Navigation

الطريق الطويل إلى نيل المرأة السويسرية الحق في التصويت

نساءُ "أونتَرباخ".. وأول تصويت للمرأة السويسرية

صورة التقطت يوم 3 مارس 1957 لواحدة من بين ثلاثة وثلاثين امرأة شاركن في الاقتراع الاحتجاجي الذي شهدته قرية أونتَرباخ (كانتون فاليه)، وقد تم الإعلان لاحقا عن رفض جميع أصواتهن. Keystone / Str

في عام 1957، صوّت أوائل النساء السويسريات في بلدية "أونتَرباخ" وذلك بشكل غير قانوني، لكنّ أصواتهن لم تُحتسب نتيجة لاحتجاج الرجال على ذلك. الصحافية في SWI swissinfo.ch غابي أوخسنباين تحولت إلى القرية في عام 2009 وتحدثت مع بعضهن. 

هذا المحتوى تم نشره يوم 01 فبراير 2021 - 11:00 يوليو,
غابي أوخسنباين، أونترباخ

تقول سيدة مُسِنّـة في أحد شوارع البلدية عن هذا "الحدث"، بأنها لم تُشارك في عملية التصويت، ولكن أخواتها كُنّ قد ذهَبْنَ للمُشاركة، وتكمل قائلة: "كان هناك العديد من الصَحفيين مع كاميراتهم في كل مكان، وقد كُـنت حاملاً في شهري الأخير ولم يكن بإمكاني تحمّـل كل هذا الضجيج.

تتوسط قرية أونترباخ (Unterbäch) في أعالي كانتون فاليه، حانة صغيرة تمّ فيها هذا التّـصويت التاريخي، و قد حلّ مَحَلّها اليوم مصنع "ميلخ هيتِّ" (Milchhitte) لإنتاج وتصنيع مُـنتجات الحليب. وتشير روزا فايسن، وهي أول رئيسة لبلدية أونترباخ، إلى الطابق العلوي قائلة: "هنا في الطابق الأول، تمّـت عملية التصويت".

روزا فايسن هي أول رئيسة بلدية لهذه القرية، التي يبلغ عدد سكانها اليوم 440 نسمة والتي أثارت قبل 52 عاماً، ضجّة في سويسرا، كما احتلت العناوين الرئيسية في الصحافة العالمية، بما فيها صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية.

سلسلة SWI swissinfo.ch بمناسبة مرور 50 عاما على حصول السويسريات على حق التصويت على المستوى الفدرالي

في السابع من فبراير 1971، وافق الرجال السويسريون على مَنح المرأة الحَق في التصويت والترشح على المستوى الفدرالي. وهكذا كانت سويسرا واحدة من أواخر الدول في العالم التي يُمارَس فيها حَق الاقتراع العام لجميع البالغين. هذه الخطوة جعلت البلد الذي غالباً ما يُستشهد به دولياً كنموذج للديمقراطية المُباشرة، ديمقراطية ليبرالية حديثة.

تسلط SWI swissinfo.ch الضوء على هذه الذكرى - المُغيّبة بعض الشيء - من خلال مجموعة من المقالات. وهي تبدأ بتقرير من أبنزل رودس الداخلية، وهو نصف الكانتون الأخير في سويسرا الذي أدخل حق التصويت والترشح للنساء على مستوى الكانتونات والبلديات في عام 1991. كما تنظم يوم 4 مارس، حلقة نقاش رقمية حول موضوع "مرور 50 عاماً على منح المرأة الحق في التصويت: مسألة سلطة قديمة، صراع جديد برؤوس جديدة".

End of insertion

التحرّك تحت سِـتار الظلام

في عام 1957، كان هناك تصويتٌ على الصّعيد الوطني حول قانون يُلـزِم المرأة بالقيام بالخِدمة المَدنية. ومع أن الموضوع كان يخصّ النساء، إلا أن التّـعليق حول هذا القانون لم يكُـن مسموحا لهُـن حيث أن حقّ التصويت والاقتراع للنِّـساء في سويسرا، لم يُقَر إلا بعد 14 عاما من هذا الحدث.

ولم يجد باول تسينهويزرن، رئيس بلدية أونترباخ، في ذلك الحين هذا الأمر مُنصِفاً، لاسيما وأنّه كان يمسّ النساء بصورة مُباشرة. وهكذا، قام تسينهويزَرن مع رفاقه في مجلس البلدية بِمنح المرأة حَق التصويت لِمرّة واحدة ضِـدّ إرادة الحُكُومَة الفدرالية.

وقد "تجرّأَت" 33 سيدة من مجموع 86، على الذّهاب للإدلاء بِأصواتهِـن في الحانة التي خُصِّـِصَت لهذا الغرض. ولتلافي شتائم الجيران المُحافظين، فقد خرجت هؤلاء النِّـسوة في الظلام بعد مغَـِـيب الشمس، إلا أنَّ أصواتَـهنّ لم تُعَدّ أبداً.

ومنذ ذلك الحدث، الذي شاركت فيه الصحافة بصورة مؤثرة وفعالة، أصبحت قرية "أونترباخ" تحمِـل اسم "روتلي المرأة السويسرية" (نسبة إلى سهل روتلي Rütli الشهير على بحيرة لوتسيرن في بلدية "سيليسبرغ" في كانتون أوري، والذي شهِـد القسَـمْ المؤسٍّـس للكنفدرالية، بين مُمثلي الكانتونات السويسرية الثلاثة الأولى: أوري وشفيتس وأونترفالدن عام 1291، ويعاد هذا القسَـم في الأول من شهر أغسطس من كل عام - وهو العيد الوطني السويسري - من أجل إعادة إحياء ذكرى تشكيل الكنفدرالية السويسرية القديمة).

ويُذَكّـر تمثال مدفون إلى نصفه بالثلج أمام بناية المجلس البلدي بهذه الواقعة. وعلى التِّـمثال لا يُمكن قراءة سوى: ... نساء أونترباخ.

حدث لا يُمْـحى من الذّاكِرة

وحسب رئيسة البلدية روزا فايسَّن، والتي تنتمي إلى الحزب التقدّمي لبلدية أونترباخ، فإنّ كل طفل في هذه القرية يعرِف أهميّـة هذا الحدث التاريخي، الذي صادف يوم 3 مارس 1957، وكما تقول: "اليوم، يعلم جميع مَـن في القرية على وجْـه التحديد، أسماء النِّـسوة اللواتي ذهَبْنَ إلى صناديق الاقتراع"، و كُنَّ ينتمين جميعاً إلى الحزب المسيحي الإجتماعي، حتى والدة رئيس البلدية الحالي كانت هناك.

وكانت أول سيدة تُدْلي بصوتها في سويسرا، هي كاتارينا تسينهويزرن (Katharina Zenhäusern)، زوجة رئيس البلدية آنذاك، وهي تقرب لرئيسة بلدية أونترباخ الحالية. ولا تزال السيدة "الصغيرة"، ذات التسعين عاماً تَختَزن الأحداث التي وقعت في الماضي بأفضل ما يكون.

كانت كاتارينا تسينهويزير (1919-2014) أول امرأة تذهب إلى صناديق الاقتراع في سويسرا. Olivier Maire/Keystone

وتقول السيدة تسينهويزرَن: "هذه الأحداث لا تُمحى بسرعة من الذاكرة"، وهي تفتخر بتحقيق النِّـساء لهذا الإنجاز، حتى وإن كانت غير ناشطة سياسياً ولا تنتمي الى أي حزب.

جَلَبة وَأوضاع مُتفجِّـرة

وحسب "رائدة التصويت النسوي" في سويسرا، فإن الكثير كان يحدُث في القرية ذلك الوقت، وتستذكر قائلة: "لم أكن أعتقِـد أبداً بأن الإهتمام سيكون بهذا الحجم. وقد كان ذلك الحدث شيئا جديداً حيث أن المرأة لم تكُـن تُرى سوى في المنزل في ذلك العهد. وقد شعر بعض الرِّجال بخيبةِ أملٍ لإعطاء المرأة الحقّ في التصويت، وحتى النساء كُـن ينأيْـنَ بأنفسِهِنّ عن الذّهاب للإدلاء بأصواتِهِنّ".

وتفتخر السيدة تسينهويزَرن كثيراً بزوجها الرّاحل، باول، الذي تصِـفه بانّه "من أنصار المرأة"، وتقول بأن هناك رجالاً آخرين تجاوبوا بـ "اكتِـئاب" مع هذه "الفضيحة". ولدى سؤالها إن كان تصَرّف الرّجال بدافع خوفِهم من فقدان سلطتِـهم، أجابت بابتسامة يشُـوبها بعض المَكْـر: "ربّـما"!

