تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

هل ستتوقف المقاومة المسلحة في العراق؟

لم تختف المقاومة العراقية تماما بعد إلقاء القبض على صدام مثلما توقع بعض المحللين، وليس من المعروف كيف ستتغير مع هذا الوضع الجديد.

(Keystone)

لم يتم الانتظار طويلا لمعرفة الإجابة حول أحد أهم الأسئلة التي أثيرت في أعقاب اعتقال الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وهو السؤال المتعلق بمصير المقاومة المسلحة.

فقد عاد إطلاق الرصاص ونصب الكمائن ضد القوات الأمريكية مرة أخرى، لكن رغم ذلك، لا يزال السؤال مطروحا بجدية: هل يمكن أن تتوقف أعمال المقاومة المسلحة في العراق؟

لم يغامر أحد منذ البداية بإعطاء أية إشارة قاطعة بشأن احتمالات توقف المقاومة المسلحة بعد اعتقال صدام حسين. فقد قامت مثل هذه الاحتمالات على افتراض أن الرئيس المخلوع هو الذي يقود المقاومة المسلحة، وهو الافتراض الذي دعمته تقارير نُـشرت قبل أيام استنادا على أقوالٍ لأحد شيوخ قبائل غرب العراق يتحدث فيها عن تفاصيل دقيقة تتعلّـق بتلك المسألة. لكن نظرة واحدة لمظهر الرئيس العراقي والطريقة التي اعتُـقل بها كانت كافية لإدراك خطأ ذلك الافتراض. فقد كان همّ صدام الأول هو الاختفاء، والصورة نشرت له عقب القبض عليه والمكان الذي تم عرضه كمخبأ له لا تُـعطي انطباع فرصة القيادة.

لكن علاقة اعتقال صدام بمسار المقاومة أعقد من ذلك بكثير. فمن المؤكد أن ذلك أصاب عناصرها بصدمة شديدة أدّت إلى ارتباك كانت نتيجته مرور عدة أيام لأول مرة منذ بداية عملياتها دون أن يُـقتَـل جندي أمريكي واحد. كما تُـوجد مُـؤشرات حول وجود دور لصدام في تمويل عملياتها، إذ لم يكن تبقّـى معه سوى أقل من مليون دولار، في وقت كان مؤكد فيه أن 750 مليونا كانت قد سُـحبت من مصرف العراق المركزي بواسطة ابنه قُـصَـى قبل سقوط بغداد بيومين. كما بدأت تتكشف بعض الحقائق حول وجود وثائق لدى صدام عند اعتقاله ترتبط بعمليات المقاومة.

وإذا كانت هياكل المقاومة قد تمكّـنت من تجاوُز صدمة الاعتقال خلال 72 ساعة تقريبا، فإن نقص التمويل، الذي رُبّـما قادها إلى تنفيذ عملية النقود بسامراء قبل أسابيع، قد يُـؤدّى إلى انحسارها مع الوقت.

لكن الأثر المباشر للاعتقال تمثل في الحصول على معلومات أتاحت للقوات الأمريكية تنفيذ عملية مُـداهمة أشبه "بمعركة" في سامراء، ويبدو أنها أدّت إلى توجيه ضربة قاسية ضد هيكل قيادة المقاومة. فقد تجاوزت آثار اعتقال الرئيس مُـجرّد الصدمة النفسية إلى أبعاد عملياتية.

