"أيام الندم" لن تكون الأخيرة..

خرجت القوات الإسرائيلية من شمال غزة ولم تخرج، أعادت انتشارها أو تراجعت قليلا بعد أن قتلت أكثر من 120 فلسطينيا.

هذا المحتوى تم نشره يوم 20 أكتوبر 2004 - 09:51 يوليو,

لقد تركت وراءها جرحى بالمئات، ودمّـرت المنازل والورش والممتلكات، كما أعادت تدمير البنية التحتية الهشة في هذه المناطق الفلسطينية المحاصرة.

على الجانب الفلسطيني، يتحدثون عن انقطاع بسيط للمجزرة وعن ثبات للمقاومة التي راحت تضعف شيئا فشيئا، وفي إسرائيل، يؤكّـد رئيس الوزراء أرييل شارون على أنه لا يغادر غزة هربا، وإنما باختياره.

سياسيا، لم يخرج عن الهجوم الإسرائيلي أي تقدم أو انفراج، تراجعت فُـرص الحوار المجمّـد إلى مستويات متدنية، وراح الإسرائيليون يتحدثون عن انقسامات جديدة تُـصيب قلب المجتمع الإسرائيلي وتهدد تماسكه.

وما لبث شارون أن غادر ساحة معركة شمال غزة، حتى تهيأ لمواجهة جديدة داخل حزبه، وفي أروقة الكنيست، البرلمان الإسرائيلي، وعلى جبهة المستوطنين، ومرة أخرى داعيا حزب العمل للتفاوض والدخول في حكومة وحدة وطنية.

ثمة رائحة مألوفة في السماء الإسرائيلية الفلسطينية، رائحة معهودة معروفة تقود إلى تذكّـر حملات مشابهة خلال السنوات الأربع الأخيرة من عمر حكومة شارون.

ربما حمل اسم الحملة العسكرية في شمال غزة مصطلحات جديدة، لكن "أيام الندم" التي شنّـها جيش شارون في القطاع الموصد المغلق، ليست سوى تكرار لعمليات "السور الواقي" ورفيقاتها في الضفة الغربية.

تهدد إسرائيل بأنها ستعود بعمليات أوسع وأكبر إذا ما استمر سقوط صواريخ القسام على مدينة سديروت الإسرائيلية في الجنوب، لكن جيش شارون الذي يقول إنه يستعد للانفصال من جانب واحد، لم يبرح المكان.

صفة أخرى ثابتة لازمت حملات إسرائيل الهجومية في الأراضي الفلسطينية، سوى أنها لم تُـلفت الانتباه، ومفادها تأكيد العالم أنه مستعد لدفع ثمن الممتلكات الفلسطينية المدمرة جراءها.

وفي الحملة ونتائجها وتواصلها أكثر مما تراه العين المجردة ويدركه المنطق. فدائرة المواجهة الإسرائيلية الفلسطينية معلقة بأسباب لا يطيقها، سوى صراع من هذا الطراز، وقادة من عيار شارون.

الخسائر مقابل الغنائم

يقول ماجد الكيالي، الكاتب في الشؤون الإسرائيلية في تعليق على الهجوم الإسرائيلي الأخير في شمال غزة إن "إسرائيل تصرفت مع الفلسطينيين بطريقة ثأرية تدميرية، إذ أن تعاطيها معهم لا يوحي بأنه كان ثمة نوع من مشروع تسوية"، مضيفا أن إسرائيل "تريد الاستمرار في حملة ضد الشعب الفلسطيني لإخضاعه ووأد مقاومته، وتوجيه رسائل أنها تنسحب، فإنما تنسحب منتصرة، وأنها تمنع الفلسطينيين من الظهور بمظهر المنتصر".

ولعل الأرقام والإحصاءات المتوافرة من سنوات الانتفاضة الأخيرة تفيد في هذا السياق، لاسيما وأن الحديث يتعلّـق بالخسائر على الطرفين، الإسرائيلي والفلسطيني.

وإذا كانت عملية "أيام الندم" على شمال غزة في التبرير الإسرائيلي تندرج في إطار أن عمليات الفلسطينيين قد زادت، فإن الأرقام تقول عكس ذلك. فبينما بلغت خسائر الإسرائيليين خلال عام 97 قتيلا (حتى أواخر أيلول 2004)، فإنها بلغت في تلك الفترة نحو 700 قتيلا فلسطينيا.

وبالإجمال، بلغت خسائر الفلسطينيين نتيجة العنف الإسرائيلي خلال الأعوام الأربعة الماضية من الانتفاضة، حوالي 3600 قتيل و42 ألف جريح، وحوالي 27 ألفا دخلوا المعتقلات (بقي منهم نحو 7500)، إضافة إلى تدمير نحو 60 ألف منزل ووحدة سكنية، كل ذلك من دون الحديث عن الخسائر الاقتصادية الباهظة وغير المسبوقة.

يقول قاسم الخطيب، الخبير في الشؤون الإسرائيلية الفلسطينية، إن شارون ذهب في حملته الأخيرة إلى شمال قطاع غزة ليقول للفلسطينيين: "أنتم تخسرون كثيرا وعليكم تذكّـر ذلك".

ويضيف الخطيب، أن شارون أراد من الهجوم الإسرائيلي الأخير في غزة أن يقول لمنتقديه في الساحة الداخلية، بأنه خبير في الأمن، وأنه يذهب لمواجهة معارضيه بنتائج ملموسة على أرض الميدان.

وفي مقابل ذلك، يرى مراقبون أن شارون استطاع أن يُـكبّـد حماس خسائر مباشرة، لاسيما في ضرب تلك الخلايا التي تتكفّـل بعمليات إطلاق صواريخ القسام على مدينة سديروت الإسرائيلية.

تشير بعض التقارير "غير المؤكدة" أن عملية "أيام الندم" انتهت بالتوصل إلى تفاهم بين حماس وإسرائيل حول إطلاق صواريخ القسام، وهو تفاهم تم بوساطة مصرية، لاسيما اللواء عمر سليمان، مدير المخابرات المصرية، الذي قاد الوساطة بنفسه وفق ذات المصادر.

الواضح أن العملية انتهت بإيقاع مزيد من الخسائر في صفوف الفلسطينيين، خسائر في الأرواح، ليس ثمة من يُـعوضها، وخسائر في الممتلكات، يعرض العالم تعويضها.

عملية أيام الندم التي انتهت مرشحة للعودة تحت اسم آخر، ولا شيء في الأفق يوحي بإمكان ردعها، خصوصا وأن إسرائيل باتت تُـدير الاحتلال الأرخص: تقتل وتدمر وتحتل، وآخرون يدفعون الفاتورة.

هشام عبدالله - رام الله

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة