تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

وضع العربة قبل الحصان..يُعقّـد المشكلة!

التفاؤل العربي الذي ساد أعمال المنتدى الاقتصادي في الأردن في شهر يونيو، يحتاج إلى جُـهد كبير وزمن طويل ليُـترجم على الأرض

(Keystone)

العلاقة بين السياسي والاقتصادي مهمة ومعقدة في الآن نفسه، ويبرز هذا التعقيد في حالة تسوية الصراعات التاريخية الممتدة، كالصراع العربي الإسرائيلي

ويثار التساؤل أيهما يسبق الآخر، الفعل السياسي أم الفعل الاقتصادي، أم أن الصيغة الأفضل هي في التوازي في الزمن والتوازن في الخطوات بين هذا وذاك.

تشهد المنطقة العربية حاليا جدلا كبيرا بفعل مناقشات وحوارات المنتدى الاقتصادي الذي عقد في الأردن يومي 21 ـ 23 يونيو الماضي، والأطروحات الأمريكية حول تطوير المنطقة وتنميتها سياسيا وربطها تجاريا مع الولايات المتحدة خلال السنوات العشر المقبلة، وهذا ليس جديدا في جوهره بالنسبة للمنطقة العربية.

فقد عرفت المنطقة منذ أكثر من عقد جدلا مماثلا، حين بدأت عملية مدريد في أكتوبر 1991، وارتفعت وتيرتها بعد التوصل إلى اتفاقات أوسلو في سبتمبر 1993، واتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل عام 1994.

فكرة قديمة ومغلوطة

كانت الفكرة التي حاول البعض من العرب مدفوعين بآمال غير واقعية وأوهام كبيرة عن قرب السلام وشموله من جانب، وراغبين في التداخل والتشابك أكثر فأكثر مع الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل من جانب آخر، ومتصورين أن إسرائيل قد تغيرت في سياساتها ونواياها، ولم تعد بحاجة إلا لبعض حوافز اقتصادية، والمزيد من الاندماج والتطبيع مع أحوال المنطقة والمشاركة في تنميتها تكنولوجيا.

وقد حاولت أطراف عربية وأجنبية تسويق فكرة أن تسوية الصراع مع إسرائيل تتطلب البحث في الاقتصادي قبل السياسي، أو الانتقال من الجيو سياسي إلى الجيو اقتصادي، حسب التعبيرات الفخمة والفضفاضة التي تداولها البعض آنذاك، بمعنى أن الأول الجيو سياسي الممزوج بالأيديولوجيات الوضعية والتفسيرات الدينية لم يحل المشكلة طوال خمسة عقود، والوقوف عنده سيمثل عقبة كبيرة في التوصل إلى تسوية تاريخية.

أما الثاني، أي الجيو اقتصادي، فمن شأنه أن يخلق الروابط المفقودة بين المجتمعات وبعضها، ويُنشئ المصالح المشتركة بين القطاع الخاص هنا وهناك، وأن يزيل غمة الانكفاء عند المطالبة بالحقوق السياسية، وأن يطور المنطقة من صراع حول قطعة أرض هنا أو مسجد هناك إلى تنافس مفتوح يستفيد منه كل أبناء المنطقة.

وبالرغم من الحجج الجميلة التي قيلت آنذاك حول حيوية وأولوية الاقتصاد لقلب أوضاع المنطقة من صراع إلى تعاون، ومن حروب إلى سلام، استنادا إلى افتراض أن إسرائيل ونخبتها باتوا قابلين "للتموضع" الطبيعي في المنطقة، وأن المهم هنا أن يُـدرك العرب أن الدور عليهم في التغيُّـر وفي فتح أبوابهم أمام جار جديد مسالم وطبيعي، وأن يثبتوا حسن نواياهم وتخليهم عن التحريض وسوء النية تجاه هذا الجار، فإن الواقع طوال العقد المنصرم، أثبت أن كل تلك المقولات والافتراضات ظلت لا تساوي شيئا ولا قيمة عملية لها.

فالجار المقصود لم يُـبدِ رغبة حقيقية في السلم، علاوة على أن شرائح كثيرة في النخبة والرأي العام في العالم العربي تعتبر أن التحول من السياسي أو التخلي عنه إلى الاقتصادي بالمنطق الإسرائيلي الأمريكي ليس إلا مكافأة للعدوان وإرهاب الدولة، وفي الوقت نفسه قهرا للحقوق المشروعة واستسلاما مسبقا.

عودة جديدة لأفكار قديمة

ويعود الجدل نفسه والافتراضات القديمة نفسها إلى الواجهة مرة أخرى مسلحة بصخب سياسي وإعلامي من جانب، وواقع إقليمي أكثر تعقيدا من جانب آخر.

فالصخب السياسي الإعلامي العائد إلى المنتدى الاقتصادي الذي شهدته الأردن مؤخرا، لم يُخف أن الفكرة التي طُرحت قبل أكثر من عقد لم تتغير من حيث الجوهر، وتعني الإدماج القسري لإسرائيل قبل أن تعطي للعرب جزءً ولو محدودا من حقوقهم المشروعة، بل ربما أكثر من مجرد الإدماج القسري.

فدعوة الولايات المتحدة لأن تقوم إسرائيل في المساهمة في إعمار العراق، أو أن تكون الشراكة بين الشركات الإسرائيلية والعربية الراغبة في المشاركة في عقود إعمار العراق شرطا مسبقا لنيل فتات الموائد الأمريكية تمثل نموذجا فجا في تشكيل حقائق جديدة في المنطقة يصبح فيها القطاع الخاص العربي مجرد ذَنب تافه لا حول له، تحركه إرادة أجنبية، وبالتحديد أمريكية، بما يفقده قدرته على الحركة والتنافس والنمو الطبيعي.

والأمر برمته أكثر من خطأ آخر تقع فيه الولايات المتحدة. إنه إصرار على التمادي في الخطأ التاريخي والرؤية المشوهة لما يجري في المنطقة، وكأن ما يجري في العراق لم تدركه العقول الأمريكية بعد.

ونشير هنا إلى ما أوردته بعض تقارير صحفية حول إشاعات في العراق بأن الإسرائيليين قادمون لنهب ثروات البلد تحت حماية الاحتلال الأمريكي، ومن ثم خرجت الفتاوى الدينية من السنة والشيعة معا، تحرم التعامل معهم بيعا وشراء، وتضع من يتعامل معهم من العراقيين في مرتبة المشركين بالله، وهي إشاعات دعمتها روايات قادمة من مناطق الأكراد في شمال العراق، حيث بدأت شركات إسرائيلية تنصب قواعد لها هناك، تعمل في إنشاء الطرق والجسور. ولكن هل أدرك الأمريكيون مغزى الإشاعة ومغزى الفتوى الدينية؟ الأمر الظاهر، لا.

وإذا ربطنا ذلك، وتحديدا الضغط على العرب، حكومات وقطاع خاص، للانصياع إلى شروط إسرائيل مع الواقع الجديد الإقليمي، فسوف تتضح الصورة أكثر فأكثر.

أبرز ملامح هذا الواقع الإقليمي الجديد تتبيّـن في الاحتلال الأمريكي للعراق، وتعثر تطبيق خارطة الطريق، واستمرار الانحياز الأمريكي لحكومة شارون اليمينية على نحو يثير أكثر من مجرد الحزن على هيبة القوة العظمى الوحيدة في العالم المعاصر، وملامح مواجهات سياسية، وربما أكثر منها قليلا، وتلويح بعقوبات إزاء بلدين رئيسيين في المنطقة، إيران وسوريا ومعهما لبنان.

في غياب أي مشروع عربي...

إذن، عاد الجدل القديم في ظل ظروف يعتقد البعض أنها باتت مواتية تماما لتمرير ما تم العجز عن تمريره في السابق، إضافة إلى تدخل أمريكي مباشر هذه المرة في وضع العربة قبل الحصان، ممثلا في مشروع إنشاء منطقة التجارة الحرة بين دول المنطقة، والسوق الأمريكي الأضخم في العالم.

والمشكلة هنا ليست في هذا المشروع في حد ذاته. فموضوع الانفتاح على سوق متقدمة وواسعة وسريعة النمو مثل السوق الأمريكية أمر تصبو إليه دول كثيرة، خاصة النامية التي تتطلع بدورها إلى سوق حيوية تدفع بإنتاجها المحلي إلى مستويات أفضل من حيث المستوى العام والقدرة على التنافس، وأيضا القدرة على الاستهلاك.

لكن الأمر في المشروع الأمريكي يكمن في شروطه السياسية، سواء ما يتعلق بتغييرات في داخل الأنظمة العربية نفسها، أو في شرط التعامل مع إسرائيل وتبني مقولاتها فيما يتعلق "بإرهابية المقاومة الفلسطينية"، أو ضرورة الشراكة مع الشركات الإسرائيلية كمدخل لنيل المزيد من المزايا التجارية والعقود داخل السوق الأمريكية نفسها، وكأن المقصود أن يمر كل شئ عبر بوابة تل أبيب.

من الناحية الفنية، وحسب عرض روبرت زوليك الممثل التجاري للرئيس بوش، فإن مبادرة إنشاء منطقة تجارة حرة أكثر من مجرد تبادل تجاري، فهدفها الجوهري هو تحقيق الاندماج الاقتصادي لدول المنطقة في الاقتصاد العالمي، ومن ثم مساعدة الدول العربية على بناء اقتصاديات حرة تتسم بالديناميكية وتسهم في رفع مستوى المعيشة لمواطنيها.

ولكن على هذه الدول أن تظهر التزامها في التحرير الاقتصادي والقيام بالإصلاحات المطلوبة، بداية من تحسين أوضاع المرأة وإطلاق وتحرير القطاع الخاص، وتغيير العديد من القوانين التي تتناسب مع القوانين الأمريكية، ونهاية بتبني الرؤية الأمريكية كاملة تجاه إسرائيل ودور الاحتلال الجديد الذي فرضته الولايات المتحدة في العراق.

طبعا، ما قاله الوزير الأمريكي كولن باول حول إيمان إدارة الرئيس بوش بضرورة الاستقرار في المنطقة وتطبيق خارطة الطريق كعامل مساعد للسير قدما في مشروع منطقة التجارة الحرة العربية الأمريكية، وإن عكس تفهما جزئيا بالعلاقة الجدلية بين السياسي والاقتصادي في المنطقة، إلا أنه يظل أقل مما تستحقه الدول العربية، وما تفترضه الرؤية الواقعية لمشكلات المنطقة ككل.

فخريطة الطريق غير المتوازنة في أعبائها والخالية من الضمانات الأمريكية والدولية، وتخبط الاحتلال الأمريكي في العراق، واستبعاد سوريا من عملية السلام، والتعبئة الإعلامية والسياسية لحالة هيجان وأزمة سياسية في إيران، والتعالي في التعامل مع بلد يفترض أنه حليف رئيسي كتركيا، كل ذلك يجعل التحول من الجيو سياسي إلى الجيو اقتصادي ليس أكثر من مشروع طموح، ولكنه بلا جذور في الواقع، على الأقل لمدة عقد مقبل.

ومن ثم يظل العبء الأكبر على البلدان العربية نفسها. فكلما تأخرت في اتخاذ خطوات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، التي طالما طالب بها النشطون السياسيون الوطنيون من كل اتجاه فكرى وسياسي قبل عقدين من الزمن، سيظل الضغط الأمريكي والتوتر الداخلي عنوانا بارزا لمرحلة طويلة مقبلة، وسيظل العمل الوحيد المتاح لنخب حاكمة وخائفة من شعوبها، الاستمرار بمطالبة القوة العظمى الوحيدة بالأخذ في الاعتبار بعض طموحاتها المشروعة جنبا إلى جنب الكثير من خصوصياتها، أو بالأحرى الكثير من عوامل بقاء الأوضاع على ما هي عليه. وهنا ستقع الكارثة الكبرى لا محالة.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

معطيات أساسية

انعقد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط في موفى أكتوبر 1991 وعقبته سلسلة من المؤتمرات التي سميّـت بمؤتمرات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا MENA وأشرف على تنظيمها المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس وفق الجدول التالي:
مؤتمر الدارالبيضاء: أكتوبر 1993
مؤتمر عمان: أكتوبر 1995
مؤتمر القاهرة: نوفمبر 1996
مؤتمر الدوحة: نوفمبر 1997

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×