التيار الرئيسي

لقد كان ثمة إجماع عقِـب الاعتقال على أن نهاية صدام لا تعني نهاية المقاومة المسلحة، حتى وإن كان صدام ذاته قد مارس مستوى من التوجيه في تحريك عملياتها. فقد كانت هياكل شبه عسكرية قد تشكّـلت في صورة خلايا بالفعل، وعادة ما تعمل تلك الخلايا بشكل مستقل و"تقود نفسها"، بل أن مقتل أو اعتقال قياداتها الميدانية قد لا يُـؤثر بشدة عليها، طالما لم تتفكّـك، وبالتالي، فإنها قادرة على الاستمرار، خاصة في ظل عنصرين:

الأول، أن هياكل المقاومة تتكوّن من تنظيمات متعددة. فتحليل العمليات يُـشير إلى أن القطاع الأكبر فيها يتكوّن من مؤسسة صدام التي تتألّـف بدورها من عناصر عسكرية من الحرس الجمهوري، وربما الجيش، وهي العناصر التي تُـنفّـذ عمليات إطلاق الهاون وزرع الألغام وإطلاق القواذف الصاروخية (آر.بى.جى) والصواريخ المحمولة المضادة للطائرات، وهي كلها عمليات لا يُـمكن للهواة أو المتحمسين تنفيذها.

تُـضاف إلى ذلك عناصر شبه عسكرية تنتمي لفدائيي صدام والجيش الشعبي (ميليشيات البعث) التي تقوم بإطلاق النيران ونصب الكمائن وتقديم الدعم اللوجستى، وربما الاستطلاع، ومعها، سواء عبر هيئات تنسيق أو بدونها، عناصر الجماعات الدينية المُـتطرّفة من داخل وخارج العراق، وربما تكون، خاصة المنتمون إلى تنظيم القاعدة، هي المسؤولة عن عمليات تفجير السيارات المفخّـخة. كما يُـمكن تصور أنه تُـحيط بهؤلاء جيوش صغيرة من الحانقين الذين لا توجد مشكلة في تسليحهم وإطلاقهم في ظل وجود 5 مليون قطعة سلاح في العراق.

الثانى، أن أسباب المقاومة المسلحة في المثلث السني لا تزال قائمة، وهي وجود الاحتلال وحنق السنة العرب، ويأس مؤسسة صدام ورغبتها في العودة إلى الحكم أو "إفشال ما يدور" على نحو ما توضح العمليات الموجّـهة لخطوط النفط، ثم المظاهرات المؤيدة لصدام بعد اعتقاله. فسادة النظام السابق يُـدافعون على أنفسهم وليس على صدام، على حد تعبير أحد قادة الجيش العراقي السابقين. فالقضية تتجاوز بكثير حرب تحرير إلى صراع سلطة يكتسب بعض معالم حروب البقاء.

وسوف يستمر هذا الوضع على الأرجُـح إلى أن يتم إيجاد صيغة لتمثيل السنة العرب في السلطة، وإدماج قطاع واسع من مؤسسة صدام في النظام الجديد أو مواجهة هؤلاء بعنف لا قبل لهم به، وكل تلك الإجراءات تتطلّـب وقتا وموارد وتوافقات سياسية لا يُـعتقد أنها متوافرة، وحتى إذا توافرت بمستوى يُـؤدى إلى تقلّـص نطاق العنف، ستظل هناك مشكلة أمنية في وسط العراق لفترة طويلة.

الاتجاه المعاكس

على الجانب الآخر، توجد عوامل لا تقِـلّ قـوّة تعمل في اتجاه وقف المقاومة المسلحة في العراق خلال مدى زمني ما سيتّـضح مع الوقت. فاعتقال الرئيس العراقي ربّـما يؤثر على جوانب ذات أهمية تتعلّـق بالمقاومة، إذ أن الرمز السياسي لعودة المؤسسة القديمة إلى الحكم قد اعتقل، وبالتالي، قد تتحوّل المقاومة إلى أعمال عنيفة يائسة وانتقامية. فقد كان مُـثيرا أن يتساءل صحفي عراقي بعد اعتقال صدام مباشرة عمّـا إذا كان من المُـمكن أن يعود مرة أخرى، وكأنه غير مصدّق.

