وفاة الحسيني..هزة مؤلمة

هل سيساعد الرحيل المفاجئ لفيصل الحسيني على عودة الوعي الى طي صفحة الماضي بين الفلسطينيين والكويتيين Keystone

ربما لم يستطع الفقيد الراحل "أبو العبد" أن يخدم حيّا مصالحة فلسطينية – كويتية ففداها بروحه على أرض الكويت نفسها، فالعلاقات المجمدة والمتوترة بين القيادتين، كانت تحتاج إلى هزة مؤلمة تعيد الكثير من الجانبين إلى بعض رشدهم.

هذا المحتوى تم نشره يوم 01 يونيو 2001 - 10:39 يوليو,

للكويت مكانة خاصة في انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، ففيها التقى عام ثمانية وخمسين ياسر عرفات وخليل الوزير(أبو جهاد) بسبع شخصيات فلسطينية أخرى، ليشكلوا النواة الأولى لحركة "فتح"، مستفيدين وقتها من تحول السعودية ودول الخليج الأخرى إلى قبلة لكثير من الفلسطينيين الذين غادروا قطاع غزة في أعقاب العدوان الثُلاثي على مصر أواخر عام ستة وخمسين، سواء بسبب اضطهاد الإسرائيليين الذين احتلوا القطاع وقتها لبضعة أشهر أو بحثا عن لقمة العيش.

وللسبب التاريخي هذا بالتحديد، كانت علاقة الكويت بالفلسطينيين علاقة ب"فتح" بشكل أدق، خاصة وقد استقرت بأرضها قيادات بارزة من رعيل المؤسسين بدءًا ب "أبو عمار"، الذي عمل فيها لسنوات، مهندس طرقات وجسور وصولا إلى الراحلين صلاح خلف (ابو إياد) وخالد الحسن (أبو السعيد)، وسليم الزعنون (أبو الأديب) رئيس المجلس الوطني الفلسطيني وغيرهم.

وعلى الرغم من وجود عناصر أخرى، لا سيما من بين القوميين العرب الذين سيشكلون لاحقا المكــوّن الرئيسي للتيار اليساري في الحركة الفلسطينية، الذي استفاد من رموز قومية كويتية بارزة وقفت معه وآزرته من أمثال الدكتور أحمد الخطيب، الذي كان هو من فحص فيصل الحسيني في غرفته بالفندق ليعاين أنه انتقل إلى جوار ربه.

صدمة حرب الخليج

وعلى غرار معظم دول الخليج العربية، كانت الكويت أحد أهم مصادر الدعم المالي لقيادة ياسر عرفات بعد أن استتبت لها إدارة دفة منظمة التحرير الفلسطينية في سبتمبر عام تسعة وستين مع انتخابه رئيسا للجنة التنفيذية للمنظمة.

وكان هذا الدعم على أكثر من واجهة، فبعضه رسمي مباشر من الحكومة والآخر من أثرياء البلد وأمرائها، إلى جانب الاقتطاع الثابت من رواتب الفلسطينيين العاملين هناك وتحويله لصندوق المنظمة.

لكل ما سبق، كانت صدمة الكويتيين شديدة عندما رأوا في مواقف القيادة الفلسطينية إبان الغزو العراقي للكويت في أغسطس عام تسعين وما أعقبه، موالاةًً لبغداد، في حين لم يكلّ الفلسطينيون في الترديد بأنهم ما زكّوا إحتلال العراق للكويت بل طالبوا برحيله، ولكن ما كان لهم، بعد تعقد الأمور وقدوم القوات الأجنبية إلى المنطقة، ان يكونوا في ذات معسكر واشنطن وإسرائيل.

وظلت العلاقة منذ ذلك الحين حبيسة تجاذب هذين الموقفين بطريقة لم يتنازل فيها أحدهما للآخر قيد أنملة، ودفع فلسطينيو الكويت ثمن ذلك باهضا، إذ لم يسمح لكل من غادر الكويت خلال الإحتلال العراقي أو الحرب التي أعقبه من بين زهاء الاربع مائة وخمسين ألف فلسطيني بالعودة، فيما وجهت أصابع إتهام عديدة لمن ظلوا هناك بالتعاون مع القوات العراقية وحوسبوا فيما بعد حسابا عسيرا وأخذ غيرهم بجريرتهم، رغم وقوفهم مع الكويتيين والذود عنهم.

إصرار على رفض المصالحة

وفي خضم الأحقاد التي تخلفها النزاعات والحروب عموما، لم يستطع بعض الكويتيين التمييز بين من وقف ضدهم ومن وقف إلى جانبهم من الفلسطينيين فخالد الحسن -رحمه الله- عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، كان أحد أشرس المنتقدين لموقف الرئيس عرفات من الكويت، خلال أزمة الخليج صيف عام تسعين ومع ذلك، أُحرق بيته في الكويت وسحبت السلطات الجنسية منه ومن عائلته، التي عاشت لسنوات هناك، وهو ما خلف لديه مرارة لم تفارقه حتى رحيله قبل زهاء الست سنوات.



والمفارقة أن السلطات لم تكن وحدها في البقاء على سخطها على القيادة الفلسطينية، بل كانت هناك شخصيات قومية وإسلامية أشد منها في ذلك من أمثال رئيس مجلس الأمة الكويتي السابق أحمد السعدون وغيره من النواب، ممن وصف أحدهم عرفات أخيرا بأنه "صهيوني أكثر من شارون".

وكثيرا ما كان هؤلاء يزايدون على الحكومة ويشهرون بأية بادرة مهما بدت محدودة، كالمصافحة التي تمت بين الرئيس الفلسطيني ووزير الخارجية الكويتي على هامش قمة عربية أخيرة، فضلا عن أن المصالحة مع الفلسطينيين تحولت تدريجيا إلى أحد مواضيع التجاذبات بين مراكز القرار داخل الأسرة الكويتية الحاكمة نفسها، مما ساهم بقوة في تأجيل إزالة "الغمامة السوداء" كما كان يسميها الراحل فيصل الحسيني رغم كل عطاءات الانتفاضة منذ أكثر من ثمانية أشهر.


محمد كريشان - الدوحة.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة