مُستجدّات ورُؤى سويسريّة بعشر لغات

“الشبكة المركزية” لإدارة حروب المستقبل

حروب المستقبل ستكون أشبه في تقنيتها بأفلام الخيال العلمي swissinfo.ch

لقد بدا مؤخرا أن هجمات 11 سبتمبر ونتائج الحرب على أفغانستان والعراق قد أدت إلى تغيير التصورات السائدة في التفكير الأمريكي نسبيا بشأن "حروب المستقبل".

غير أن وزارة الدفاع الأمريكية لم تتخلّ تماما عن منطق ما قبل عام 2001 في مسألة الحروب.

بينما كانت القوات الأمريكية تئن تحت وطأة واحدة مما يعتبر، بالمعايير التكنولوجية، حروب الماضي، داخل شوارع مدن كالفلوجة والرمادي في العراق، بدأت وزارة الدفاع الأمريكية في تنفيذ مشروع ضخم لإقامة شبكة معلومات عسكرية خاصة بها، لإدارة ما تسميه عادة حروب المستقبل، وعلى نحو يطرح سؤال كبير هو: كيف يفكّـر البنتاغون؟

لقد بدا خلال الفترة الماضية أن هجمات 11 سبتمبر، ونتائج الحرب ضد جيش طالبان شبه النظامي في أفغانستان، وما جرى بعد نهاية الحرب النظامية ضد الجيش العراقي، قد أدّى إلى تغيير التصورات السائدة في التفكير الأمريكي نسبيا بشأن “حروب المستقبل”، إلا أن وزارة الدفاع الأمريكية لم تتخلّ تماما عن منطق ما قبل عام 2001 في مسألة الحروب.

كانت البداية القريبة لهذا المشروع عام 1999 عندما ساد توجّـه داخل الولايات المتحدة بأنه لا توجد ضغوط حقيقية تدفعها إلى إعادة التفكير في سياستها الدفاعية، وأن الأوضاع الخارجية لا تضغط بصورة مُـلحّـة في اتجاه بحث تلك القضية.

لكن، في ظل حالة “الهدوء الاستراتيجي” تلك، كان هناك من يرون أهمية بحث مستقبل الحروب لمواجهة أية أزمة دولية غير متوقعة، خاصة وأن إعادة تشكيل أوضاع القوات الأمريكية سيستغرق وقتا.

كانت البدائل المختلفة التي وضعتها دراسات عديدة جرت في “مراكز التفكير” ومؤسسات رسمية أمريكية، تستند على مفاهيم مألوفة كالدفاع الحذر أو الدفاع المتوازن أو الدفاع المشترك.

لكن، كان أهمها مفهوم يشير إلى “دفاع مبتكر”، يؤكّـد على تشكيل جيش صغير متميّـز يعتمد على إنجاز مهامّـه العسكرية عبر تفوُّق تكنولوجي كاسح في وقت قياسي، وبأقل الخسائر البشرية، استنادا إلى كل ما تُـتيحه الثورة في الشؤون العسكرية من أنظمة تسليحية.

“الشبكة المركزية لإدارة العمليات العسكرية”

لم تكن فكرة “الحرب مركزية الشبكات Network-Centric Warfare”، أو بعبارة أكثر بساطة الشبكة المركزية لإدارة العمليات العسكرية، قد تبلورت بدقة على المستوى الحكومي في ذلك الوقت.

فعندما وصلت إدارة الرئيس بوش إلى البيت الأبيض في نهاية عام 2000، كانت لديها مبادئ عامة لما تريد أن تكون عليه أو تفعله القوات المسلحة، كعدم قيام الجيش بأي مهام غير قتالية، وحفظ السلام أو مهام معقّـدة طويلة المدى “كبناء الأمة”، مع تحويل القوات المسلحة نحو أنظمة تكنولوجيا المعلومات، فيما بدا وكأنه ميل انسحابي أمريكي من مسارح العمليات الدولية، مع العودة إليها وقت الضرورة لتنفيذ مهام سريعة محددة.

بدت المسألة كلها وكأنه سيتم بناء أحد جيوش أفلام حرب الفضاء التي يُـمكن أن تخوض حربا متطورة من بعد، استنادا إلى ضربات دقيقة مكثفة بعيدة المدى، مع تحويل القوات البرية إلى ما يُـشبه “قوات خاصة” تعمل بشكل مباغت على نحو يحدث “الصدمة والرعب”، محققة أهدافها بسرعة قبل أن تعود لأراضيها.

