تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

وفاق عريض يُؤسّس لعقد اجتماعي جديد دستور تونس الجديد "خطوة هامة" في اتجاه القطع مع الإستبداد



بعد ساعات قليلة من مصادقة المجلس الوطني التأسيسي على الدستور الجديد في ساعة متأخرة من يوم الأحد 26 يناير 2014، بادرت المطبعة الرسمية إلى طبع النص النهائي وتوزيعه في اليوم الموالي

بعد ساعات قليلة من مصادقة المجلس الوطني التأسيسي على الدستور الجديد في ساعة متأخرة من يوم الأحد 26 يناير 2014، بادرت المطبعة الرسمية إلى طبع النص النهائي وتوزيعه في اليوم الموالي

(Keystone)

بعد مخاض عسير، أصبح للتونسيين دستور جديد يؤسّس للجمهورية الثانية، التي يُـفترض فيها أن تقطع مع شروط وعوامل النظام الأبوي والمستبد. وبذلك، عادت تونس لتحتلّ من جديد موقعا متميِّزا على الساحة الدولية، بعد أن اهتزّت صورتها وكادت تلحق بما أصبح يسمّى بدول الخريف العربي. لكن هل يستحق هذا الدستور كل هذه الضجة؟ أم أنه وثيقة عادية لا تكمُن أهميتها في مضمونها، بل مجرّد محطة عابِرة في مرحلة دقيقة يعتقِد البعض بأنها محكومة بأزمة مستمرة؟

يُخطِئ مَن يقول بأن الدستور التونسي أفضل دستور في العالم، إذ وردت فيه فصول لم ترتق إلى مستوى ما أقرته المواثيق الدولية، وبعضها الآخر يشكو من التناقُض وعدم التجانُس بين مكوِّناته بلغت حسب البعض إلى حدّ "التنكر للبُعد الجغرافي" لتونس، وذلك بعدم التنصيص على عُمقها المتوسطي.

لكن في المقابل، لا يجوز التقليل من أهمية ما تحقّق، والذي تجاوز بكثير ما ورد في دستور 1 يونيو 1959. لقد عكس كل منهما طبيعة المرحلة التي أنتجته. ففي الدستور الأول، كان التحدّي يتمثل في بناء دولة حديثة ومركزية، في حين جاء الدستور الحالي ولِيد ثورة خلطت الأوراق وصعّدت قِوى سياسية واجتماعية غيْر مُتجانِسة في مساراتها ومرجعياتها ومشاريعها المستقبلية وطموحاتها. ومن هذه الزاوية، فقد تضمن دستور 27 يناير 2014 مقوّمات من شأنها أن تُعيد توزيع السُّلط في البلاد بشكل جِذري وتجعل عودة الإستبداد ومركزية القرار، احتمالا غيْر وارد، إلا عبْر انقلاب عسكري أو زلزال سياسي جارف.

الوِفــــاق 

عندما تم إيقاف العمل بالدستور القديم، كان ذلك القرار مُجازفة كُبرى، لأنه نسَف الإجماع السابق الذي فرضته القيادة السياسية التي قادت البلاد بعد الإستقلال عن فرنسا. ومن هنا، جاء الحديث عن ضرورة اعتماد الورقة البيضاء، أي الإنطِلاق من الصِّفر، لبناء توافُق مُجتمعي جديد. وبذلك انفتحت الأبواب على مِصراعيْها في جميع الإتِّجاهات ولعبت الأيديولوجيا دورا واسِعا في النقاشات، ممّا أدّى إلى توسيع دائرة الإختلافات بين مُكوِّنات المجلس الوطني التأسيسي، وانتقلت تلك الصِّراعات إلى وسائل الإعلام وشتى فضاءات المجتمع، ممّا كاد أن يؤدّي بانهيار التجربة برمّتها في أكثر من محطة.

الوِفاق هو المفتاح السحري الذي مكّن من التوصل إلى إنجاز هذا الدستور، كما أنه كان حاسما في إنجاح المسار الحكومي من خلال إقناع حركة النهضة بضرورة الإستقالة والخروج من الحكومة، والتوصل في المقابل إلى اختيار رئيس جديد للحكومة مستقل ومن الكفاءات، رغم اعتراض البعض عليه بحجّة الإخلال ببعض قواعد التوافق.

مضمون الدستور الجديد 

شمل الدستور الجديد مختلف القضايا الكبرى، التي تهم الكيان العام للمجتمع التونسي. ومن هذه القضايا، علاقة الدِّين بالدولة وضمان الحريات والحقوق الأساسية، مثل حرية المعتقد والضمير، التي أثارت جدلا واسعا داخل المجلس التأسيسي وخارجه. كما دار صِراع حامٍ بين القُضاة والمجلس حول الآليات الكفيلة بضمان استقلالية السلطة القضائية. وأثيرت مسألة حماية الحقّ في الحياة، من خلال دعوة الأطراف الحقوقية، إلى إلغاء عقوبة الإعدام.

كذلك تمّ التنصيص على عدم تدخّل الجيش في الشؤون السياسية، إلى جانب التأكيد على ما سُمي بالأمن الجمهوري، لإخراجه من سياق التوظيف الحِزبي للأجهزة الأمنية، التي سبق وأن عانت كثيرا من هذه العاهَة. وقد حدثت ضجّة كبرى بمناسبة مناقشة شروط الترشّح إلى منصب رئاسة الجمهورية، حيث تمّ لأول مرّة التأكيد على حق التونسيين الحاملين لجنسية أخرى من الترشّح إلى هذا المنصب الهام، بشرط التعهّد بالتخلّي عن جنسيته الثانية عند تقديم طلب الترشح.

لقد وفّرت صياغة الدستور فُرصة تاريخية لمواجهة مُعظم الإشكاليات المعقّدة، التي لم تكن السلطة الدكتاتورية السابقة تسمح بالتعرّض إليها في أجواء مفتوحة وعلنية. لهذا، تدخلت أطراف عديدة من أحزاب ومنظمات مجتمع مدني ووسائل إعلام وخبراء، وانعكس كل ذلك إيجابيا على الحصاد النهائي للدستور.

 لعل أهمّ ما يُميِّز الدستور التونسي، تضمّنه لآليات متعدّدة، ستنهي الانفِراد بالحُكم وتوفِّر قاعدة أساسية لإقامة نظام سياسي ديمقراطي، تتوزّع بين مكوِّناته عناصِر السلطة والنفوذ. لقد حاول أن يخلق التوازن بشكل نِسبي بين رئيس الحكومة ورئيس الدولة  وأعطى صلاحيات هامة للبرلمان ووفر الأرضية الملائمة لاستقلال السلطة القضائية. كما أعطى صلاحيات هامة لخمس هيئات دستورية أساسية، هي "الهيئة المستقلة للانتخابات" و"هيئة الاتصال السمعي البصري" و"هيئة حقوق الإنسان" و"هيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة" و"هيئة الحوْكمة الرشيدة ومكافحة الفساد".

كما اتجه الدستور نحو وضع آليات صلبة لقيام سلطة محلية فاعِلة، تكون مستنِدة على انتخاب الهيئات المحلية، مثل البلديات والمجالس الجهوية، مع تمتّع هذه الهيئات بصلاحيات مالية وإدارية تمكِّنها من وضع الأولويات وتنفيذها، بدون الرجوع الإجباري للسلطة المركزية.

هذا إلى جانب المِظلة الدستورية والهيكلية التي أصبح يتمتّع بها الإعلام والإعلاميون، ممّا حرّره من كثير من القيود السابقة التي كبّلته وألغت دوره، وهو ما جعل حرية التعبير والصحافة، ممارسة يومية ونقل الإعلام من مستوى التابع الذليل إلى طرف شريك في صُنع السياسات.

لحظات فاصلة

يمر التونسيون حاليا بلحظات فاصِلة في تاريخهم المعاصر. إنهم يشبهون راكب القطار، لن يُدرك سرعته إلا إذا غادَره ونظر إليه من الخارج. فهُم رغم التصدّعات التي أصابت كِيانهم الجماعي بسبب هذا الإنتقال المفاجئ والعاصف للسّلطة، على إثر انهيار نظام بن علي، إلا أن تحوّل الدستور إلى شأن عام في أجواء لا تزال ساخِنة، رغم هيمنة المطالب الإجتماعية على الكثير من المواطنين، يترك أثره بالضرورة على الوعْي الجماعي، وقد يوفِّر لهم فرصة لبناء نظام سياسي جديد وقابل للحياة والإستمرار.

وإذا ما حصل ذلك، فإنه بالتأكيد سيفتح المجال أمام بقِية الدول العربية للسير على نفس المنوال. ولعل ذلك هو الذي دفع بالرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إلى القول قبل أيام قليلة، بأن "المفاوضات التي تشهدها تونس لصياغة دستور جديد، تُثْبت أن العملية الديمقراطية يُمكن أن تنجح"، قبل أن يضيف "هذا المِثال يمكن أن يُلهِم بلدانا أخرى، أفكِّر في مصر".

swissinfo.ch


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×