هجمات تنظيم "القاعدة".. أسلوب جديد بتكاليف مُنخفضة مُقابل تأثيرات كبيرة

"تحقيق أكبر قدر من الأضرار بأقل كُلفة مُمكنة".. صورة التقطت لبرجَـي مركز التجارة العالمي في نيويورك يوم 11 سبتمبر 2001. Keystone

في إشارته إلى حادِثة الطُّـرود الملغومة، أشادَ تنظيم القاعدة في اليمن إلى قلّة تكاليف هذه الإستراتيجية الجديدة وفاعليتها العالية في نفس الوقت، على الرغم من عدم حدوث أي انفجار. ونقلاً عن خبيريْـن سويسريين في مجال الإرهاب، قد يكون من الصعب مَنع مثل هذه الهجمات، نظراً إلى تكاليفها المُنخَفِضة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 03 ديسمبر 2010 - 06:00 يوليو,
إتيين شتريبل, swissinfo.ch

وعَبَّر تنظيم القاعدة عن سروره بفاعلية "إستراتيجية الـ 1000 خطوة الجديدة" وتأثيرها على نظام الشحن الجوي. كما أعلن بأن الطرود الملغومة "لم تَستَهدف إيقاع إصابات جماعية، بل خَلْق أكبر قدرٍ مُمكن من الأضرار الاقتصادية".

وكان قد تمّ العثور على طَرديْـن ملغوميْـن في طريقهما من اليمن إلى الولايات المتحدة في كل من بريطانيا ودُبى يومي 28 و29 أكتوبر 2010 على التوالي. وكان الطردان على متْـن طائرتيْ شحن تابعتين لـ "يو بي اس UPS" و"فيديكس Fedex"، أكبر شركتيْـن للشحن الجوي في العالم.

وحَسب تنظيم القاعدة، لم تَبْلغ التكاليف الإجمالية لهذه العملية سوى 4200 دولاراً فقط (ضمنها كلفة المواد والبريد). وهنا يَطرح السؤال نفسه حول سَعي المُنَظَّمة إلى تَحويل الإنتباه عن فشلها بسبب عدم انفجار القنابل.

وفي لقاءٍ مع swissinfo.ch، لم يَرغَب دانيال موكلي من مركز الدراسات الأمنية في المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ بالرَد بإجابةٍ واضحة على هذا السؤال، حيث قال: "يتعلَّق الأمر من جهة، بتَغيير قَسري في الإستراتيجية التي أجبِرَت القاعدة على إنتهاجه في السنوات الأخيرة بسبب تراجع قُدرتها على شَن هجمات كبيرة. ومن جهة أخرى، أشارَ التنظيم وبِحَق، إلى إمكانية تحقيق تأثير كبير من خلال هجمات صغيرة - أو حتى فاشلة".

وحول فيما إذا أسفر "إستثمار" مبلغ 4200 دولار بالفِعل عن إنفاق المليارات في الغَرب، كما يَزعم التنظيم، أجاب موكلي: "على الأرجح، فإنَّ إستخدام تعبير "نفقات بالمليارات"، أمرٌ مُبالَـغٌ فيه، وإن كان غَلق الثغرات الأمنية الجديدة سيكون أمراً مُكلِفاً". ويرى موكلي بأنَّ الأسوأ من ذلك، هو الآثار النفسية المُتَرَتِّبة والمُتعلَّقة بالخوف الدائم من الإرهاب وانعدام الثقة الناشئ عنه لدى السُكّان.

"إستراتيجية جديدة للإتصالات"

من ناحيتها، ترى سيتا مازومدير، أستاذة العلوم التطبيقية في المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان والتي تُدير مشروعاً في معهد الخدمات المالية في كانتون تسوغ، بأن تنظيم القاعدة كان يستخدم هذه الأساليب من قَبْل، وحسب قولِها: "تتحدث وسائل الإعلام الآن عن تَغَيُّـر في الإستراتيجية، ولكنى لا أستطيع الجَزم بِعَدم إمكانية تنفيذ هجمات أكبر في المستقبل."

وحسب مازومدير، يتَعَلَّق الأمرُ هنا أكثر بنوعٍ جديدٍ من إستراتيجية الاتصال، وليس بتَغَيير في الإستراتيجية، حيث تقول: "قَد تعلُّق الأمر بالهجمات الكبيرة، فإنّي أرى أنَّ خطرها لم ينته بعد. ومن خلال النظر إلى هياكل التكلُفة، تتضح لنا إمكانية تنفيذ هجمات أكبر بتكاليف أقل نسبياً".

أضرار هائلة بكلفةٍ قليلة

وقد أصدَرَت أستاذة العلوم التطبيقية والخدمات المصرفية والمالية قبل بِضعة أشهر كتاباً يحمل عنوان "تجارة الإرهاب"، تعرّضت فيه إلى كيفية تَمويل مُنظمات كالقاعدة، ومقدار المبالغ التي يتم "استثمارها" في الهجمات التي تنفذها، بالإضافة إلى تقديرٍ للأضرار الناتجة.

وإستَنْتَجت الكاتبة بأن هجمات 11 سبتمبر 2001 التي إستَهدَفَت بُرجَـي مركز التجارة العالمي في نيويورك ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) في واشنطن، ضِمن أهدافٍ أخرى، كَلَّفت تنظيم القاعدة حوالي 500,000 دولار. غير أن قيمة الأضرار التي تَسَببت بها هذه العملية، وصلت إلى 32 مليار دولار.

واعتمدت سيتا مازومدير في بحثها، حَصْراً على البيانات المُتاحة للجمهور. وحسب قولها: "كان هناك التقرير الرسمي لِلجنة الحادي عشر من سبتمبر مثلاً، ولكنني اطَّـلعتُ كذلك على أقوال وسائل الإعلام والتقارير البحثية التي تناولت هذا الموضوع". وحول تعاملها مع هذا الكَم من المعلومات المتوفرة، تقول مازومدير:" في العادة، يقوم المرء بإنتقاء أحد العناصر، كأن يكون تقرير صادر عن وسائل الإعلام أو من جهات حكومية. وهنا، يتعين أخذ الإختلاف في الأقوال والشهادات بِنَظر الاعتبار. وبالنتيجة، كان علينا التعامل مع وجهتَـي أو ثلاث وجهات نَظَر أو مع تقديرنا الخاص، من أجل الوصول إلى تَوافق في الآراء".

أرقام مقابل مُعاناة لا توصف

ولم تُـجْـرِ مازومدير أي إتصال بمَسرَح الأحداث أثناء الإعداد لكتابها. وكما تقول: "لم تكن هذه هي الفكرة من وراء نشر الكتاب، فقد كنّا نرغب بإضفاء طابع الشفافية على الجانب المادي فقط".

وحسب الكاتبة، فإنَّه من الضروري فَـهم جميع الجوانب المُتعلِّـقة بالإرهاب، من أجلِ مكافحة ظاهرة كهذه، وأحد هذه الجوانب هو العامل المادّي. وشدّدت الكاتبة قائلة: "لم يكن في نيَتي أبداً تحويل الأموات أو مخاوف الناس إلى أرقامٍ مُجَرَدة أو قيمة نَقدية".

وتتَحَدَّث أستاذة العلوم التطبيقة عن شعورها بنوْعٍ من "المُقاومة الداخلية"، التي انتابتها خلال إنجازها للكتاب فتقول: "لم يوَلِّـد التعامل مع أرقامٍ جامِدة والحديث عن مبالغ بالدولارات والفرنكات في مواجهة هذا الكَمّ اللامحدود من المُعاناة والخوف عند الأشخاص المَعنيين، شعوراً جيداً لَدَي".

وقَد تعلُّـق الأمر بمازومدير، كان الهدف من إعداد الكتاب هو تسليط الضوء على الجانب التمويلي لمثل هذه المُنظمات، بعد اعتماد السلطات التنظيمية في الأسواق المالية، داخل سويسرا وخارجها، لمزيدٍ من التدابير التي تُلزِم المؤسسات المالية "بالتعرُّف وتحديد هوية التدفقات النَقدية ورصد إحتمالية إرتباطها بمنظماتٍ إرهابية".

عقبات لا يمكن التغلب عليها

وتُشَدِّد خبيرة الأسواق المالية على عَدَم إعتراضها على الإجراءات التَنظيمة للمصارف والمؤسسات المالية، ذلك أنَّ رَصْد التدفقات المالية هو أمرٌ مهم للغاية. ولكنها ترى في نفس الوقت، بأنَّه من الصعب جداً مُراقبة هذا النوع من التَمويل، نظراً للمبالغ الصغيرة التي تُكلِّفها الهجمات الإرهابية الحديثة في يومنا هذا.

