تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

ولاية ثانـيةٌ بنسبة فاقت كل التوقعات!

أثبت الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من خلال فوزه في الدور الأول وبنسبة هائلة من الأصوات أن الخطاب الشعبوي هو الطريق الأمثل للوصول إلى الناخب الجزائري

(Keystone)

بعد صخب إعلامي بإمكانية بل وبضرورة إجراء دور ثان للانتخابات الرئاسية، فوجئ الجزائريون بفوز بوتفليقة بولاية ثانية وبنسبة فاقت كل التوقعات: "83,49%".

وبعد هذا الفوز الساحق الذي شكك في نزاهته عددٌ من المرشحين الذين خاضوا المنافسة الرئاسية، تُُُطرح تساؤلات حول الطريقة التي سينتهجها الفائز لتسيير شؤون البلاد

تُمثل هذه النتيجة صدمة للمرشحين الخمسة الذين خاضوا المنافسة الرئاسية ضد بوتفليقة لأنهم اعتمدوا في تحركاتهم على النتائج التي حصلوا عليها في الانتخابات البلدية والبرلمانية السابقة، وهي كلها تمنحهم ثقة كبيرة للوصول إلى دور ثان وهزيمة بوتفليقة.

غير أن الذي حدث كان عكس ذلك، حيث تبين بعد غلق مكاتب التصويت وبدء عمليات فرز الأصوات أن لغة الخطاب التي تحدث بها المرشحون أمام الشعب الجزائري خلال التجمعات الانتخابية كانت من النوع الذي لا يفهمه أغلب الجزائريين.

واستغرب "المثقفون" في المدن الكبرى وخاصة في العاصمة الجزائرية كيف خاطب بوتفليقة الناس بأسلوب حماسي لا برنامج فيه سوى الحديث عن السلم والإصلاح الاقتصادي بشكل عام.

كما كان المرشحون الخمسة، وعلى رأسهم الثلاثة الذين رجحت استطلاعات الرأي أن يكونوا أهم المنافسين لبوتفليقة، أبعد ما يكونوا عن الخطاب الانتخابي البناء. وقد كالوا بوتفليقة بكل أنواع النقد والشتم. والثلاثة هم علي بن فليس الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، والشيخ سعد عبد الله جاب الله زعيم حركة الإصلاح، والدكتور سعيد سعدي زعيم التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية.

أدت هذه السياسة إلى تجمع شعبي كبير خلف بوتفليقة الذي قيل بأنه استفاد من عامل التعاطف بعد الحملة التي شُنت عليه في وسط مواطنين أميين يُمثلون 60% من مجموع الشعب الجزائري.

الخطاب "الشعبوي" أتى ثماره!

صحيح أن المنهزمين صرخوا عندما أعلن وزير الداخلية النتائج أن التزوير كان كبيرا وأن الإدارة تحالفت مع بوتفليقة بأسلوب غير شرعي. غير أن هذا الاتهام لم يقم عليه دليل، وبوتفليقة فاز بعد فرز أصوات الناخبين الذين كانت النساء وكبار السن أغلبهم فيما عزف الشباب عن التصويت.

والحقيقة أن فوز بوتفليقة بهذه الطريقة عقَّد من مهمة السياسيين الجزائريين الذين يريدون ترقية المفهوم الحزبي والانتخابي، لأن بوتفليقة أثبت بالدليل القاطع ومن خلال نسبة فوز هائلة أن الخطاب الشعبوي هو الطريق الأمثل للوصول إلى الناخب الجزائري، ليطرح السؤال الحرج: كيف غابت هذه الفكرة عن باقي المرشحين وخاصة علي بن فليس وعبد الله جاب الله وسعيد سعدي؟

الجواب أن خوضهم السباق الانتخابي بهذه الطريقة كان مستحيلا بالنسبة لهم. غير أن بوتفليقة أدرك أن ازدواجية الخطاب هي الحل لربح أصوات الناخبين. فمع المثقفين يكون بوتفليقة مثقفا ومع الأميين لا يكاد المرء يفرق بين حديثهم وحديثه ليمتزج التواضع والدهاء السياسي بطريقة مدهشة...

ونتج بطريقة أوتوماتيكية وضع غريب بالنسبة للمهزومين الخمسة، فعليهم انتهاج ثلاثة سبل بعد هذه الهزيمة القاسية: إما الانسحاب من الساحة السياسية، وهذا أسهل الحلول، وإما اعتماد الخطاب المزدوج، وإما انتهاج أصعب الطرق، وهو البدء في إعادة تسييس المجتمع الجزائري، ويالها من مهمة شاقة.

لم يكن متوقعا أبدا أن يحصل بن فليس على نسبة 7%، كما لم يكن متوقعا أن يحصل جاب الله على 4%، ولم يكن متوقعا أبدا أن يحصل سعيد سعدي على نسبة 1%، وهي نفس النسبة التي حصلت عليها لويزة حنون، فيما فاز علي فوزي رباعين بنسبة تقل عن واحد في المائة...

ماذا بعد الانتصار الساحق؟

اعتبر الكثيرون أن فوز بوتفليقة دمر الطبقة السياسية الوليدة، وحوّلها إلى مجموعة من المثقفين المغرورين الذين يجهلون واقع الشعب. غير أن السؤال بعد هذا الاستنتاج القاسي يبقى مطروحا، ماذا سيفعل بوتفليقة بهذا الفوز الهائل؟ وما الطريقة التي سينتهجها عند تسيير شؤون البلاد؟

يوجد في الجزائر 14 مليون مواطن يعيشون تحت خط الفقر. ومن حسن حظ رئيس دولة أنه فاز وسط هؤلاء لأن المنطق يقضي بأن هلاكه سيكون حتما على أيديهم.

مثل هذا الوضع الذي يود أغلب قادة العالم أن يكونوا فيه، يجب أن يستغله بوتفليقة في الاتجاه الصحيح. ومن معاني هذا الاتجاه هو إبلاغ المواطنين الذين انتخبوا لصالحه بحماس منقطع النظير أن الحالة الاقتصادية قد تزداد سوءا بسبب ارتفاع سعر المواد الغذائية التموينية في السوق الدولية، وأن سعر السكر والحليب قد يتغير في الأسابيع والأشهر المقبلة.

أما سوق العمل فيجب أن تزدهر بسرعة عبر جلب الاستثمارات الدولية التي فشل بوتفليقة في جلبها خلال فترة حكمه الأولى، بسبب أفكاره الاقتصادية التقليدية التي تحبذ التسيير الموجه عوض التسيير الحر.

ثم ماذا عن التعامل مع الخصوم السياسيين؟ وهل سينتقم بوتفليقة من الصحافة التي شنت ضده حملة لم يسبق لها مثيل؟

بعض الصحافيين يؤكد أنه يخوض حربا شعواء ضد بوتفليقة لأنها مسألة حياة أو موت، غير أن إعلاميين آخرين يرون المسألة من وجهة نظر مغايرة، قوامها تغيير طريقة التحاور مع بوتفليقة أو بالأحرى إبعاد المتطرفين الناطقين باللغة الفرنسية عنها.

الواقع يُظهر هنا أن الصحافة الناطقة باللغة الفرنسية فقدت الكثير من الأوراق لأنها راهنت على ذهاب بوتفليقة واختفاءه من الساحة السياسية. غير أن هذا الرهان أثبت خطأه بشكل واضح.

فيما تأجل مشروع القنوات الإذاعية والتلفزيونية الخاصة التي حلم بها الكثير من الصحافيين إلى موعد انتخابي لاحق سيكون تبعا للحسابات البشرية في شهر أبريل من عام 2009، علما أنه يجب إقناع الجزائريين في المناطق الداخلية بجدواها.

أصوات الأميين "سلاح ذو حدين"

لقد انتهت كل الحسابات بشأن إمكانية إجراء دور ثان، وفاز بوتفليقة بنسبة تمكنه من تحقيق ما يشاء إذا ما التزم بخط عمل يتلاءم مع عقلية غالبية الشعب الجزائري التي ظهر أنه يفهمها بشكل واضح. غير أن عليه أن يتذكر أن محاولة استغلال غفلة الأميين سلاح ذو حدين، وأن إعطاء الوعود مسألة في غاية الخطورة.

وبالنسبة للذين أرادوا أن تكون الجزائر مثلا للديموقراطية في العالم العربي، فقد كان لهم جزء من المراد فيما ضاع الجزء الآخر وسط حمأة الجهل بعقليات الشعوب.

صحيح أن بوتفليقة قد فاز بسبعة ملايين صوت لا يشك في صحة معظمها إلا المكابرون، غير أن الأمي وطيب القلب وصاحب النية الحسنة جميعهم يتعادل غضبهم مع طيبتهم. وبما أنهم يريدون النتائج بأسرع ما يمكن، لا مفر للجميع أن ينتظر كيف سيبني بوتفليقة خلال عهدته الرئاسية مليون بيت ويوفر مليوني فرصة عمل؟

الإنجاز في حد ذاته ليس معجزة غير أن تحول الطبائع بين عشية وضحاها مسألة فيها نظر، ولا يظن أحد أن الجواب على هذا الإشكال مكانه بين الأميين والعجائز...

هيثم رباني - الجزائر

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك