تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

هل أدارت أوروبا ظهرها للجنوب؟

هل فرضت المعادلة الدولية الجديدة على أوروبا الموحدة تغيير أولوياتها تجاه دول جنوب المتوسط؟

(Keystone)

منذ تفكك الإمبراطورية السوفيتية، توقع كثيرون أن تتم مصالحة أوروبا مع شطريها الشرقي والأوسط على حساب العلاقات الاستراتيجية مع دول جنوب المتوسط، وتحديدا بلدان المغرب العربي.

ويتعزز هذا التوقع يوما بعد يوم، وجاءت الحرب على العراق لتجعل منه اختيارا واضح المعالم.

إن العرب والأفارقة الذين شاركوا في المؤتمر الدولي الذي احتضنته أثينا يومي 5 و6 مايو بدعوة من وزارة خارجية اليونان، التي ترأس حاليا الاتحاد الأوروبي، لمسوا بوضوح التركيز الأوروبي الشديد على إعطاء الأولوية سياسيا وماليا واقتصاديا لإنجاح عملية التحاق 10 دول من أوروبا الشرقية والوسطى بأوروبا الاتحادية.

فحتى بعض منظمات المجتمع المدني الأوروبي أصبحت مدركة لتداعيات هذا الاختيار الاستراتيجي، وهو ما أشار إليه الناطق باسم شبكة "كونكورد"، التي تضم 1200 منظمة غير حكومية، عندما اعتبر أن توسيع أوروبا حدث هام في مسيرة قيام أوروبا مستقرة وديمقراطية، لكن ماذا ستكون تأثيراته على سياسات دعم التنمية في دول الجنوب؟

لم يعلن الأوروبيون صراحة أن اتفاقية برشلونة قد أصبحت جزءً من الماضي، لكن المؤكد أن سياساتهم العملية قد ابتعدت كثيرا عن "النوايا الطيبة" التي تم التعبير عنها في مطلع التسعينات، عندما بدأ مسار الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وعدد من دول جنوب المتوسط.

وكان المجتمعون في أثينا ممثلين لمئات المنظمات غير الحكومية والشبكات العاملة في حقل التنمية، أغلبيتهم الساحقة من أوروبا الغربية والشرقية، بما في ذلك روسيا وطاجاكستان، والبقية جاءوا من تسع دول عربية وبعض الدول الإفريقية أو الآسوية، من بينهم سيدة أفغانية أنيقة على الطريقة الأوروبية.

وكان المطلوب منهم خلال هذا الاجتماع، تقديم مقترحات للمؤتمر الذي سيعقد يوم 19 مايو الجاري، والذي سيضم وزراء خارجية دول الاتحاد، وهو الاجتماع الذي سينظر في سياسة الاتحاد الأوروبي في مجال المساعدات الإنسانية ودعم التنمية.

تباين الطرحات

ومنذ اللحظة الأولى بدأ الطرف الأوروبي في استعراض الجهود التي قام بها لدعم مجتمعات الجنوب. وفي المقابل، أكد بعض القادمين من هذا الجنوب أنهم لم يأتوا للاستجداء. وفجأة تجاوزت النقاشات داخل بعض الورشات، الإطار الذي حدد لها سلفا ليبرز بوضوح الخطاب الهجومي الدفاعي الذي يلجأ له أهل الجنوب عند الاصطدام بمنطق الاستعلاء لأهل الشمال.

أكد الناطقون باسم أوروبا الرسمية أن حكوماتهم لم تبخل عن تقديم الدعم لدول العالم الثالث، بما في ذلك اليونان، التي قال عنها وزير خارجيتها السيد بباندريو بأنها انضمت، وبفضل النمو والتطور الذي حققته، إلى قائمة الدول المانحة للمساعدات، ومنهم من طلب عدم تحميل أوروبا مسؤولية حل جميع مشاكل دول الجنوب.

وفي المقابل، ارتفعت أصوات تحتج على هذا التحول الذي "طرأ" على الخطاب الرسمي الأوروبي، واضطرت هذه الأصوات إلى التذكير بالمرحلة الاستعمارية ومخلفاتها، وأكدت على أن المصلحة الاستراتيجية لأوروبا هي التي تفرض عليها تحمل مسؤولياتها في تنمية دول جنوب المتوسط.

وقالت سيدة من إحدى دول المغرب العربي "لم آت إلى أثينا لحل مشكلتي الشخصية، وتأكدوا أن المثقفين الذين قد تعترضهم بعض الصعوبات، سيتمكنون من الحصول على اللجوء السياسي عندما تنسد الآفاق في وجوههم، لكن الدول الأوروبية ستدفع الثمن غاليا في حالة حصول انهيار اقتصادي وسياسي ببلداننا".

وكشف خبير اقتصادي في شؤون التنمية الوجه الآخر للسياسة الأوروبية عندما ذكر أن الاتحاد الأوروبي اتخذ من الليبرالية خيارا استراتيجيا وأيديولوجيا، وساهم في ممارسة الضغوط على دول الجنوب لتبنيه.

وبما أن الليبرالية زادت في نسبة الفقر وعمقت الفجوة بين الطرفين، وجد الاتحاد نفسه مضطرا للانخراط في سياسة الدعم الإنساني، محاولة منه التخفيف من التداعيات السلبية لاقتصاد السوق. فالقضية ليست عملا خيريا بقدر ما هي مسألة حيوية ذات دوافع أمنية. كما طالب أحد نشطاء حقوق الإنسان الأوربيين بعدم فرض أجندتهم على المنظمات الأهلية، وتعميق التعاون معها دون المساس باستقلاليتها.

الديموقراطية أم التنمية؟

المسألة الأخرى التي برزت أثناء النقاش، تتعلق بالمادة الثانية من اتفاقيات الشراكة الأورو- متوسطية، والتي تنص على ربط التعاون الاقتصادي باحترام حقوق الإنسان والديمقراطية. وهنا أيضا، بدا واضحا تأثيرات الوضع الدولي على الخطاب الرسمي الأوروبي.

فقد دافعت أصوات الجنوب على ضرورة كسر احتكار الدولة للمساعدات، وتقديم الدعم الضروري للمجتمعات المدنية المحلية، حتى تتمكن من تفعيل دورها، وفرض حرية الصحافة والتعبير، واحترام الحق في التنظيم، والتقيد بالشفافية، وإجراء انتخابات نزيهة.

إن منظمات المجتمع المدني لدول الجنوب، تطالب بدور سياسي يدعم حضورها في أوضاع تشكو من استخدام موازين القوى لصالح أنظمة محتكرة لكل شيء. كان هذا الخطاب لا يثير أي إشكال لدى أصحاب القرار والخبراء الأوروبيين قبل 11 سبتمبر، لكن اليوم، وخاصة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، أصبح هناك إحساس بأن "دمقرطة" دول الجنوب، مسألة داخلية تخص النخب والسكان المحليين، وأن الأولوية يجب أن تكون، لدى الأوروبيين، تعزيز وحدتهم للحد من النفوذ الأمريكي داخل القارة، وتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الاقتصادية من خلال التعاون مع جميع حكومات المنطقة، بقطع النظر عن مدى التزامها بالديمقراطية، ومهما كان سجلها في مجال حقوق الإنسان.

وكان نائب وزير الخارجية اليونانية واضحا جدا عندما خاطب المشاركين في ندوة أثينا بقوله، "إن البلدان التي تشكو من الفقر، لا يمكن حل مشاكلها بمطالبتها بالديمقراطية"؟

ويؤكد بعض المختصين في شؤون التنمية أن التحول في نظرة المثقفين الغربيين تجاه الجنوب، تعود في الحقيقة إلى سنوات الثمانينات، حين سيطر اقتناع في أوساطهم بأن النمط الوحيد للحداثة هو النمط الغربي، وأن تطعيم هذه الحداثة بثقافات الجنوب كان حلما بلا مستقبل، بعد أن أفرزت حركات التحرر الوطني والإصلاح الاجتماعي، التي تعاطف معها المثقفون والشبان الغربيون من الأربعينات إلى السبعينات، أنظمة دكتاتورية وفاسدة ومتطرفة.

فالجنوب لم يعد يغري "المتمردين" على القالب الغربي، وأصبح الأفق لا يتجاوز تقديم قدر من المساعدات وفق مقاييس خبراء البنك العالمي والمؤسسات النقدية والإنمائية الأخرى. ومع سيطرة قيم اقتصاد السوق، توارت أو كادت القيم الثقافية التي أنتجتها "فلسفة الأنوار". وأخيرا، جاءت الحرب على"الإرهاب" وعلى العراق، لتحول مرجعية حقوق الإنسان والمنظومة الديمقراطية إلى "كليشيهات" لا تنفع شيئا في عالم القوة والتجارة.

صلاح الدين الجورشي - تونس

معطيات أساسية

الدول التي ستنضم للاتحاد الأوروبي مطلع عام 2004:
التشيك. سلوفاكيا. المجر. بولندا. استونيا. لاتفيا. ليثوانيا. قبرص. مالطا. سلوفينيا
تبلغ كلفة توسيع الاتحاد 40 مليار أورو بين عامي 2004 و2006
الدول المتوسطية التي تربطها اتفاقيات شراكة مع الاتحاد الأوروبي:
تونس، المغرب، مصر، الجزائر، لبنان، الأردن، السلطة الفلسطينية، إسرائيل

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×