغامرة عسكرية خارج الحدود من شأنها أن تخفف الضغط عليه فى الداخل، ومن شانها أن تذكر بما يعتبره اليد الطولى الاسرائيلية. ومن ثم يصبح التحول الى حرب إقليمية مسألة حتمية. وهنا علينا ان نتذكر أيضا ان تاريخ حكومات ما يسمى بالوحدة الوطنية او الائتلاف بين اكثر من حزب، مرتبط دائما بالحرب والعدوان على الجيران.

والنتيجة نفسها، اى شن حرب اقليمية أو الوقوع فى براثنها، يمكن توقعها بسهولة فى حال قيام الجيش الاسرائيلى بتجميع أعداد من الفلسطينيين لغرض طردهم الى خارج أراضيهم الفلسطينية الى البلدان العربية المجاورة .

ولعل الاردن ومصر اكثر البلدان المرشحة ، من وجهة النظر اليمينية الاسرائيلية، باستقبال هؤلاء الفلسطينيين. ومعلوم جيدا ان شارون لم يلغ قط من تفكيره العدوانى ان الاردن هو بديل الدولة الفلسطينية. وفى حال حدوث مثل هذه العملية التى تذكر بمجريات الطرد الجماعى والتهجير القسرى لعدة آلاف من الفلسطينيين الى خارج وطنهم الام إبان حرب 1948، فليس هناك من مفر أمام الاردن أو مصر من الحفاظ على امنهما وحدودهما، والعمل على الحيلولة دون ذلك التهجير.

وفى حال مثل ذلك فإن اتخاذ خطوات عسكرية ضرورية من منطلق الامن المصرى والاردنى تخالف ما ورد فى المعاهدات الموقعة بين هذين البلدين العربيين والكيان الصهيونى، يبدو أمرا منطقيا وقد لا يكون هناك مفر اخر، ومن ثم تنزلق المنطقة الى مواجهات عسكرية.

وحتى فى حال تصور أن يقبل الأردن استضافة عدة عشرات من الفلسطينيين المهاجرين الجدد ، فإن طبيعة المملكة نفسها سوف تتغير، والاستقرار السياسى الذى تتمتع به سيصبح محل تساؤلات جدية ، وفى كل الأحوال سيكون موضوع المعاهدة الاردنية الاسرائيلية، او المعاهدة المصرية الاسرائيلية محل شك كبير.

مذابح جماعية للفلسطينيين

ان خيار الفلسطينيين التمسك بأرضهم ليس محل شك، بيد ان الدخول فى مواجهات جماعية مع الجيش الاسرائيلى المدجج بالاسلحة الثقيلة، حتى وان اسفرت هذه المواجهات عن إصابات كثيرة فى صفوفه جنود الاحتلال، فإن النتيجة المنطقية ان يكون هناك حمام دم فلسطينى يذكر بما هو اكثر من مذابح المسلمين فى كوسوفا على يد القوات الصربية. ومقابل الدم الفلسطيني، سيكون هناك دم اسرائيلى فى عمق اسرائيل نفسها.

قيادات فلسطينية بديلة

ان البحث عن قيادات فلسطينية بديلة تقبل بما يفرضه شارون ومن ورائه، يبدو أمرا مستبعدا او لا قيمة فلسطينية له لأسباب عدة؛ أن هذه القيادات لن تكون لها شرعية فلسطينية، وحتى فى حال تنصيب اسرائيل بعض الشخصيات الفلسطينية العميلة ، لن تقدر على السيطرة على الشارع الفلسطيني، ولن يكون لها اى شرعية عربية، وبالتالى ستظل مجرد دمية اسرائيلية لتمرير الاحتلال واستمراره والتغطية على المجازر والفظائع.

ومن ناحية أخرى، وكما هو معلوم فإن الفصائل الفلسطينية الأخرى سواء الإسلامية او القومية او الوطنية، او تلك التى ستنشأ حتما فى الأيام المقبلة، لها نسقها القيادى والتنظيمى الراسخ، ولا يمثل غياب قيادات شهيرة بالنسبة لها اى مشكلة، فهناك بالفعل قيادات أخرى فى الصفوف الوسيطة والأدنى، وهؤلاء فى غالبيتهم غير معروفين بعد، وحين يتولون القيادة سيكونوا متحررين من كل قيد، وستبدأ دورة أخرى من المواجهات وعمليات المقاومة التى لا حدود لها.

وتدل العمليات الإستشهادية الاخيرة، التى قام بها فلسطينيون صغار، ان الاجيال الفلسطينية الصاعدة اكثر قابلية للانضمام الى قوافل الشهداء، باعتبارها جهادا واستشهادا ودفاعا عن الأرض وأيضا درءا للذل والهوان الذى يعنيه الاحتلال لكل فلسطين.

ولا يتصور أن أى الة حربية مهما كانت قوتها تستطيع ان تحجر على شعب بأكمله ، او ان تسيطر على حالته النفسية وما يجول فى عقله الى الأبد.

إن غياب عرفات أو بالاحرى استشهاده وإن كان قد يؤثر على هيكل السلطة الوطنية الفلسطينية القائمة وفقا لاتفاقيات أوسلو "رحمها الله"، فإن لن يكون نهاية المطاف لا لمنظمة فتح ولا لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولا لحركة المقاومة الفلسطينية بأسرها، وبالطبع لن يكون نهاية المطاف بالنسبة لفصائل الفلسطينية الأخرى، وفى مقدمتها الاسلامية.

إن أجيالا فلسطينية تصعد سلم المقاومة والشهداء والتضحية بالنفس هو النتيجة الحتمية للعدوان البربرى الهمجى الذى تجرى وقائعه على ارض فلسطيني فيما يبرر الامريكيون فظائع شارون بأشرف حق عرفته البشرية، حق الدفاع عن النفس. ومثل هؤلاء ـ اى أجيال فلسطين الصاعدة ـ لن يكون بمقدور أحد، ايا كان بما فى ذلك ما يسمى بالقوة العظمى الأولى فى عالم اليوم، ان يلغى عزيمتهم إن قرروا الضرب ليس فى المصالح الإسرائيلية وحدها ، بل فى المصالح الأمريكية أيضا. وعلى الجميع الاستعداد لمرحلة من الفوضى العارمة.

القاهرة ـ د. حسن أبو طالب

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×