المرأة وراء الحدث

لم يكن من قبيل الصدفة أن تكون أول انتخابات احتجاجية نسائية قد جرت في كانتون فاليه. فلقد استلهم بول تسينهويزير فكرة حركته من إيريس فون روتن، زوجة زميل له في برلمان الكانتون. بعد عام من الانتخابات الاحتجاجية، في عام 1958، أصبحت إيريس فون روتن من المشاهير على الصعيد الوطني من خلال كتابها "نساء في قفص اللعب" (Frauen im Laufgitter) - ولكن ليس لصالحها: فلقد تم رفض تحليلها الحاد لاضطهاد النساء بشدة في الصحافة، فنأت دار النشر وحتى الجمعيات النسائية بنفسها عنها.

End of insertion


وكانت جيرمين تسينهويزَرن، الإبنة الكُبرى "لِبَطلة أونترباخ"، في السادسة من عمرها عام 1957. ومع صِغَر سنها، فهي تتذكّـر الاضطرابات التي سادت الشوارع في ذلك اليوم جيداً.

وتُعلّق قائلة: "أدركْتُ بأن أمراً مهِـمّـاً كان يحدث وبأنّ والدتي كانت "شيئاً" مُميّـزاً، ولكني كنت خائِـفة قبل كلّ شيء، بسبب الأصوات المُرتفِـعة التي كانت تُدَوّي في كل مكان"، إلا أن موقف والِـدتها لم يجعلها عُرضة للمُضايقة من أي شخص في القرية، وتشرح ذلك قائلة: "الأمر كان كما هو دائِماً في كانتون فالي: في البداية، تكون الأمور مُتفجٍّـرة للغاية، وبعد ذلك تهدأ الأمور وينتهي كل شيء".

المُشاركة أخيراً

وقد شَعرت جيرمين تسينهويزرَن بعد فترة وجيزة من هذا التصويت "غير القانوني"، بأن المرأة لم تكُـن تتَمتّـع بنفس الحقوق التي كانت تُمنَح للرجل. وشهِدت كيف فشل التَّـصويت الخاص بمنح المرأة حق التصويت في عام 1959.

وحين مُنِحَت المرأة حقّ التصويت في سويسرا في عام 1971، كانت جيرمين تبلغ من العمر 20 عاما، وتصف شعورها حينئذٍ بالقول: "أخيراً، أصبح لي حَقّ المُشاركة باتِّـخاذ القرارات". ومع أنّها لم تُـمارس السياسة أبداً، إلا أنّها كانت تشعُر بالإلتزام تُـجاه القضايا والمسائل التي تهُـم المرأة، كما أنها رئيسة الجمعية النسائية "المرأةالمستقبل"، وتشعر والدتها باعتزاز كبير وهي تقول عن ابنتها: "هي نُـسخة طِـبق الأصل من والِـدها".

وتشعر السيدة تسينهويزرن بسعادة بسبب إنتخاب كانتون فالي لسيدة في منصب حكومي لأول مرة، وهي مسرورة بشكل خاص لأن قريبتها تشغل حالياً منصب رئيسة بلدية أونترباخ.

وتنظر رئيسة البلدية السيدة روزا فايسَن إلى الأمر بواقعية، حين تقول: "بالطّـبع، أنا فخورة، و لكن كانت هناك امرأة في المجلس البلدي لأول مرّة قبل 16 عاما. وقد كان الأمر حينذاك شيئاً مميّـزاً، أمّا اليوم، فقد أصبح أمراً بديهيا"، وليس من المُـهم اليوم أن يكون القائم بالعمل إمرأة أو رجل، المُهم أن يقوم الشخص بإنجاز عَمله.

ووفقا للمُدَرِّسة السابقة ورئيسة المجلس البلدي حالياً، فقد تطوّرت الأمور كثيراً في الخمسين سنة الأخيرة لِصالح المرأة. وقد ترك التّـصويت التاريخي في عام 1957 أثره في هذه البلدية. وتختَتم رئيسة المجلس البلدي حديثها قائلة: "لقد كان هُـنا في وقت مُبَكّـر العديد من النساء القويات اللّـواتي كُنّ يُدِرن المطاعم والمتجر الرئيسي في القرية أو البريد".

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.