وقد أدّت حرب أفغانستان إلى تعميق تلك التوجهات، إذ أشار الرئيس بوش في شهر ديسمبر 2001 إلى “أن العقيدة الابتكارية والأسلحة عالية التقنية تستطيع أن تشكّـل، ومن ثم تُـسيطر، على صراع غير تقليدي. فعندما تستطيع كل قواتنا المسلحة الاستمرار في اكتشاف وتعقب الأهداف المعادية المتحركة، مع الإشراف على الفضاء والجو، فإن ثورة ستحدث في عالم الحروب”.

كانت وزارة الدفاع الأمريكية قد بدأت تتحرك في هذا الاتجاه بالفعل في أكتوبر 2001، وذلك من خلال إنشاء مكتب يديره الأميرال المتقاعد أرثر سيبروسكي، للإشراف على إحداث ذلك التحول الكبير للقوات الأمريكية.

وقد طور هذا الأخير رؤية خاصة لإدارة حروب المستقبل على أساس ما بدأ يُـعرف باسم الشبكة العسكرية المركزية كفكرة نموذجية، يمكن قياس مدى التحول بمدى الاقتراب من تحقيقها.

لم تكن الفكرة جديدة تماما، إذ كان ثمة كتاب قد صدر قبل ذلك بثلاث سنوات تحت ذلك العنوان بالضبط، ألّـفه ثلاثة من ضباط هيئة الأركان، بمشاركة “سيبروسكي”، يُـعرّف تلك الحرب على بأنها مفهوم لعمليات تقوم على التفوق المعلوماتي المستند على شبكة معلومات مركزية شديدة التطور، تعتمد على الأقمار الصناعية، والطائرات المقاتلة، وطائرات الإنذار المبكر، والطائرات بدون طيار، وأجهزة الاستشعار الأخرى، بما يُـتيح بيانات تفصيلية حول مسرح العمليات، تمكّـن من التعرف على الأهداف وتدميرها بشكل فوري.

“الأخ الأكبر”

كانت الفكرة تُـشبه ما تقوم به الشركات التجارية الكبرى التي تتابع عبر شبكاتها المركزية حركة السوق، على نحو يُـمكّـنها من التوقع الدقيق بمخاطرة محدودة لاتجاهات الطلب، والتكيف بسرعة مع الظروف المتغيرة، وإنتاج السلع بالمواصفات المطلوبة لكل عميل في الوقت الذي يريدها فيه.

وكان الهدف عسكريا وفقا لذلك، توفير معلومات للقوات الأمريكية عن أوضاع الخصم بأكثر مما يعرفه الخصم عن نفسه، في الوقت الذي لا تتوافر له كذلك معرفة مماثلة بأوضاع القوات الأمريكية، بما يتيح خيارات هائلة في إدارة العمليات الحربية.

كانت المسألة بتلك الصورة تتجاوز مجرّد توفير المعلومات إلى ربط كل وحدات القوات المسلحة، إليكترونيا عبر شبكة مركزية، وبطريقة شبكية، بداية بالأقمار الصناعية، مرورا بمراكز القيادة، وصولا إلى الوحدات الميدانية والجنود، لتزويد الجميع في نفس الوقت بصورة لما يجري في كل مكان من ساحة القتال، وعلى نحو يُـفترض أن يغيّـر، في حال إتمامه، من مبادئ الحرب ذاتها وطريقة اتخاذ القرارات وتنظيم القوات المسلحة، ويتيح تغيير الاستراتيجيات خلال العمليات ذاتها، من دفاع متحرك في منطقة، إلى التفاف سريع في أخرى، ثم إلى هجوم مفاجئ في ثالثة، على غرار ألعاب الفيديو متعددة الأطراف.

لقد تمكّـنت القوات الأمريكية خلال حروبها الأخيرة كلها ابتداءا من عام 1991 من السيطرة الجوية على فضاء المعركة، على نحو مكّـنها من شن حملات جوية كاملة بدون مشكلات تُـذكر من الطيران الخصم.

