Navigation

Skiplink navigation

هل ستُصبح الأمم المتحدة قريبا هيكلا عفا عليه الزمن؟

هل فشلت عملية البناء؟ هذا ما نتعلمه من تاريخ عُصبة الأمم عن الأمم المتحدة

بقبعته المشهورة، نال الرئيس الامريكي وودرو ويلسون استحسان الجمهور الباريسي في اليوم الذي شهد التوقيع على معاهدة فرساي في 28 يونيو 1919. إنه مشهد من الصعب تصوّره في عام 2020. Gallica.bnf.fr/Bibliothèque nationale de France

مرة أخرى، يُثير انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة – الشّبَحيّة هذا العام – التساؤل حول فعالية منظمة الأمم المتحدة التي يفترض أن تحتفل بالذكرى السنوية الخامسة والسبعين لتأسيسها، بل وأهميتها. ولكن ما الذي يتم الحكم عليه بالتحديد من خلال الانتقادات الموجهة إلى الأمم المتحدة؟ فيما يلي بعض عناصر الإجابة مع دافيدي رودونيو، المتخصص في تاريخ العالم والمنظمات الدولية في معهد الدراسات العليا في جنيف.

هذا المحتوى تم نشره يوم 23 أكتوبر 2020 - 15:14 يوليو,

لا وجود هذا العام لوفود حكومية، كما كان عليه الحال كل عام، لملء الفنادق الكبيرة في مانهاتن، ويلف هدوء قاتم القصر الزجاجي في نيويورك، كما لا يرتسم ظل أي رئيس دولة على منصة الدورة الخامسة والسبعين لجمعية الأمم المتحدة.

ليس الوقت وقت احتفال مع انتشار الوباء العالمي، وإدارته الدولية وتداعياته الاقتصادية، واهتزاز النظام الدولي الذي تجسّده الأمم المتحدة بقوة بسبب التوتّرات المتزايدة بين القوى العسكرية العظمى في آسيا وفي الشرق الأوسط، بينما ينشر القادة القوميون بذور الفتنة والنزاعات في معظم القارات. ناهيك عن الاحتباس الحراري الذي لاتزال التعبئة الدولية لمواجهته في مهدها، على الرغم من جهود الأمم المتحدة.

لقد أصبحت الأسئلة ملحة: هل الدبلوماسية متعددة الأطراف في أزمة؟ وهل النظام الدولي الذي تأسس في عام 1945 – الأمم المتحدة ووكالاتها المختلفة مثل اتفاقية الغات، والآن منظمة التجارة العالمية - بصدد الانهيار والتلاشي؟ وهل ستنجح المصالح الضيقة للأقطار الوطنية في تدمير التعاون الدولي؟

مفارقة المُثُل والواقع 

في جميع الأوقات، تعلن الأمم المتحدة عن إنجازاتها وأهدافها المستقبلية ومن خلال ذلك الترويج لقيمها ومثلها، والتمويه عن أخطائها. اتجاه نما في عصر التسويق وشبكات التواصل الاجتماعي. في ضوء هذا المحتوى الاتصالي، يتم الحكم على ما تقوم به المنظمة الدولية في مواجهة واقع أقّل مدعاة للفخر حتما. هذه الفجوة بين ما يُقال عن إنجازات، وما يُلاحظ في الواقع يُثيره الرأي العام في كل مرة. ويشير دافيدي رودونيو، أستاذ بمعهد الدراسات العليا بجنيف، إلى أن "الأمم المتحدة سيئة للغاية في سرد تاريخها لأنها ليست منفتحة على النقد الذاتي. فهي تخلط السياسة بالأخلاق، ونادرا ما تكون النتيجة مقنعة"، هذا على الرغم من الاحداثيات التي أدخلتها عُصبة الأمم ومن بعدها الأمم المتحدة في مجالات مثل اللجوء والصحة والنقل والاتصالات والتبادلات الاقتصادية.

ولنأخذ مثالا على ذلك مبدأ أساسيا شقّ القرن الذي شهد تأسيس المنظمات الدولية: حق الشعوب في تقرير المصير.

يغطي هذا المبدأ النقاط الأربع عشرة التي حددها الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون في نهاية الحرب العالمية الأولى كبرنامج لتأطير معاهدة فرساي لعام 1919، وهي اتفاقية السلام التي أبرمت بين ألمانيا ودول الحلفاء التي تؤكّد في نفس الوقت إنشاء عُصبة الأمم المتحدة.

المتحكمون في خيوط اللعبة الدولية 

يتذكّر دافيدي رودونيو أن "النقاط الأربع عشرة صالحة فقط للبلدان التي تعتبر نفسها متحضّرة". فقد تم الاعتراف جزئيا بحقوق الشعوب الخارجة من أنقاض الخلافة العثمانية التي هزمت في الحرب العالمية الأولى قبل أن تخنقها عدة معاهدات بين القوى العظمى وتحل محلها سلطات "الحماية" الممنوحة إلى فرنسا وإنجلترا في الشرق الأوسط.

ويصرّ رودونيو على أن "الانتداب هو تعبير عن الامبريالية الغربية. وهذا النظام الاستعماري العنيف يواصل حربه ضد حركات الاستقلال المنتشرة في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط".

ولكن إذا أخذنا في الاعتبار السياقات التاريخية في تلك المرحلة، هل كان بإمكان عُصبة الأمم أن تكون آلية تقدمية وتحررية، تحترم حقوق الشعوب في تقرير مصيرها؟ يجيب أستاذ الدراسات الدولية بجنيف "هذا غير ممكن لأن عُصبة الأمم كانت تجسيدا لإرادة القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى والتي كانت جميعها امبراطوريات استعمارية. لقد بنت تلك البلدان هذه الهيئة على مقاسها".

 كذلك كان الحال أيضا مع الأمم المتحدة، على الرغم من ان المنظمة قد أدمجت داخلها البلدان الخارجة لتوها من الاستعمار، وعملت كساعي بريد لحركات الاستقلال. إن صفة العالمية هي الخاصية التي ترغب البلدان الأعضاء، وفي مقدمتها البلدان الخمس الدائمة في مجلس الامن، في إضفائها على هذه المنظمة.

السلام، ولكن بأي ثمن؟

كان السلام والأمن الدوليان هما سبب نشأة ووجود الأمم المتحدة، تماما كما كان الحال بالنسبة لعُصبة الأمم. ويذكّر دافيد رودونيو بالسياق التاريخي لنشأتها قائلا: "كان هاجس عُصبة الأمم فعل كل شيء لضمان عدم تكرار حرب 1914 - 1918. ومن أجل الوصول إلى تحقيق هذا الهدف النهائي، سعت إلى توسيع أنشتطها لتشمل تطوير وسائل الاتصال، ووضع إطار تنظيمي للتجارة العالمية، وقوانين لحماية اللاجئين".

ثم يضيف أستاذ الدراسات الدولية في جنيف: "مثل الأمم المتحدة، أرادت عصبة الأمم تنسيق كل شيء معتقدة أنها تتمتع بشرعية أكبر من شرعية البلدان الأعضاء فيها. لكن هذا لا يتناسب على الإطلاق مع رهانات القوى التي تتحكم اليوم، كما كان الحال بالأمس، في خيوط اللعبة". 

الدبلوماسية متعددة الأطراف في خطر؟

الخبير الدولي دافيدي رودونيو لا يصدّق ذلك. حيث يقول: "غالبا ما نتحدّث عن أن الدبلوماسية متعددة الأطراف في أزمة. لكن هناك الكثير من المجالات التي تنفّذ فيها التعددية بهدوء شديد، وإن كان ذلك تحت الأنظار. وتواصل الأمم المتحدة القيام بدور مهم للغاية في الحفاظ على الهيبة والسلطة والشرعية".

وإذا كانت الأمم المتحدة، مثل عُصبة الأمم، تعمل فقط في المجالات التي تلقى الاتفاق بين البلدان الأعضاء، فإن الأمم المتحدة تسمح بتحقيق نوع من التقدم دون أن تكون قادرة دائما على تجنّب الأسوأ. فقد تحوّلت المفوّضية العليا للاجئين، التي وضعت عُصبة الأمم تصوّرها، إلى واقع في عصر الأمم المتحدة. واستمرّ وجود منظمة العمل الدولية حتى في ظل الحرب العالمية الثانية وما بعدها، وهذه أمثلة للذكر لا الحصر. لكن بالأمس كما هو الحال اليوم، تعتمد هذه المنظمات على حسن نيّة القوى العظمى التي تميل دائما إلى التحرك وفقا لأهدافها ومصالحها على الساحة الدولية. وعندما تتصاعد التوتّرات على الساحة العالمية كما هو الحال اليوم، تبدأ هذه المنظمات في الصياح.

(نقله من الفرنسية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي)

مشاركة