Navigation

هل تفتح اللجنة الدستورية باباً لإحلال السلام في سوريا؟

مارس 2018. طفلٌ سوري مُصاب يجلس على سرير في مستشفى بمدينة دوما شرق الغوطة في ضواحي العاصمة السورية دمشق. Keystone / Mohammed Badra

مِن المُقَرَّر أن يُعقَد الاجتماع الأول للجنة الدستورية السورية المؤلفة من 150 عضواً في جنيف يوم الأربعاء 30 أكتوبر الجاري لوضع مشروع دستور جديد. فهل يُمكن أن يُساهم ذلك في تحقيق تَقَدُّم في الجهود المبذولة لإنهاء الحرب؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 29 أكتوبر 2019 - 11:00 يوليو,

"مبعوث سوريا يفتح باباً لِحَلِ حرب 8 سنوات ونصف". لم يكن هذا سوى واحد من العناوين الرئيسية التي استقبلت الأنباء الواردة بشأن موافقة الأمم المتحدة اخيراً، وبعد سنوات من المحاولة، على قائمة المُشاركين في اللجنة الدستورية التي طال انتظارها، هذه الهيئة المُصَمَّمة لوضع هياكل سياسية جديدة أكثر ديمقراطية لسوريا، تليها انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة.

هنا في جنيف، بدأ الصحفيون يستعدون لوصول الأعضاء الـ 150 الذين تتألف منهم اللجنة، والمُقَسَّمون بالتساوي إلى ثلاث مجموعات: يُعين النظام الثلث، المعارضة الثلث الآخر، بينما يختار المبعوث الأممي غير بيدرسن الثاث الأخير من المثقفين ومندوبي منظمات من المجتمع المدني السوري. ولكن، هل لنا أن نشاطر التفاؤل الذي حملته هذه العناوين؟

"ليس كثيراً"، يقول أحدهم، مُشيراً إلى حملة الانتقاد الشرسة التي يتعرض لها بعض السوريين في هذه اللجنة بالفعل على وسائل التواصل الاجتماعي العربية.

بدوري، أجد صعوبة في أن أكون مُفعمة بالآمال، سيما مع تغطيتي ‘محادثات السلام’ بشأن سوريا منذ سبع سنوات. وهنا استطيع أن اتذكر ذلك اليوم الحار في يونيو 2012، عندما التقى كوفي عنان، وهيلاري كلينتون، وسيرجي لافروف وغيرهم من كبار الدبلوماسيين في العالم، واتفقوا - كما قال السيد عنان في بيان لاحق، على الحاجة لوجود "حكومة انتقالية تتمتع بسلطات تنفيذية كاملة".

ولم يكد هذا البيان أن يتصدر العناوين، حتى باتت المفاهيم المختلفة لقادة العالم بشأنه واضحة. فمن جانبها، واصلت الولايات المتحدة إصرارها على أن الرئيس بشار الأسد لا مكان له في مثل هذه الحكومة الانتقالية، بينما كانت روسيا أكثر حذراً عندما صرحت بأن تحديد سوريا لقائدها المستقبلي متروك للشعب السوري.

كان ذلك مؤتمر "جنيف1". ومنذ ذلك الحين، شهدنا "جنيف 2" والعديد من جولات التفاوض الأخرى، التي كان البعض منها على مرأى وَمَسْمَع وسائل الإعلام العالمية، وبعضها الآخر خَلف أبواب مُغلقة بأحكام. كانت هناك مؤتمرات صحفية تبودلت فيها الاتهامات الحادة، وَجَّه خلالها ممثلو الحكومة السورية الإهانات للمعارضة، الأمر الذي قابله ممثلو المعارضة بالمثل. لكن الجانبين لم يظهرا سوية أبداً. بل أنهما، وفي أشد مراحل المفاوضات تعقيداً، لم يلتقيا وجهاً لوجه إلا نادراً - هذا لو حدث ذلك أصلاً. وكان احد مبعوثي الأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا (اليوم يتولى المبعوث الرابع هذا الملف) قد لجأ إلى طاولة مُصَمَّمة خصيصاً للسماح للجانبين باللقاء في نفس الغرفة، دون الحاجة إلى النَظَر إلى بعضهما البعض.

مُعاناة تفوق التصور

في الميدان، لم تتوقف العمليات القتالية. لقد مورِست كافة أشكال العُنف والحرمان والإهانة التي يمكن تصورها على الشعب السوري، من قصف مدفعي وجوي متواصل، وحصار، وتجويع، وتعذيب واغتصاب. لقد فَرَّ الملايين، والدول المجاورة تُكافح من أجل إستيعابهم وإيوائهم بشكل مناسِب، بينما تتجادل الحكومات هنا في أوروبا وتراوغ بشأن استقبال بضعة آلاف منهم.

ليس هناك من حَلِّ مستدام لهذا الوضع سوى السلام. هذا ما سيقوله لك كل خبير في حَلّ النزاعات وبناء السلام. لكنهم سيخبرونك أيضاً بأن صُنع السلام ليس سهلاً، كما أنه نادراً ما يكون سريعاً. في الأثناء، يبدو أن أصحاب المصالح الجيوسياسية في سوريا (لا سيما تركيا في الوقت الراهن)، لا زالوا يعتقدون وبعد ثماني سنوات طويلة من الحرب، أن الاسلوب "السريع والقذر" لتسوية الأمر برمته من خلال استخدام القوة الغاشمة على الأرض قد ينجح بالفعل.

أما البعض الآخر، كالولايات المتحدة، فيقدم رسالة مُشوشة، لا تحمل سوى معنى واحد لدى تحليلها هو: "هذه ليست مشكلتنا".

ان كلا من القوة الغاشمة وفك الارتباط المفاجئ يشكلان خطراً على المدى القصير. فكلا السياستين لن تؤديان إلى إنهاء الصراع أو دَعم السلام الدائم. لكن الأمر المؤكد هو أن كليهما يساهم في إدامة البؤس في سوريا ويُراكِم مشاعر السَخط والاستياء وما يرافقها من مخاطر محتملة لنا جميعاً على مدار عقود.

صبر الامم المتحدة وخبرتها

يميل تفكير معظم الحكومات لأن يكون على المدى القصير- حتى حلول الانتخابات المقبلة في الواقع. ولحسن الحظ، توجد لدينا الأمم المتحدة المنخرطة بهذا الشأن على المدى الطويل، والتي هي بحق الهيئة الوحيدة التي تتسم بالصبر والخبرة والحيادية التي تؤهلها للتفاوض على السلام في سوريا.

عندما أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس عن اللجنة الدستورية، قال: " أعتقد بشدة أن إطلاق لجنة دستورية يتولى السوريون أنفسهم تنظيمها وقيادتها يمكن أن يشكل بداية طريق سياسي نحو حل".

لاحِظوا المفردات المُستَخدمة: "إطلاق" ... "بداية" ... "طريق نحو". لا شك أن السيد غوتيريس والمبعوث الخاص غير بيدرسون يعلمان جيداً بأن هذه ليست سوى بداية لما ستكون عملية بطيئة ومُعَقَّدة للغاية بالتأكيد.

على الجانب الآخر، تتمتع الأمم المتحدة وجنيف بِسِجٍل حافلٍ على الأقل. فقد عُقِدَت العديد من محادثات السلام هنا؛ حول فيتنام، والبوسنة، وقبرص، وتيمور الشرقية، ومناقشات جنيف الدولية المستمرة (التي تضم مُمَثلين عن كل من جورجيا وروسيا وأبخازيا وأوسيتيا)، التي لا يتم التطرق إليها كثيراً، للحَد من التوترات، ومَنع أي نزاع آخر حول منطقتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية.

لكن النجاح لم يحالف جميع هذه العمليات، كما أن البعض منها لم يُستكمل في جنيف في الواقع. وعلى سبيل المثال، تم توقيع اتفاق سلام البوسنة أخيراً في دايتون أوهايو. كما أدى قرار الإدارة الجديدة في واشنطن بالإنسحاب من الاتفاق النووي مع ايران، إلى تقويض المفاوضات التي سهر الدبلوماسيون والمراسلون في جنيف ليالٍ طويلة بشأنها، وتصعيد التوتر ثانية.

كل هذا، قد يثير لدينا الشكوك بشأن اللجنة الدستورية المقبلة، ليس فقط بسبب الفترة الطويلة التي استغرقتها هذه الحرب، ولكن لأن حجم اللجنة، بأعضائها الـ 150، لا يبدو عمليا بالمرّة. مع ذلك، فإن هؤلاء الممثلين الـ 150، ومعهم الأمم المتحدة، يخطون الخطوة الأولى على الأقل، وبالتالي فإنهم يجب أن يحظوا بالدَعم والتأييد.

لا ينبغي لأحد أن يتوقع أن تكون نتائج هذه المساعي سريعة أو سهلة. لكن ما يحق للشعب السوري توقعه هو مُشاركة جادة في جنيف، وعَمَل جدي لِفَض الاشتباكات في ساحة المعركة.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.