Navigation

هل هو المنعرج في الجزائر؟

نجاح قوات الأمن في منع وصول المتظاهرين إلى القصر الرئاسي يوم الخميس ترافق مع عنف وتخريب للمنشآت العامة والخاصة Keystone

رفض الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة استقبال ممثلين عن المتظاهرين البربر الأمازيغ ، فتحولت المظاهرة السلمية التي شارك فيها مئات الالاف من الأشخاص إلى أحداث عنف تسببت في قتلى و جرحى، لترهن مستقبل البلاد السياسي، ولتثير الشكوك أيضا حول إمكانية بقاء بوتفليقة رئيسا للجزائر

هذا المحتوى تم نشره يوم 15 يونيو 2001 - 11:52 يوليو,

أراد ممثلون عن شيوخ وزعماء القرى والمدن القبائلية تنظيم مسيرة سلمية وسط العاصمة الجزائرية ، يسلموا من خلالها رسالة مطالب للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، إلا أن طلبهم قوبل بالغاز المسيل للدموع و الهراوات، وبأسلوب فاجأهم يوم الخميس على الساعة الثانية عشرة و خمس وأربعين دقيقة بتوقيت الجزائر المحلي.

ففي هذا التوقيت بالذات ، بدأت قوات الشرطة رمي تجمّع بسيط لمتظاهرين قبائليين في ساحة الوئام المدني، للتعبير عن رفض السلطات توجّه المحتجين إلى القصر الرئاسي، ولكن وبهذا الأسلوب حوصر عشرات الألوف من المتظاهرين القبائل خلف المجموعة الصغيرة المتجمعة في ساحة الوئام المدني، لأن الطريق إلى الساحة ضيقة، وتفضي إلى شارع الشهداء الكبير والواسع، ومن هنا ظهرت الخطة المحكمة التي وضعتها قوات الأمن.

وتقضي الخطة بضرب مجموعة القبائل الصغيرة في ساحة الوئام والإشتباك معها، لثني القبائل الآخرين من مواصلة تحركهم صوب الساحة، إلا أن هذا لم يحدث، حيث زاد عدد المتظاهرين المشتبكين مع قوات الأمن الذين حاصروا قوات الشرطة في أماكن ضيقة،
ومع ذلك تمكنت قوات الأمن على الساعة الواحدة والربع من تفريق الكثير من الشباب،
وهو ما دفعهم إلى القيام بأعمال تخريبية بكسر سيارات المواطنين غير القبائل الذين اكتفوا لمدة طويلة بمتابعة ما يحدث عبر نوافذ و سطوح بيوتهم .

ولكن برؤية سياراتهم تحترق، غضب العديد من المواطنين غير القبائل، وانضموا تلقائيا إلى قوات الشرطة في ضرب الشبان القبائل، واعتقال من يمكن اعتقاله، وهنا بدأت ما يمكن تسميتها بالمرحلة الثانية من الخطة، حيث أجبر الغاز المسيل للدموع وتعاون الكثير من سكان العاصمة مع قوات الشرطة المحتجين القبائل للعودة إلى حافلاتهم وشاحناتهم التي أوصلتهم إلى العاصمة. و مع ذلك لم تكن طريق العودة سهلة على أحد، إذ بدأت عندها أعمال تخريب واسعة النطاق.

تخريب وعنف وقتلى

وشملت هذه الأعمال التخريبية كل المنشآت العمومية و الخاصة، سواء تعلق الأمر بميناء الجزائر، أو حظيرة سيارات شركة كيا الكورية الجنوبية، وشارك في أعمال التخريب القبائل والعرب جميعا، وسط فوضى عارمة نالت منها قوات الأمن ما أرادت، من اعتقال الشباب القبائل، والاستعانة بشكل غريب، ولم يسبق له مثيل في تاريخ الجزائر منذ الاستقلال، بالخلافات الموجودة بين بعض سكان شرق البلاد أو غربها مع القبائل، ما أدى إلى مشاهدة صور فظيعة، مثل ضرب شاب قبائلي إلى حد الموت من طرف مواطنين عاديين، ثم رميه في شاحنة شرطة، وبهذا الأسلوب طُعن اثنان من الشبان القبائل أمام أعين الشرطة التي لم تحرك ساكنا.

و تمكنت الشرطة بهذا الأسلوب من التقليل من حجم الاحتجاجات شيئا فشيئا، وغضت الطرف عن أعمال التخريب إلى حين تأكدها من أن الوضع أصبح تحت السيطرة، ومع ذلك فإن هذه السيطرة لم تكن كاملة، لأن الخوف الذي شعر به أصحاب الحافلات التي جاء بها القبائل، وخاصة برؤية الكثير من الحافلات تحترق، دفع ببعض السائقين إلى الهرب بسرعة جنونية داسوا بسببها على اثنين من الصحفيين فقتلا، وارتفعت بذلك حصيلة القتلى إلى خمسة أشخاص.

وبحلول الساعة السادسة مساء، سيطرت قوات الشرطة على ساحة الوئام المدني وما حولها، وبدأت في تنفيذ خطتها الثالثة، باعتقال المخربين من غير القبائل، واستمر القبائل المنسحبين في حرق كل ما تقع عليه أيديهم، وشوهدت سحب الدخان في كامل الطريق المؤدية إلى مدينة تيزي وزو عاصمة القبائل التي تبعد مائة وعشر كيلومترات إلى الشرق من العاصمة.

و مع أن المحتجين القبائل اشتبكوا مع قوات الأمن، إلا أن زعماء القبائل أو من يعرفون في الاصطلاح الجزائري بالعروشية، لم يصلوا أبدا إلى ساحة الوئام المدني، ولكنهم بقوا خلف المشادات.

والمثير في الأمر أيضا، هو رفض أية جهة سياسية تبني ما جرى، حتى لا تحسب الفوضى عليها، واكتفى الجميع بالتنديد، وهذا في حد ذاته كفيل بإيقاع الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، في مشاكل لا حصر لها، أولها اتهامه بقمع شبان عزّل، أرادوا تسليمه رسالة مطالب.

أسئلة محيرة واحتمالات خطيرة

والأخطر من هذا، هو فتح جبهة أمام مصادمات بين الجزائريين أنفسهم، و إيجاد تفرقة خطيرة بين عربي و بربري، واستعمال هذه الورقة، لحل أزمات أو مشاكل أصحاب القرار، فلحد الآن لم يلتفت الرئيس الجزائري لأي مطلب من مطالب القبائل، رغم أنه أكد في زيارته الأخيرة لبعض ولايات الجنوب الجزائري، أن اشتعال منطقة القبائل بالأحداث الدامية سببه عدم رغبة البعض في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، بضخّ حوالي سبعة مليارات دولار أمريكي لبث الحياة في الاقتصاد الجزائري المتهالك.

و لم يتأكد المراقبون، من إمكانية بوتفليقة، في التعامل مع رغبة جدية لإسقاطه من قبل بعض أصحاب القرار من جهة، ومن جهة أخرى رغبة زعيم جبهة القوى الاشتراكية حسين آيت أحمد في تدويل ما يسميه "الأزمة الجزائرية". ومن المحتمل أن قمع مسيرة الخميس، سيكون كفيلا بمنح حسين آيت أحمد ورقة موجعة للتدليل على قسوة السلطات الجزائرية مع أي نوع من أنواع المعارضة الجادة .

ولكن هذا التحليل قد لا يكون مقنعا للرئيس الجزائري، الذي يعتمد على أدوات تحليل أخرى، يمكن أن تلخص في أن القبائل أقلية يمكن السيطرة عليها، وأن مؤامرات القصر والمقربين لا يمكنها أن تثنيه عن الاستمرار في السلطة.

ولكن هل ما حدث في بلاد القبائل بكامله، مؤامرة مدبرة من قبل المخابرات الجزائرية مثلما يزعم البعض؟، ألا يمكن القول بأن ما يجري ليس إلا تعبيرا صاخبا عن معضلة حقيقية قائمة في تسيير دفة الحكم في البلاد، وأن أحداث بلاد القبائل في الأسابيع الماضية أثبتت أن بالإمكان انتقالها إلى أماكن أخرى بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة.

ثم ما هي فائدة نقل صراعات- حقيقية أو وهمية- يقال إنها تدور في أعلى هرم السلطة إلى الشارع الجزائري؟، ألا يعني ذلك فيما يعني التلاعب بأرواح الجزائريين؟، ثم لو أراد المعنيون (يقول البعض إنهم العسكر) بواسطة القدرات المتوفرة لديهم، إشعال الاحتجاجات في كامل البلاد، ماذا سيكون رد فعل الرئيس الجزائري؟ علما أن عبد العزيز بوتفليقة هو الرئيس الأول في تاريخ الجزائر الحديث، الذي يستعين بأخيه كأمين عام للرئاسة، وبشقيقته كطباخة، خوفا من احتمالات ومفاجآت غير محمودة من طرف من لا يؤتمن جانبهم...

وأخيرا كيف سيكون رد فعل القبائل بعد عودتهم إلى بيوتهم، وقد قمعوا بسبب رغبة شرعية في تقديم رسالة مطالب إلى الرئيس؟ الأيام القادمة ستكون ولا شك حُبلى بالتطورات، والأمل المتبقي هو أن لا تكون عاصفة بمستقبل البلاد.

هيثم رباني - الجزائر

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.