تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

"أذكــرُوا العراقـيّـيـن بالخير.. "

بائعو شاي من الأطفال العراقيين أمام مقام الإمام الحسين في كربلاء - (المصدر: صحيفة NZZ الإسبوعية - تصوير: كريستوف بلات)

َعـلقت تلك العبارة في ذهن مراسل صحيفة NZZ am Sonntag الأسبوعية كريستوف بلات أثناء زيارته إلى العراق أخيرا.

أما قائلها فهو مرافق صحفي عراقي، تفرض السلطات العراقية وجوده مع كل صحفي أجنبي. وبين العبارة وقائلها ذكريات قصها على "سويس إنفو" السيد بلات إثر عودته مباشرة.

أنتظر السيد كريستوف بلات، المراسل الدولي لصحفية NZZ am Sonntag السويسرية الأسبوعية والناطقة باللغة الألمانية، ثمانية أشهر كي يحصل على تأشيرة سفر إلى العراق. وعند وصوله هناك كان أول ما أسترعي انتباهه القيود التي يفرضها النظام الحاكم على تحرك الصحافيين الأجانب.

وفقا للقواعد المعمول بها هناك، يتم تعيين مرافق لكل صحفي أجنبي يصل إلى البلاد. مبررُ ذلك وفقا للتفسير الرسمي "تسهيل عمل الصحفي". واقعيا، كما يرى الصحفيون الأجانب، فإن دور المرافق يدخل في نطاق "التجسس" على عملهم، والتأثير على نوعية المعلومات التي يجمعونها.

ولأن السيد بلات أعتاد على أجواء عمل "أقل تقييدا" على حد تعبيره في حديثه مع سويس إنفو، فقد وجد في الموضوع ما يستحق تناوله. كانت النتيجة مقالا بعنوان "اذكروا العراقيين بالخير"، نشرته الجريدة يوم الأحد 26 يناير الماضي، وبه أنهى السيد بلات سلسلة من المقالات تناول فيها أوجه مختلفة من المسألة العراقية والوضع في البلاد.

قد يكون النظام أُضعف.. ولكن!

المهم في موضوع المقال هو أنه مكّن، وبصورة غير مباشرة، من الحديث عن أوضاع الحريات في العراق. فالرجل في حديثه عن العوائق التي واجهت عمله، تعرض في الوقت ذاته إلى الستار المسدل على المواطنين أنفسهم.

"النظام قد يكون قد أُضعف لكنه يظل شديد الانضباط والسيطرة. حيث تخضع الأحاديث الهاتفية إلى المراقبة، كما يتم التجسس على السفارات الغربية، والعديد من غرف الفنادق مزودة بأجهزة تنصت. ولذا فإن طرح الأسئلة الشديدة الحساسية - من نوعية التساؤل عن الرئيس صدام حسين أو عن أي علاقة مع المعارضة في الخارج - يظل من الأفضل طرحها وجها لوجه، وفي الخلاء بعيدا عن الجدران المغلقة".

جدار الخوف... يتآكل!

هذا لا يعني أن المواطن العراقي العادي فقد لسانه في التعبير عن رأيه. على العكس من ذلك، يقول السيد بلات:"تولد لدي شعور بأن الناس بدأت تتخلص من خوفها. فكلما كنت وحيدا مع شخص ما، وفي مكان يصعب التنصت عليه، كنت أسمع عبارات من قبيل: هناك حاجة إلى تغيير الأوضاع".

هذا الرأي لا ينبعث فقط من الانطباعات التي خرج بها السيد بلات من زيارته. فقد أكده له أيضا مراقبون ممن زاروا العراق عدة مرات، ولهم خبرة بأوضاعه على مدى عشرين عاما.

رغم ذلك، فإن للانتقاد حدودا حيث:"لن تجدِ من يقول إن على صدام التنحي. فمن سيفعل ذلك لن يقولها علانية. لكن ستجد من يستعمل تعابير من قبيل ‘بعد مرور ما نواجهه الآن’، أو ‘عندما نعيش في ظل حكم جديد’".

"الكل في نفس الخندق"

في ظل مشاعر عدم الرضا هذه، كان مدهشا ما لاحظه السيد بلات. فحسب رأيه، عند الحديث عن الحرب الأمريكية المحتملة يقف المؤيدون والمعارضون للرئيس صدام حسين في نفس الخندق. كلاهما يقول:"لدى الولايات المتحدة أجندة ومخططات خفية بالنسبة للمنطقة".

المعارضون للنظام القائم لم ينسوا ما حدث عام 1991، والكيفية التي تخلت بها الولايات المتحدة عن انتفاضة الشيعة في الجنوب، متسببة في مقتل الكثيرين منهم.

ويتفق الفريقان على رأي واحد:"نحن لا نريد أن نُـحـكـم من قبل الولايات المتحدة. هي تريد إعادة تنظيم الشرق الأوسط، واهتمامها يرتبط بنفطنا أساسا، وفوق هذا فهي لا تعامل إسرائيل بنفس المعايير التي تعاملنا به".

يبدو هذا الموقف ملفتا بالنسبة للسيد بلات لأنه لاحظ في الوقت ذاته أن الكثير من العراقيين، والمنتمين إلى الطبقة الوسطى منهم خصوصا، يميلون إلى الأسلوب الأمريكي في الحياة: "سيقودون سيارة شيفورليه، وسيتوجهون إلى مطعم للهمبورجور، وسيشاهدون الأفلام الأمريكية في المساء".

للشعب كبرياؤه أيضاً!

ألا يمكن تفسير التناقض البادي في موقف المعارضين للنظام العراقي بخوفهم من التعبير عن رأيهم الفعلي تجاه التدخل الأمريكي؟ تأتي إجابة السيد بلات ملونة بطيفين.

فمن جانب، يقر بوجود شريحة سترحب بالأمريكيين:"نعم، يمكنك مقابلة من سيقول ‘دع الأمريكيين يدخلون، سيستغرق الأمر أسبوعين أو شهرين، وسنعاني قدرا من العذاب، لكننا سنتخلص في المقابل من هذه الحكومة’".

لكنه، من جانب أخر، يشير إلى عاملٍ مؤثر لا يمكن التقليل من أهميته:"هناك كبرياء عراقي، وهو كبرياء له ما يبرره. لا أحد يشعر بالفخر تجاه الحكومة، كما لا يفخر أحد بصدام حسين، لكن الكبرياء العراقي يبقى. وإذا كانت هناك قوة احتلال فإن الوضع سيختلف عما كان عليه عام 1991. فعلى المواطنين الآن أن يدافعوا عن أنفسهم داخل بلادهم.. وأعتقد أنهم لن يوافقوا بالضرورة على كل شئ ستفرضه إدارة أمريكية في حال انتصار واشنطن".

المارد سينهض من جديد!

في ظل هذه الملامح المتشابكة، كيف يصف السيد بلات انطباعه العام عن البلاد؟ إجابة المراسل الدولي لصحيفة NZZ الأسبوعية جاء وقعها رطبا على النفس. فقد كان الرجل .. متفائلا!.

إذ أن أكثر ما أسترعي انتباهه إحساسه المتواصل "بالعظمة العراقية التي كانت متواجدة في الماضي". فالطبقة المتوسطة لم تسحق بعد، والجيل السابق، ممن تتراوح أعماره بين الخمسين والسبعين عاما، لازال موجودا:"هذا الجيل قادر على الحديث معك باللغة الألمانية أو الفرنسية أو الإنجليزية أو الروسية، وهم يستمعون إلى أنواع الموسيقى الكلاسيكية، وقادرون على مناقشة شكسبير أو جويس معك".

صحيح أن أبناء هذا الجيل، ذلك الذي ولد في الثمانينات وحُرم من التعليم، هو "جيل ضائع"، كما يسميهم العراقيون أنفسهم. إلا أن آباؤهم والجيل المولود حديثا لا زالوا موجودين.

"قال لي العديد من الأوروبيين وكبار السن من العراقيين إنه متى ما أنتهي الحصار، وذهب النظام القائم، وسُخرت الموارد النفطية لأعمار البنى التحتية من جديد، فإن العراق سيعود إلى عظمته السابقة. وأنا أؤمن بهذا الرأي تماما".

أمل يبدو كالبصيص الخافت في نفق مظلم. لكن مجرد طرحه، وبتلك الثقة، يؤكد أن السيد بلات لم ينس وصية مرافقه الصحفي. فقد ذكر العراقيين فعلاً بالخير.

إلهام مانع - سويس إنفو

معطيات أساسية

آنتظر الصحفي كريستوف بلات ثمانية أشهر للحصول على تأشيرة دخول إلى العراق.
كتب السيد بلات عدة مقالات أثناء تلك الزيارة كان أخرها مقال "اذكروا العراقيين بالخير".
تعرض السيد بلات في مقاله الأخير إلى القيود التي يفرضها النظام العراقي على عمل المراسلين والصحافيين الأجانب.
إحدى وسائل التقييد ترتبط بتعيين "مرافق" مع كل مراسل صحفي.
تصف السلطات العراقية مهمة المرافق بـ"تسهيل مهام عمل الصحفي" لكن المراسلين الأجانب فيصفون عمل المرافق بـ"التجسسي".

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×