Navigation

هل "انتصر" بشار الأسد ؟

الرئيس السوري بشار الأسد لدى إلقاء خطابه أمام مؤتمر اتحاد الصحافيين في دمشق يوم 15 أغسطس 2006 Keystone

هل انتصرت سوريا حقاً في حرب لبنان، كما أوحى بذلك رئيسها بشار الأسد قبل أيام؟ وإذا ما كان الامر كذلك، فما هي الترجمة السياسية لهذا النصر؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 23 أغسطس 2006 - 14:01 يوليو,

ثم.. إذا ما كان ثمة انتصار حقاً، لماذا تبدو بلاد الأمويين في هذ الأيام في موقع هش وعرضة لمخاطر كبرى شتى؟

سنأتي إلى كل هذه الأسئلة بعد قليل، لكن قبل ذلك وقفة أمام خطاب الرئيس الأسد الذي ألقاه في 15 أغسطس الحالي، والذي شكّل مفاجأة للكثيرين في الشرق الاوسط بسبب ما تضمنه من مواقف عربية ولبنانية حادة.

وهذا ما جعل هؤلاء الكثيرين يتساءلون: هل كان بشار الأسد، في خطابه هذا، إنفعالياً، أو متسّرعاً، أو حتى مغامراً ، خاصة وأنه حمل على الجميع تقريباً: من حليفي نظام حافظ الأسد التاريخيين السعودية ومصر، إلى قوى الغالبية اللبنانية في تيار 14 آذار، مروراً بالطبع بالولايات المتحدة وإسرائيل؟

بعض المحللين يعتقد أن الأسد - وبرغم اللغة التصعيدية التي استخدم - لم يكن ينطلق من فراغ.

فالمحور السوري-الأيراني حقق بالفعل ما يمكن أن يكون نصراً تاريخياً على إسرائيل، عبر صمود " حزب الله " في الجنوب اللبناني، ومكسباً تكتيكياً على أميركا، حين اوقف الزحف الظافر للشرق الأوسط الجديد الذي بشّرت به كوندوليزا رايس في الأيام الاولى لحرب لبنان.

الآن، يبدو أن هذا المحور يعتقد أنه قادر على شن هجوم معاكسة ضد التحالف الأميركي- الإسرائيلي. وهو اعتقاد سرعان ما ترجم نفسه في تطورين إثنين:

الاول، دعوة الرئيس السوري الضمنية لحزب الله والقوى اللبنانية المتحالفة معه، إلى القيام بانقلاب ( سواء سلماً او حرباً) لتغيير النظام الحالي في لبنان، مستفيدين من النكسة التي أصابت محور واشنطن- تل أبيب وأنصاره اللبنانيين والعرب. كلمة السر في هذه الدعوة الأنقلابية كانت تجاوز كل / وأي خط احمر في التعاطي مع قوى 14 آذار، واتهامهم مباشرة بالعمالة مع إسرائيل. وبالطبع، لا مجال للتعاطي مع "العملاء" إلا عبر الإنقلابات المفتوحة والشاملة.

والثاني، تجرؤ الرئيس الأيراني أحمدي نجاد على رمي القفاز في وجه كل المجتمع الدولي عبر رفض قرار مجلس الامن، متسلحاً هو الآخر بإنجاز "حزب الله" في حرب لبنان. لا بل أكثر: نجاد لم يتوقف عند حدود الصمود في وجه الضغوط الدولية، بل قفز فوقها مباشرة إلى حدود التحدي، حين جمع اميركا مع إسرائيل في سلة واحدة ودعا إلى قذفهما معاً إلى خارج الشرق الأوسط.

الأنياب العسكرية

هذه قد تكون الخلفية السياسية لخطاب بشار الأسد التصعيدي. وهي خلفية يجب أن تضاف إليها الأنياب العسكرية السورية والإيرانية التي برزت خلال حرب لبنان، والتي تجسدت أساساً بالصواريخ المضادة للدبابات من طراز " ميتيس- أم " و" كورنيت " و"آر. بي. جي- 29"(الروسية الصنع، السورية الملكية) التي دمّرت دبابات الميركافا الإسرائيلية، والصواريخ الإيرانية (كورية الصنع على الأرجح) التي دمّرت بارجتين إسرائيليتين، وأثبتت بذلك قدرتها على تشكيل تهديد خطير للبوارج الحربية الأميركية في منطقة الخليج.

الأسد، إذاً، لا ينطلق في هجومه المعاكس والشامل من فراغ. لكن، هل هو قادر على مواصلة هذا الهجوم حتى النهاية ضد قوى إقليمية ودولية عاتية؟ ثم: هل هو جاد حقاُ في تحويل " فكر المقاومة " إلى سياسة خارجية، مما سيستدعي ليس فقط تغيير بنية الجيش والدولة السوريين، بل أيضاً تزعم دمشق لحملة مشتركة مع إيران لإطاحة النظام الإقليمي العربي الراهن وإحلال "شرق اوسط آخر" مكانه؟

الجواب يجب أن يأتي من النخبة الحاكمة السورية، التي لما يتبين بعد ما إذا كانت تؤيد هذا النهج الذي قد ينقل النظام السوري من حال " دولة الأمر الواقع" إلى حال "الثورة الرافضة للأمر الواقع".

هذه نقطة. وثمة نقطة ثانية لا تقل اهمية عنها: محور واشنطن- تل أبيب لن يستطيع أن يقف مكتوف الأيدي وهو يتعّرض إلى مثل هذا الهجوم الأيراني- السوري الخطير. والأرجح أنه يعد حالياً الخطط لهجوم معاكس على هذا الهجوم المعاكس!.

كل هذه المعطيات تعني شيئاً واحداً: أجل. بشار الأسد يغامر، ومغامرة خطرة أيضاً.

إجتهادان

هذه الخلاصة تعيدنا إلى أسئلتنا الأولى: هل انتصر النظام السوري حقاً في حرب لبنان، عبر خوضه "الحرب بالواسطة" ( proxy war )، وعبر تجنبه الأنغماس مباشرة في الحرب؟

ثمة اجتهادان هنا:

الاول، رسمي سوري يؤكد هذا النصر ويبرر عدم الإنغماس بالمعركة لأسباب عديدة:

1- سوريا ساهمت بالفعل بالحرب. لا بل هي في الواقع من مكنّ حزب الله من إنزال الخسائر البشرية والمادية الفادحة بالجيش الإسرائيلي، عبر تزويد الحزب بأعداد كبيرة من الصواريخ المضادة للدبابات التي ساهمت، إضافة إلى صمود مقاتلي المقاومة، إلى حد كبير في حسم المعركة لصالح اللبنانيين.

2 - لو دخلت سوريا الحرب، حتى بقوى غير نظامية، لانتهزت إسرائيل الفرصة لتدمير الجيش السوري النظامي ومنشآته وقواعده. وهذا كان من شأنه إضعاف، لا تقوية، المقاومة اللبنانية التي ستفقد حينذاك كل خطوط إمدادها في العمق السوري.

3- ثم، أخيراً، المعركة لما تنتهي بعد. والقيادة السورية منكبة هذه الأيام على دراسة إمكانات وفرص نقل تجربة "حزب الله" الشعبية-الصاروخية الناجحة في جنوب لبنان إلى هضبة الجولان.

تبريرات مقنعة؟

ربما. لكن ليس بالنسبة لأصحاب الإجتهاد الثاني الذين يرون أن الإنضمام السوري إلى الحرب، كان سيسفر عن تغيير جذري في موازين القوى، ليس في لبنان فحسب بل في كل منطقة الشرق الاوسط.

فالإنضمام، أولاً، كان سيوقع إسرائيل في فخ التمدد الإستراتيجي الزائد، وسيجبرها على القتال في رقعة شاسعة تمتد من فلسطين إلى سوريا مرورراً بلبنان. ولا يجب أن ننسى هنا أن مساحة سوريا الجغرافية تناهز ال 180 ألف كيلومتر مربع، فيما مساحة إسرائيل – فلسطين ولبنان مجتمعة لا تتجاوز الثلاثين ألف كيلومتر مربع إلا قليلاً.

وهو، ثانياً، كان سيجبر الدول الكبرى على التدخل السريع لوقف انتشار الحرب الإقليمية ولاستئناف المسيرة السلمية. وهذا كان سيضع استعادة هضبة الجولان السورية المحتلة على رأس أولويات جدول الأعمال الدولي.

ثم إن عدم دخول سوريا الحرب مباشرة في جولتها الاولى التي شهدت ارتباكاً عسكرياً إسرائيلياً لا مثيل له، لن يعفيها من دفع أثمان الجولة الثانية التي يجمع الكثيرون على ان إسرائيل واميركا تستعدان لها الان تحت شعار منع دمشق وطهران من عرقلة تطبيق القرار 1701.

من على حق؟

أي الإجتهادين على حق؟: الثاني! .. لماذا؟

لسبب مقنع واحد: معمودية النار كانت ستحسم بسرعة خيارات النخبة الحاكمة السورية وتوقف ترددها بين خياري "دولة الأمر الواقع" و "الدولة الثورية"( أي المراجعة للأمر الواقع). وهذا كان سيشبه تماماً ما فعله جمال عبد الناصر في العام 1956، حين أجبر النخبة العسكرية المصرية الحاكمة على الإنحياز إلى خيار المقاومة والمجابهة، بقراره التصدي للغزو الثلاثي (آنذاك، طلبت منه بعض القيادات الإستسلام وتسليم نفسه للسفارة البريطانية).

على أي حال، ما جرى جرى، ولا سبيل لإعادة عقارب التاريخ إلى الوراء. وسيكون على سوريا الأن إثبات أمرين: الاول، انها قادرة على استثمار نصر حزب الله العسكري لتحقيق مشاريعها السياسية في لبنان والمنطقة. والثاني، أنه سيكون في وسعها تحقيق نصر عسكري مماثل في الجولة الثانية المحتملة من الحرب في لبنان والتي قد تجر إليها سوريا مباشرة هذه المرة.

وهي جولة ( كما أشرنا في البداية) تبدو حتمية.

سعد محيو- بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.