وأدّى ذلك بالفعل، إلى قيام القاذفات الأمريكية بتنفيذ مهامها في قصف أي هدف في أرض الخصم بدون عقبات. وما يتم التفكير فيه في ظل الشبكة المركزية، هو تحقيق نفس الشيء على الأرض بالنسبة للقوات البرية العاملة في مسرح العمليات، بحيث تتمكّـن من الرؤية والحركة والإصابة، في وقت تبدو فيه القوات المناوئة وكأنها في حالة ظلام.

ولكي تصل المسألة إلى أقصاها، فإن “الأخ الأكبر” الذي يراقب كل شيء، يُـمكن أن يعمل كما تمّـت الإشارة من خلال القوات الجوية والصواريخ الموجهة والوحدات البحرية، انطلاقا من الأراضي الأمريكية وقواعد قليلة في الخارج، أو دون الإنزال في ساحة المعارك.

وفي حالات الضرورة، يُـمكن إرسال قوة محدودة العدد أو “صغيرة” تتحرك بسرعة في مسرح العمليات نحو الهدف مباشرة لضربه أو إسقاط نظامه خلال وقت قصير وبخسائر محدودة، كما حدث بالفعل في أفغانستان والعراق خلال تلك الفترات الأولى التي اعتبرت أنها “الحرب”. لكن، ما هي الحرب؟

“مقاولي الدفاع الكبار”

إن مشكلة مثل تلك الأفكار الكبرى، واضحة تماما. فتطور التكنولوجيا العسكرية يُـلهم عادة خيال المخططين الاستراتيجيين، ويؤدي إلى ظهور مثل تلك المشروعات المكلّـفة التي لا تنفصل كثيرا عن مصالح “مقاولي الدفاع الكبار”، الذين حذر الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور من نفوذهم في إشارته الشهيرة للمجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة، وهو المجمع الذي أفرز تصورات مثيرة لحروب مستقبلية تمّ على أساسها تُـبنى أنظمة دفاعية معقّـدة، بينما جاءت الحرب في معظم الأحوال بشكل مختلف تماما.

لقد كانت مبادرة الدفاع الاستراتيجي التي أثارت ضجّـة منذ ظهورها في أوائل الثمانينات، واحدة من تلك المشروعات التي بدا وكأنها يمكن أن تؤدي إلى حل نهائي لمشكلة الحروب النووية التي استندت قبل ذلك على مبدإ الرّدع القائم على مفاهيم الضربة الأولى والضربة الثانية، قبل أن يظهر أنها مكلفة بشدة وغير فـعّـالة تماما في مواجهة أطراف ستفكّـر بالضرورة في استراتيجيات مُـضادّة، كالإغراق، ولن تهدأ، كما توحي تصريحات الرئيس الروسي بوتين مؤخرا حول السلاح النووي الفريد، قبل أن تجد حلاّ لها، ولو كان متصورا أيضا.

إن مشكلة مثل تلك الأفكار الكبرى، واضحة تماما. فتطور التكنولوجيا العسكرية، يُـلهم عادة خيال المخططين الاستراتيجيين، ويؤدي إلى ظهور مثل تلك المشروعات المكلّـفة التي لا تنفصل كثيرا عن مصالح “مقاولي الدفاع الكبار”، الذين حذر الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور من نفوذهم في إشارته الشهيرة للمجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة، وهو المجمع الذي أفرز تصورات مثيرة لحروب مستقبلية تمّ على أساسها تبني أنظمة دفاعية معقّـدة، بينما جاءت الحرب في معظم الأحوال بشكل مختلف تماما.

كما تشير كل المشروعات التي استندت على منجزات الثورة في الشؤون العسكرية، والتي تتضمّـن أسلحة الليزر عالي الطاقة، وأسلحة الموجات الصوتية، وتكنولوجيات الحرب المعلوماتية بتطبيقاتها العسكرية المثيرة، إلى تصورات لحروب شديدة التطور تشنّـها دول أو جيوش باستخدام أسلحة متقدّمة، في حين وضح في الفترة التالية، أن نمط حروب المدن والشوارع، وحروب العصابات والاستنزاف، وهجمات الإرهابيين، وحروب الكهوف في الصحراء، هي التي عادت لتمثل المشكلة، وأن الطائرات المدنية قد تُـستخدم لإحداث خسائر فادحة، وأن الأسلحة النووية ذاتها قد تُـستخدم بطريقة مختلفة من خلال جماعات إرهابية، وأن أنظمة التسليح المتقدم تكون غالبا مُـحايدة خارج مسرح العمليات.

لقد أشارت موجة من التحليلات الأمريكية بشأن حرب الشبكات المركزية إلى وجود نقطة ضعف هامة يُـمكن أن تنفذ إليها العناصر المعادية، وهي استخدام كل أساليب “حرب المعلومات” ضد شبكة البنتاغون لتخريبها وإيقاف عملها، بما قد يُـسبب ارتباكا هائلا لقوات يُـفترض أنها عـولت على الاعتماد عليها في حالة حرب فعلية، وهناك أمثله لا حصر لها على محاولات ناجحة لاختراق شبكات البنتاغون العسكرية، خاصة وأن الأمر لن يتوقف في تلك الحالة على “هاكرز” هواه، وإنما جيوش إليكترونية مضادة.

لكن الأهم، هو أن هذا المنطق برُمّـته يتجاهل ما حدث بالفعل في حالتي أفغانستان والعراق، فلم يتكرر نموذج الكوسوفو التي قامت القوات بقيادة الولايات المتحدة بالمُهمّـة العسكرية، ثم تركت المسرح للحلف الأطلسي، إذ ظهرت في الحالتين مشكلة حقيقية تتعلّـق بما سمي حالة “ما بعد الحرب”، والتي تحوّلت في الواقع إلى حرب أخرى بمنطق مختلف يكاد يُـماثل الحرب الحقيقية. فانهيار الجيوش لم يكن نهاية المطاف ووضح أن “بناء الأمة” قد أصبح هو القضية.

كانت الولايات المتحدة قد بدأت فعليا تحت تأثير مثل تلك الأفكار في وضع خطط لسحب قواتها من الخارج، وكأن ثمة توجّـه لخفض حجم الجيش العامل والاحتياطي بنسبة 20%، وتدعمت التوجهات الخاصة بحروب المستقبل المتصورة نسبيا بعد عمليات أفغانستان، وتم التخطيط لحرب العراق 2003 بالفعل على أساس التوجهات الجديدة، وحـقق كل ذلك نتائج هامة في مرحلة المواجهات النظامية، لكن ما حدث بعد ذلك، أثبت أن الحرب أكبر من أن تُـترك لهيئات الأركان أو معامل الأبحاث العسكرية.

انتقادات داخلية

إن أهم الانتقادات التي وجهت من داخل الولايات المتحدة لمثل هذا التوجه في تطوير القوة المسلحة، هو أنها لن تحقق الهدف السياسي للحرب، حتى لو حققت انتصارا عسكريا. فتبعا لأحد المقالات “إن الخطأ الأساسي هنا، يكمن في رؤية العدو كمجموعة من الأهداف”.

“فالعدو في الحرب هو عبارة عن مجموعة من البشر، بعضهم يجب أن يتم قتلهم، وآخرون يجب أن يتم اعتقالهم. لكن الغالبية العظمى يجب أن يتم إقناعهم، ليس فحسب بالرعب الصادم للقوة الأمريكية، ولكن أيضاً بالرغبة في إتباع السياسات التي تأمل الولايات المتحدة منهم أن يتبعوها”.

ومع كل ذلك، عادت وزارة الدفاع الأمريكية للبدء في تطبيق مشروع “الشبكة المركزية” في ظل حالة من الفصل بين ما جرى في الحروب النظامية وما جرى بعدها. ومن المؤكد، أنه ستكون لتلك الشبكة تأثيرات هامة على شكل القوات الأمريكية وأسلوب عملها، بل ونتائج الحرب في المستقبل.

فقد أثبتت التكنولوجيا العسكرية أنها يمكن أن تحقق تأثيرات مذهلة، لكن المشكلة أن حروب المستقبل لا تأتي وفق منطق الشبكات التي يمكن إدراك حدودها في ظل حروب متصورة تُـشن ضد كوريا الشمالية أو إيران أو كوبا، إضافة إلى عناصر التنظيمات الإرهابية، كما أن نظرية السيف والدرع ستظل قائمة، فهناك دائما طريقة ما لشن حرب يصعب توقعها.

د. محمد عبد السلام – القاهرة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية