Navigation

هل بدأت تنقشع الغيوم عن سماء تونس؟

الرئيس التونسي زين العابدين بن علي أثناء إلقاء خطابه في قصر قرطاج يوم 7 نوفمبر 2006 في الذكرى السنوية التاسعة عشرة لوصوله إلى الحكم Keystone

تم مؤخرا الإفراج في تونس عن 55 سجينا سياسيا على الأقل، سبق وأن حوكموا في مطلع التسعينات بتُـهم عديدة، أقلها الانتماء إلى حركة النهضة المحظورة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 08 نوفمبر 2006 - 20:46 يوليو,

كما أعلنت السلطات عن الحط من العقوبة بالنسبة لمساجين آخرين لم يطلق سراحهم. وبذلك، لم يبق في السجون من كوادر الحركة سوى العشرات.

بالرغم من طول فترة العقاب، إلا أن مجرد انتشار خبر الإفراج أشاع حالة من التفاؤل في أوساط الإسلاميين وجعل بعضهم يتوقع بأن نهاية النفق قد بدأت تلوح من جديد.

"الحبيب اللوز " و "محمد العكروت"، إسمان بارزان في قيادة حركة النهضة كانا من بين المفرج عنهم. وكذلك الشأن بالنسبة لـ "عبد الرزاق مزقريشو"، الذي حوكم بتهمة رش إمام مسجد ضاحية الكرم بمادة "ماء الفرق" أثناء المواجهة بين الحركة والسلطة في الأشهر الأخيرة من العهد البورقيبي عام 1987، و"محمد المسدي"، الذي كان قائد طائرة بارع بالخطوط الجوية التونسية، يؤمِّـن بالخصوص رحلات تونس باريس، فوجد نفسه مُـورّطا في قضية لا تزال ملابساتها غامضة.

وبقطع النظر عن القِـصص التي سيَـرويها هؤلاء السجناء عن ظروف اعتقالهم والسنوات الطويلة التي قضّـوها متنقلين بين مختلف السجون والمعتقلات، فالثابت هو أن هؤلاء أو من بقي منهم وراء القضبان، يشكلون أغلب الكوادر الرئيسية التي اعتمدت عليهم الحركة في مرحلة المواجهة الحاسمة مع نظام السابع من نوفمبر.

نداءات بإصدار عفو تشريعي

رحّـبت معظم الأوساط السياسية بقرار الإفراج، ورأت فيه مؤشرا إيجابيا. ومما قد يفسر الترحيب بعملية إطلاق سراح هذه الدفعة الجديدة من المساجين السياسيين، أنها قد تنزّلت في سياقٍ طغت عليه لغة التهديد الموجهة لكل من "يوظف الدين من أجل أهداف سياسية".

كما شهدت البلاد خلال الأسابيع الأخيرة حملة واسعة النطاق ضد المحجبات، وهي حملة بدت وكأنها تميل إلى التهدئة قليلا، رغم استمرار التجاوزات، هذه الأجواء المشحونة جعلت الكثيرين يتوقعون بأن المناخ السياسي مرشح لمزيد التعقيد والانغلاق، وأن ذلك سيؤثر سلبا على ملف المساجين.

لم تستجب السلطة إلى النداءات المتكررة المتعلقة بإصدار عفو تشريعي عام، وتمسّـكت بأسلوبها القائم على العفو الرئاسي المتدّرج والمشروط. فالأسلوب الأول لا تقدِم عليه الأنظمة، إلا إذا اختارت الإقدام على تغييرات واسعة وجذرية وفي أسلوب إدارتها للحكم، بينما يساعد الأسلوب الثاني السلطة على الاستمرار في مسك خيوط اللعبة وترويض الخصوم، ولهذا، تعمّـد النظام تأجيل الإفراج عمّـن تبقّـى من معتقلي النهضة إلى أجل آخر، وقد لا يتجاوز هذا الأجل شهر مارس المقبل، الذي يتزامن مع الذكرى الخمسين لإعلان النظام الجمهوري.

ومما يؤشّـر على ذلك - حسبما يبدو للبعض - قرار الحط من العقوبة، الذي شمِـل عددا آخر من قادة الحركة، مثل صادق شورو، أحد الذين تحملوا رئاسة الحزب، وعبد الكريم الهاروني، الوجه الطلابي المعروف، وأحمد الأبيض، الذي فقد زوجته وهو في السجن قبل سنتين، ومحمد القلوي.

وبالرغم من خيبة أمل الكثير من العائلات، التي لا تزال في انتظار الإفراج عن أبنائها، إلا أن القرار الأخير شكّـل "خطوة متقدمة في اتجاه التسوية الإنسانية لملف المساجين السياسيين"، حسب اعتقاد السيد "محمد القوماني"، القيادي في الحزب الديمقراطي التقدمي (معارضة غير ممثلة في البرلمان) فهذا العفو حسب رأيه شمل "قيادات شابة لا يزال أمامها مستقبل سياسي".

كما اعتبر القوماني أن الإفراج عن الدفعة الأخيرة خلال المرحلة القادمة سيشكل "الخطوة السياسية" المنتظرة من قِـبل الجميع، وإن كانت دون ما دعت إليه القوى الديمقراطية ومنظمات حقوق الإنسان، التي أجمعت على المطالبة بإصدار "عفو تشريعي عام".

خيار التعددية السياسية

هذا العفو الجُـزئي عن عدد من المساجين، صدر بمناسبة الذكرى التاسعة عشر لتولي الرئيس بن علي السلطة في البلاد. وقد ألقى الرئيس التونسي بالمناسبة خطابا تضمّـن عددا من الإجراءات الجديدة، التي شملت بالخصوص القطاعين، المالي والإعلامي، لكن ما لفت انتباه المراقبين الإشارة إلى "الميثاق الوطني"، الذي شكّـل محطة سياسية بارزة في أواخر الثمانينات.

وفي هذا السياق، قال الرئيس بن علي "لمّا كنت إثر التحوّل، جمعت الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية والحساسيات الفكرية لنضّـع ميثاقا وطنيا مشتركا نعمل بقيّـمه ونتمسّـك بمبادئه، فإنني اليوم بعد قرابة عشرين سنة من الإنجازات والمكاسب والنجاحات، أدعو في إطار مبادئ الدستور وقيم الجمهورية، الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية والحساسيات الفكرية، إلى تعميق التأمل في حاضرنا وتوجّـهات مستقبل بلادنا، ومدنا بآرائها ومقترحاتها لنستأنس بها بمناسبة احتفالاتنا القادمة بالعيد العشرين للتحول".

وبسؤاله عمّـا يمكن أن تتضمنه الإشارة إلى الميثاق الوطني، اعتبر القوماني، الذي سيكون أحد المرشحين لخلافة السيد نجيب الشابي في منصب الأمانة العامة للحزب الديمقراطي التقدمي، أن المسألة السياسية قد تصدرت الخطاب الرئيسي، بعد أن جرت العادة في السنوات الأخيرة بأن تُـعطى الأولوية للمسائل الاقتصادية والاجتماعية.

وفي هذا السياق، أعاد الرئيس بن علي التأكيد على "التعددية السياسية خيار لا رجعة فيه" وأن الأحزاب " في الحكم وفي المعارضة، هي أطراف المعادلة الديمقراطية والتنافس النّـزيه، ولا بد لها أن تكون في مستوى من الفاعلية يُـخوّل لها الاضطلاع بأدوارها على أفضل الوجوه"، كما تمّـت الإشارة أيضا إلى أن الذكرى العشرين لاستلام السلطة ستكون "مناسبة لمزيد التأمّـل في مسيرتنا والتخطيط لمستقبل أجيالنا القادمة".

يضاف إلى ذلك، دعوة ما سمي بـ "التيارات الفكرية" إلى جانب الأحزاب السياسية للمساهمة في حوار وطني، وهو ما رأى فيه القوماني احتمال أن تشكل سنة 2007 فُـرصة لخَـلق أجواء مساعدة على فتح الملفات السياسية وإدارة حوار وطني ديمقراطي.

تونس لكل التونسيين

ويذهب السيد إسماعيل بولحية، الأمين العام لحركة الديمقراطيين الإشتراكيين (معارضة ممثلة في البرلمان) إلى أكثر من ذلك، حين اعتبر أن بنية الخطاب ومنهجيته، جاءت مختلفة عن مُـجمل الخطب السابقة، ورأى في ذلك عودة إلى مرجعية بيان السابع من نوفمبر. فالمكتسبات التي تحققت في عديد المجالات، تتطلّـب حسب رأي بولحية إلى "مرجعية سياسية، تسندها وتحافظ عليها".

أما فيما يتعلق بمسألة "الميثاق الوطني"، فقد رأى بولحية في ذلك "إعادة الاعتبار لمبدأ المشاركة وجعل تونس لكل التونسيين"، واعتبر ذلك بمثابة "النفس الجديد لفضاء تلتقي فيه كل الأطراف والحساسيات ومكوِّنات المجتمع للإسهام والمشاركة في صنع القرار وتجْـسيد الأهداف الوطنية".

أما بالنسبة للسيد نور الدين البحيري، الذي كان أحد الموقعين على نص الميثاق الوطني، نيابة عن "حركة النهضة"، فقد اعتبر من جهته أن تأكيد الرئيس على أهمية "استشارة جميع الأطراف" يشكّـل "تمشيا إيجابيا"، خاصة وأنه يتنزل في "هذا المناخ المحتقن الذي تشهده البلاد"، واعتبر أن الدعوة موجهة للجميع، ولا تتضمن إقصاءً لأي طرف وأن الشروط التي وردت لا خلاف حولها، وتخص "التمسك بالدستور وقيم الجمهورية"، لكنه أضاف بأن الدعوة الرئاسية تفترض اتّـخاذ جملة من المبادرات، سواء من قبل السلطة أو المعارضة "لتنقية المناخ السياسي".

كما دعا إلى "فتح قنوات الحوار من أجل تحقيق توافق وبناء جسور الثقة، مما يُـساعد على تجاوز آثار العشرية الماضية ويؤسِّـس لمصالحة وطنية"، هذه المصالحة التي تكرّرت في الأشهر الأخيرة على لسان العديد من كوادر حركة النهضة وقادتها، مما كشف عن وجود تبايُـن عميق في وجهات النظر بين أعضائها.

هكذا تفاعلت بعض الشخصيات التونسية مع الإشارات السياسية التي وردت في خطاب الرئيس بن علي، وجاء تفاعلها إيجابيا في الغالب، رغم تحفظات آخرين الذين "لم يروا فيها شيئا جديدا"، ودعوا إلى "عدم تحميل الخطاب ما ليس فيه".

هل تعود السياسة؟

لا شك في أن المحدّد، هو ما قد تتّـخذه السلطة من إجراءات ومبادرات تُـعيد الحيوية للحياة السياسية وتساعد على تنظيف الواجهة الخارجية للنظام وللبلاد. ولعلّ في رفع سقف حرية التعبير وحل معضلة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، حتى لا تفهم الصلاحيات الجديدة التي مُـنحت للهيئة العليا لحقوق الإنسان (هيئة رسمية)، وكأنها محاولة أخرى لمزيد إضعاف الرابطة وتهميشها.

كما أن إنهاء المُـضايقات الشديدة المسلّـطة على الدكتور منصف المرزوقي، وكذلك ما يتعرض له السجين القيادي السابق (حمادي الجبالي) من تجاوزات، بلغ حدّ إفساد حفل زواج ابنته وتشديد الحصار على مقر إقامته والمساس من خصوصياته الأسرية، من أجل ثنيه على الاستمرار في النشاط السياسي.

إن إجراءات من هذا القبيل، ستساعد كثيرا، حسب اعتقاد البعض، على تحويل خطاب الرئيس بن علي إلى مدخل لجعل عام 2007 عام استعادة السياسة في بلد كثُـر الحديث فيه منذ عدة أعوام عن "موت السياسة"، وإذا ما تحقق ذلك، فلن يشكل فقط فرصة لحركية توقفت منذ سنوات طويلة، وإنما سيكون النظام السياسي أول المستفيدين ليتمكّـن من إعادة ترتيب بيته الداخلي بعد عشرين عاما تحققت خلالها مكاسب عديدة، لكن "الثمن السياسي كان باهظا"، على حد تعبير أحد الجامعيين التونسيين.

صلاح الدين الجورشي - تونس

مقتطفات من خطاب الرئيس التونسي يوم 7 نوفمبر 2006

"ان حاضر تونس ومستقبلها يبنيان بسواعد ابنائها وبفكرهم في ظل الوفاء لامجاد الاباء والاجداد ولتراثها الاصلاحي العظيم والولاء لتونس ولتونس وحدها".

"الحريات في تونس اليوم يضمنها دستور البلاد وقوانينها وهي في مستوى يرقي الي ما هو معمول به في كثير من البلدان المتقدمة في النص وفي الممارسة سواء في ما يخص الحريات الفردية او العامة او في ما يخص حماية حقوق الانسان وتكريسها في كل ابعادها".

"الحرص علي رعاية هوية الشعب العربية الاسلامية ووحدته وتجانسه وحماية قداسة المعتقدات والشعائر وترسيخ مبادئ الدين الاسلامي الحنيف وقيمه النبيلة السمحة التي تنبذ العنف والتطرف وكل ما يروج للكراهية والفرقة".

"ان خيار التعددية خيار لا رجعة فيه وان الاحزاب السياسية في الحكم وفي المعارضة هي اطراف المعادلة الديمقراطية والتنافس النزيه ولابد لها ان تكون في مستوى من الفاعلية يخول لها الاضطلاع بادوارها على الافضل".

"أدعو في إطار مبادئ الدستور وقيم الجمهورية، الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية والحساسيات الفكرية، إلى تعميق التأمل في حاضرنا وتوجّـهات مستقبل بلادنا، ومدنا بآرائها ومقترحاتها لنستأنس بها بمناسبة احتفالاتنا القادمة بالعيد العشرين للتحول".

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.