لكن ما سيُـحدد مسار المقاومة في واقع الأمر هي التحوّلات التي قد تشهدها التوجّـهات المُـسيطرة داخل "البيئة الحاضنة" لها في المثلث السُـنّـي. فربما كان السكان يخشون وجود صدام بأكثر من خِـشيتهم قوات الاحتلال، وربما كان قطاع منهم يدعَـم المقاومة تحت الضغط، وهناك تقارير أشارت إلى حدوث إطلاق نار في الهواء (احتفالا) في بعض مدن الوسط.

فإذا حدث مثل هذا التحول على نطاق واسع، سوف ينتشر صيادو الرؤوس في تلك المنطقة، وهناك أيضا مؤشرات حول حدوث ذلك. فصدام ذاته قد اعتُـقِـل بفعل معلومات، وضربات القوات الأمريكية أصبحت أكثر دقّـة، وإذا استمر هذا الاتجاه، سوف تتّـجِـه المقاومة سريعا نحو الانحسار على غرار ما حدث للأفغان العرب في أفغانستان بعد سقوط كابول.

عامل آخر

ثمّـة عامل آخر لا يُـشار إليه كثيرا، رغم أهميته القُـصوى، خاصة في الفترة الأخيرة، وهو أداء قوات الاحتلال في التعامل مع المقاومة. فمن المعروف أن هناك قوات خاصة تُـشكّـل ما يُـسمّـى بـ "القوة 20" تعمل على تفكيك مؤسسة البعث بالقوة منذ البداية، ورغم التزام القيادات الأمريكية الحذر في الحديث عن ذلك، شهِـدت الفترة الأخيرة تصريحات مُـباشرة، فيما بدا وكأنه هجوم أمريكي إعلامي مُـضاد ردّا على عمليات فَـعّـالة للمقاومة.

لقد لفت الانتباه تصريح لنائب وزير الخارجية الامريكي ريتشارد أرميتاج يقول فيه إن القوات الأمريكية ترد الصاع صاعين لعناصر المقاومة، وعبارات محددة لقائد القوات الأمريكية الجنرال ريكاردو سانشيز حول تمكّـن قواته من تفكيك عدة (ثلاث) خلايا كانت تعمل في بغداد، في وقت بدأت فيه القوات الأمريكية، في ظل ما تعتقد أنه فرصة، عمليات عسكرية ضخمة بقوات تصل أحيانا إلى 2500 جندي، فيما يشبه هجوم مساحي، تم خلالها اعتقال (وليس قتل) عناصر قيادية في المقاومة، على نحو يبدو معه أنها أرهِـقت أو استَـسلمت لقدرها كما كان حال الرئيس.

إن مجمل ما سبق يُـشير إلى أن المقاومة لن تتوقّـف في المدى القصير، بل أنها قد تقوم بشن عمليات من النوعية العنيفة، لكن يبدو أنها قد تبدأ في الانحسار على المدى المتوسط، إلا أن الحرب أكبر من أن يحسمها الجنرالات، فالإدارة السياسية بواشنطن هي التي ستُـحدّد المسار النهائي لمشكلة المقاومة، أي أنه إذا عاد التيار الأيديولوجي داخل المحافظين الجُـدد إلى "الاستئساد" مرة أخرى، على نحو يُـعرقِـل العملية السياسية المتفق عليها، قد يتحرك المارد الشيعي الذي تكتفي مرجعياته بالمقاومة المدنية حاليا، لتتحول العراق خلال أيام قليلة إلى "فيتنام".

أما إذا استمر الاتجاه الواقعي الحالي، فإن المُـشكلة قد تُـحل مع التعايش بدرجة ما مع مستوى من العُـنف الذي سيظل قائما في كل الأحوال، لكن دون أن يطرح نتائج سياسية ذات أهمية. فقد بدأت بالفعل حِـقبة ما بعد صدام، لكن لا توجد إجابة حاسمة حول: متى وكيف ستنتهي؟

د. محمد عبد السلام – القاهرة


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×