وفي هذه السياق تقول معلقة: "كلَّفت الهجمات الإرهابية على خطوط السكك الحديدية في مدريد يوم 11 مارس 2004 (التي إتهَمَت يومها الحكومة الإسبانية مُتشدّدين إسلاميين مُقربين من تنظيم القاعدة بالتنفيذ وأدَّت إلى مقتل حوالي 191 شخصاً)، الإرهابيين نحو 10,000 دولار، وهو يُعتَبَر مبلغاً مرتفعاً في حينه. أمّا تفجيرات العاصمة البريطانية لندن عام 1993، (التي قام بها الجيش الجمهوري الأيرلندي) فلم تكَلَّف مُنَفِّـذيها سوى 5,000 دولار. بينما لم يُكَلِّف الهجوم الانتحاري الذي وقع في لندن عام 2005 (والذي إستهدف نظام النَقل وأدّى لإلى مقتل 52 شخصا على الأقل) سوى 1000 دولار فقط".

وتوضِح مازومدير بأنَّ هذه المبالغ لم تُحَوَّل دُفعة واحدة، ذلك أنَّ الإرهابيين حريصون على عدم لَفت الأنظار إليهم. وهم يلجأون لهذا السبب إلى تحويل أقساط مالية قليلة، بدلاً عن كميّات كبيرة. وكما تقول: "نحن نتحدّث هنا عن تحويل بِضْـع مئاتٍ من الفرنكات، وقد تكون وصلت في تفجيرات 11 سبتمبر إلى ألف فرنك".

وفي رأيها، لن يكون باستطاعة المؤسسات المالية تَمييز الدفوعات المالية التي تستهدف الإرهابيين من غيرهم، حتى لو إمتلكَت أفضل نظامٍ للرّصد، على ضوءِ كميّة التحويلات التي تجري يومياً في جميع أنحاء العالم.

وتختتم خبيرة الأسواق المالية حديثها بالقول: "أتساءل إن كان من المنطقي الاعتماد على تَحميل المصارف مسؤولية التَعَرُّف على هذه التدفّـقات المالية وإن كُنّا واثقين من فاعلية هذا الأسلوب في الحَد من تمويل العمليات الإرهابية؟ في اعتقادي، نحن نسلك الطريق الخاطئ نوعاً ما هنا".

الكلفة التقديرية للأعمال الإرهابية

حسب تقديرات الخبيرة المالية وأستاذة العلوم التطبيقية سيتا مازومدير، كَلَّفت عمليات 11 سبتمبر 2001 مُنَفِّـذيها نحو 500,000 مليون دولار، فيما بلغت قيمة الأضرار الناتجة نحو 32 مليار دولار.

التكاليف المُباشرة لمُنفذي هجوم 11/9 الإرهابي، التخطيط، ويشمل تكاليف المعيشة للإرهابيين كأقساط الإيجار والمواد الغذائية ووَضع خطة لتنفيذ العمليات والتكاليف المادية، مثل دروس التدريب على الطيران. كما تشمل أيضا التعويضات المُخَصَّصة لعوائل مُنفذي العمليات الانتحارية.

التكاليف المباشرة للأضرار: وتشمل الأضرار التي لحِقت بالمُمتَلَكات، كالطائرات وتكاليف البنية التحتية في مركز التجارة العالمي ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، بما في ذلك وسائل النقل العام وتكاليف عمليات الإنقاذ والإغاثة وتكاليف التنظيف والتَرميم وإعادة الإنشاء (التي لم تكتمل بعد).

كما عانى قطاع السياحة، بما في ذلك حركة الطيران بشكل كبير بعد الهجمات وإنخفضت النشاطات المُرتبطة بالسفر.

تسببت الهجمات بإلحاق الضرر في قطاع إعادة التأمين، إذ تحتَّم على الشركات العاملة في هذا القطاع دفع مَبالغ التأمين بشكلٍ مُباشِر، مما أسفَرَ بِدوره عن ارتفاع في أقساط التأمين.

تَضَمّنت الحسابات كذلك الخسائر الحاصِلة في أرباح وإنتاجية الشركات، التي كانت تملك مقرّات في مركز التجارة العالمي، حيث أن الحسابات الدقيقة أمرٌ يتسِم بالصعوبة، تراوحَت حسابات تغطية التكاليف في نطاق يتراوح بين 10 إلى 100 مليار دولار، وهو يشكل "قوة رفع" هائلة بالمُقارنة مع مبلغ "الاستثمار" الابتدائي المُتَمَثِّل بـ 500،000 دولار.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة